logo

اللحظات الأولى لفتح القسطنطينية والمعاملة المشرفة للمغلوبين

 

عند السَّاعة الواحدة صباحاً من يوم الثَّلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29 مايو 1435م بدأ الهجوم العامُّ على القسطنطينية بعد أن أُصدرت الأوامر للمجاهدين الَّذين علت أصواتهم بالتَّكبير، وانطلقوا نحو الأسوار، وخاف البيزنطيُّون خوفاً عظيماً، وشرعوا في دقِّ نواقيس الكنائس، والتجأ إِليها كثيرٌ من النَّصارى، وكان الهجوم النِّهائي متزامناً برِّيَّاً، وبحريَّاً في وقتٍ واحدٍ حسب خطَّةٍ دقيقةٍ أُعدَّت بإِحكامٍ، وكان المجاهدون يرغبون في الشَّهادة، ولذلك تقدَّموا بكلِّ شجاعةٍ، وتضحيةٍ، وإقدام نحو الأعداء، ونال الكثير من المجاهدين الشَّهادة.

كان الهجوم موزَّعاً على كثير من المناطق، ولكنَّه مركَّز بالدَّرجة الأولى في منطقة وادي ليكوس بقيادة السُّلطان محمَّد الفاتح نفسه، وكانت الكتائب الأولى من العثمانيِّين تمطر الأسوار والنَّصارى بوابلٍ من القذائف والسِّهام محاولين شلَّ حركة المدافعين، ومع استبسال البيزنطيِّين، وشجاعة العثمانيِّين كان الضحايا من الطَّرفين يسقطون بأعدادٍ كبيرةٍ، وبعد أن أُنهِكت الفرقة الأولى الهجوميَّة، كان السُّلطان قد أعدَّ فرقةً أخرى، فسحب الأولى، ووجَّه الفرقة الثَّانية، وكان المدافعون قد أصابهم الإِعياء، وتمكَّنت الفرقة الجديدة من الوصول إِلى الأسوار، وأقاموا عليها مئات السَّلالم في محاولة جادَّةٍ للاقتحام، ولكنَّ النَّصارى استطاعوا قلب السَّلالم واستمرَّت تلك المحاولات المستميتة من المهاجمين، والبيزنطيُّون يبذلون قصارى جهودهم للتَّصدِّي لمحاولات التَّسلُّق.

وبعد ساعتين من تلك المحاولات أصدر الفاتح أوامره للجنود لأخذ قسط من الرَّاحة، بعد أن أرهقوا المدافعين في تلك المنطقة، وفي الوقت نفسه أصدر أمراً إِلى قسمٍ ثالثٍ من المهاجمين بالهجوم على الأسوار من نفس المنطقة، وفوجئ المدافعون بتلك الموجة الجديدة بعد أن ظنُّوا: أنَّ الأمر قد هدأ، وكانوا قد أُرهقوا، في الوقت الَّذي كان المهاجمون دماءً جديدةً معدَّةً، ومستريحةً، وفي رغبةٍ شديدةٍ لأخذ نصيبهم من القتال، كما كان القتال يجري على قدمٍ وساق في المنطقة البحريَّة، ممَّا شتَّت قوَّات المدافعين، وأشغلهم في أكثر من جبهةٍ في وقتٍ واحدٍ.

ومع بزوغ نور الصَّباح أصبح المهاجمون يستطيعون أن يحدِّدوا مواقع العدوِّ بدقَّةٍ أكثر، وشرعوا في مضاعفة جهودهم في الهجوم، وكان المسلمون في حماسةٍ شديدةٍ، وحريصين على إِنجاح الهجوم، ومع ذلك أصدر السُّلطان محمَّد الأوامر إِلى جنوده بالانسحاب، لكي يتيحوا الفرصة للمَدافع، لتقوم بعملها مرَّةً أخرى، حيث أمطرت الأسوار، والمدافعين عنها بوابلٍ من القذائف، وأتعبتهم بعد سهرهم طوال اللَّيل، وبعد أن هدأت المدفعيَّة، جاء قسمٌ جديدٌ من شجعان الإِنكشاريَّة يقودهم السُّلطان نفسه تغطِّيهم نبالُ وسهامُ المهاجمين الَّتي لا تنفكُّ عن محاولة منع المدافعين عنها، وأظهر جنود الإِنكشاريَّة شجاعةً فائقةً، وبسالةً نادرةً في الهجوم، واستطاع ثلاثون منهم تسلُّق السُّور أمام دهشة الأعداء، ورغم استشهاد مجموعةٍ منهم بمن فيهم قائدهم، فقد تمكنوا من تمهيد الطَّريق لدخول المدينة عند طوب قابي، ورفعوا الأعلام العثمانيَّة، ممَّا زاد في حماس بقيَّة الجيش للاقتحام، كما فتُّوا في عضد الأعداء.

وفي نفس الوقت أصيب قائد المدافعين جستنيان بجراحٍ بليغةٍ دفعته إِلى الانسحاب من ساحة المعركة ممَّا أثَّر في بقيَّة المدافعين، وقد تولَّى الإمبراطور قسطنطين قيادة المدافعين بنفسه محلَّ جستنيان الَّذي ركب إحدى السُّفن فارَّاً من أرض المعركة، وقد بذل الإمبراطور جهوداً كبيرةً في تثبيت المدافعين الَّذين دبَّ اليأس في قلوبهم من جدوى المقاومة، في الوقت الَّذي كان فيه الهجوم بقيادة السُّلطان شخصياً على أشدِّه محاولاً استغلال ضعف الرُّوح المعنويَّة لدى المدافعين.

وقد واصل العثمانيُّون هجومهم في ناحيةٍ أخرى من المدينة حتَّى تمكَّنوا من اقتحام الأسوار والاستيلاء على بعض الأبراج، والقضاء على المدافعين في باب أدرنة، ورفعت الأعلام العثمانيَّة عليها، وتدفَّق الجنود العثمانيُّون نحو المدينة من تلك المنطقة، ولما رأى قسطنطين الأعلام العثمانيَّة ترفرف على الأبراج الشَّماليَّة للمدينة، أيقن بعدم جدوى الدِّفاع، وخلع ملابسه حتَّى لا يعرف، ونزل عن حصانه، وقاتل حتَّى قتل في ساحة المعركة.

وكان لانتشار خبر موته دورٌ كبيرٌ في زيادة حماس المجاهدين العثمانيِّين، وسقوط عزائم النَّصارى المدافعين، وتمكَّنت الجيوش العثمانيَّة من دخول المدينة من مناطق مختلفةٍ، وفرَّ المدافعون بعد انتهاء قيادتهم، وهكذا تمكَّن المسلمون من الاستيلاء على المدينة، وكان الفاتح ـ رحمه الله ـ مع جنده في تلك اللَّحظات يشاركهم فرحة النَّصر، ولذَّة الفوز بالغلبة على الأعداء من فوق صهوة جواده، وكان قوَّاده يهنئونه، وهو يقول: (الحمد لله، ليرحم الله الشهداء، ويمنح المجاهدين الشَّرف، والمجد، ولشعبي الفخر، والشكر!).

كان هناك بعض الجيوب الدِّفاعية داخل المدينة الَّتي تسبَّبت في استشهاد عددٍ من المجاهدين، وقد هرب أغلب أهل المدينة إِلى الكنائس، ولم يأت ظهيرة ذلك اليوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857هـ الموافق 29 من مايو 1453م، إِلا والسُّلطان الفاتح في وسط المدينة يحفُّ به جنده، وقوَّاده، وهو يردِّدون: ما شاء الله! فالتفت إِليهم، وقال: لقد أصبحتم فاتحي القسطنطينيَّة الَّذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنَّأهم بالنَّصر، ونهاهم عن القتل، وأمرهم بالرِّفق بالنَّاس، والإِحسان إِليهم، ثمَّ ترجَّل عن فرسه، وسجد لله على الأرض شكراً، وحمداً، وتواضعاً لله تعالى.

 

معاملة محمَّد الفاتح للنَّصارى المغلوبين

توجَّه محمَّد الفاتح إِلى كنيسة آيا صوفيا، وقد اجتمع فيها خلقٌ كبيرٌ من النَّاس، ومعهم القسس، والرُّهبان الَّذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم، وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف النَّصارى داخلها خوفاً عظيماً، وقام أحد الرُّهبان بفتح الأبواب له، فطلب من الرَّاهب تهدئة النَّاس، وطمأنتهم، والعودة إِلى بيوتهم بأمانٍ، فاطمأنَّ الناس، وكان بعض الرُّهبان مختبئين في سراديب الكنيسة، فلمَّا رأوا تسامح الفاتح، وعفوه، خرجوا، وأعلنوا إِسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة إِلى مسجدٍ، وأن يعدَّ لهذا الأمر حتَّى تقام بها أوَّلُ جمعةٍ قادمة، وقد أخذ العمَّال يعدُّون لهذا الأمر، فأزالوا الصُّلبان، والتَّماثيل، وطمسوا الصُّور بطبقةٍ من الجير، وعملوا منبراً للخطيب، وقد يجوز تحويل الكنيسة إِلى المسجد، لأنَّ البلد فتحت عنوةً، والعنوة لها حكمها في الشَّريعة الإِسلاميَّة.

وقد أعطى السُّلطان للنَّصارى حرِّيَّة إقامة الشَّعائر الدِّينيَّة، واختيار رؤسائهم الدِّينيِّين، الَّذين لهم حقُّ الحكم في القضايا المدنيَّة، كما أعطى هذا الحقَّ لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى، ولكنَّه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع.

لقد حاول المؤرِّخ الإِنجليزيُّ إِدوارد شيبرد كريسي في كتابه: «تاريخ العثمانيِّين الأتراك» أن يشوِّه صورة الفتح العثمانيِّ للقسطنطينيَّة، ووصف السُّلطان محمَّد بصفاتٍ قبيحةٍ حقداً منه، وبغضاً للفتح الإِسلاميِّ المجيد وسارت الموسوعة الأمريكيَّة المطبوعة في عام 1980م في حمأة الحقد الصَّليبيِّ ضدَّ الإسلام، فزعمت: أنَّ السلطان محمَّد قام باسترقاق غالبية نصارى القسطنطينيَّة، وساقهم إِلى أسوق الرَّقيق في مدينة أدرنة، حيث تمَّ بيعهم هناك.

إِنَّ الحقيقة التَّاريخيَّة النَّاصعة تقول: إِنَّ السلطان محمَّداً الفاتح عامل أهل القسطنطينيَّة معاملةً رحيمةً، وأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى، والرِّفق بهم، وافتدى عدداً كبيراً من الأسرى من ماله الخاصِّ، وخاصَّةً أمراء اليونان، ورجال الدِّين، واجتمع مع الأساقفة، وهدَّأ من روعهم، وطمأنهم إِلى المحافظة على عقائدهم، وشرائعهم، وبيوت عبادتهم.

أمرهم السلطان بتنصيب بطريرك جديدٍ، فانتخبوا أجناديوس بطريركاً، وتوجَّه هذا بعد انتخابه في موكبٍ حافلٍ من الأساقفة إِلى مقرِّ السُّلطان، فاستقبله السُّلطان محمَّد الفاتح بحفاوةٍ بالغةٍ، وأكرمه أيَّما تكريمٍ، وتناول معه الطَّعام، وتحدَّث معه في موضوعاتٍ شتَّى، دينيَّةٍ، وسياسيَّةٍ، واجتماعيَّةٍ، وخرج البطريرك من لقاء السُّلطان، وقد تغيَّرت فكرته تماماً عن السَّلاطين العثمانيِّين وعن الأتراك، بل والمسلمين عامَّةً، وشعر أنَّه أمام سلطانٍ مثقَّفٍ صاحب رسالةٍ، وعقيدةٍ دينيَّةٍ راسخةٍ، وإِنسانيَّة رفيعةٍ، ورجولةٍ مكتملةٍ، ولم يكن الرُّوم أنفسهم أقلَّ تأثراً، ودهشةً من بطريركهم، فقد كانوا يتصوَّرون أنَّ القتل العامَّ لا بدَّ لاحقهم، فلم تمض أيامٌ قليلةٌ حتَّى كان النَّاس يستأنفون حياتهم المدنيَّة العاديَّة في اطمئنانٍ، وسلامٍ.

كان العثمانيُّون حريصين على الالتزام بقواعد الإِسلام، ولذلك كان العدل بين النَّاس من أهمِّ الأمور الَّتي حرصوا عليها، وكانت معاملتهم للنَّصارى خاليةً من أيِّ شكلٍ من أشكال التَّعصُّب، والظُّلم، ولم يخطر ببال العثمانيِّين أن يضطهدوا النَّصارى بسبب دينهم

إِنَّ مِلَلَ النَّصارى تحت الحكم العثمانيِّ تحصَّلت على جميع حقوقها الدِّينيَّة، وأصبح لكلِّ ملَّةٍ رئيسٌ دينيٌّ لا يخاطب غير حكومة السُّلطان ذاتها مباشرةً، ولكلِّ ملَّةٍ من هذه الملل مدارسها الخاصَّة، وأماكن للعبادة، والأديرة، كما أنَّه كان لا يتدخَّل أحدٌ في ماليتها، وكانت تطلق لهم الحرِّيَّة في تكلُّم اللُّغة الَّتي يريدونها.

إِنَّ السُّلطان محمَّداً الفاتح لم يُظهر ما أظهره من التَّسامح مع نصارى القسطنطينيَّة إِلا بدافع التزامه الصَّادق بالإِسلام العظيم، وتأسيا بالنَّبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم، ثمَّ بخلفائه الرَّاشدين من بعده، الَّذين امتلأت صحائف تاريخهم بمواقف التَّسامح الكريم مع أعدائهم.

 



حول هذه القصة

منذ اللحظة الأولى لفتح القسطنطينية عام 1453، شرع السلطان محمد الفاتح في تطبيق رؤيته لعاصمته العثمانية الجديدة، ولم يردها مدينة تركية أو إسلامية فحسب، بل حرص على أن تعكس التنوع العرقي والثقافي الهائل.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة