الحرب الحبشية السودانية في القرن الـ19 الميلادي

 

لم يحدث بين حملة عيزانا، ملك الحبشة، عام 350م على مروي، والحرب المهدية الحبشية صراع عسكري صريح بين الجانبين، أما حمدان أبو عنجة فهو من أشهر قادة الثورة المهدية التي اندلعت في السودان عام 1881 معلنة بدء زمن السيولة، الذي يمر بوقائع حاسمة تجمد من جديد في قوالب يستقر عليها الزمن وتوازناته، وتتشكل طيورا وتنانين.. في ارتقاب زمن سيولة جديد.

ودعا الإمام المهدي الملك يوحنا، ملك الحبشة، للإسلام والمهدية في آن معا، فقد كان المهدي يحلم ويتنبأ بضم العالم إلى حكمه؛ ليملأه عدلا، ورد الملك ردا متحمسا لديانته؛ لكن توجس المهديون من الأحباش، ومن تعاونهم مع الحكومة المصرية في إجلاء حاميات شرق السودان عبر أراضيهم نحو مصوع في مصر.

بدأ المهديون يناوشون الأحباش، بدون رد حبشي؛ لكن قطاع الطرق -شفتة تلك الأيام- قادوا الوضع للانفجار -كما فعلوا هذه الأيام-، فانضم قاطع طريق حبشي للمهديين، فطالب به الأحباش لمعاقبته، وانتهى الأمر بالصدام ودخول الأحباش القلابات المدينة الحدودية السودانية.

ورغم سيولة الوضع في السودان، أدرك الخليفة أهمية حماية القلابات واستعادتها، فعين قائدا هو يونس الدكيم، الذي واصل المناوشات، وأرسل لاحقا مستغيثا بالخليفة؛ لأن الأحباش جمعوا جيشا ضخما.

لم يجد الخليفة أفضل من حمدان أبو عنجة، فأرسله للشرق مع نهاية مهمته في قمع ثورات الغرب السوداني؛ لينتصر أبو عنجة على الأحباش في معركة فاصلة مع القوات الحبشية، وسط جو روحي فسرت فيه كل الظواهر الطبيعية تفسيرا غيبيا على أنها "كرامات" واكبتها خطة ناجحة من أبو عنجة.

واصل المهديون زحفهم حتى دخلوا غوندر، التي يصفها أبو عنجة في رسالته للخليفة بـ"أم مدائنهم"، وانسحب أبو عنجة عائدا للقلابات بعد تخريبه عددا من الكنائس، مبديا إعجابه بالقصور الحبشية، قائلا

فجلنا فيها يمينا وشمالا،

وأعجبنا ما شاهدناه فيها من القصور الشامخات،

وارتكبوا جريمة غير مسبوقة، فأحرقوا 45 كنيسة، في واقعة لم يسبق لها نظير في تاريخ المسلمين.

لكن زمن السيولة لا يمنح أحدا فرصة للتصرف بحرية تامة، فقد وصل الإيطاليون مصوع، فاضطر الملك يوحنا لمراسلة أبي عنجة طالبا الصلح قائلا:

والواقع أن الإفرنج أعداء لنا ولكم،

فإذا غلبونا، وهزمونا لم يتركوكم؛

بل خربوا دياركم، وإذا غلبوكم، وكسروكم، فعلوا بنا كذلك،

فالرأي الصواب أن نتفق عليهم ونحاربهم ونغلبهم،

مستعطفا أبو عنجة بالعرق الأسمر، واصفا السودانيين والأحباش بأنهم "في الأصل من جد واحد"، وأن المهم التحالف ضد الترك والإفرنج؛ لكن رد أبو عنجة ظل متمرسا بالعقيدة المهدية، فلم يقبله يوحنا، واستنفر جيوشه، بينما حصن أبو عنجة القلابات.

وقبل إتمامه المهمة، توفي أبو عنجة بالحمى، فرثاه الشعراء لبطولاته، وخلفه الزاكي طمل، مواصلا الاستعداد للمعركة التي جرت في مارس/آذار 1889، ورغم اقتراب الأحباش من النصر؛ إلا إن إصابة ملكهم أربكتهم، فهربوا بسرعة حيث مات الملك لاحقا، وظفر المهديون بجثته مع تتبعهم للأحباش، فأرسلوا رأسه وملابسه الذهبية لأم درمان.

انشغل الملك منليك خليفة يوحنا بالإيطاليين، وانشغل المهديون بمجاعة 1889، وبدأ زمن الجمود مجددا، وأطل الاستعمار لاحقا، لتواصل الشعوب مواجهة أقدارها، والبحث عن خلاصها من جديد.

 



حول هذه القصة

نفى الناطق باسم الخارجية السودانية صحة الادعاءات أن بلاده تحتل أراضي إثيوبية. وفي حين أشار عضو بمجلس السيادة السوداني إلى عواقب حرب محتملة جراء النزاع الحدودي، طالب متحدث إثيوبي بالعودة للوضع السابق.

28/1/2021
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة