logo

في كوكب العقاد كانت لي أيام

 

إذا استحضرت السيوطي في وفرة إنتاجه وتعدّد مجالاته، وجال بخاطرك طَيف عن موسوعية ابن تيمية ومناقشته للفِرق والأطروحات، ولو وقَفْت قبل ذلك في المجال الأدبي على حياة أبي نواس وأضرابٍ من الشعراء، وما غاب عن وجدانك بعضٌ مما أثير حول ابن عربي وآخرين، فإنك ناظر آثارا من كل هذا في شخصية "عباس محمود العقاد"، وذلك على مستوى النموذج الثقافي، الذي يجسده بين المفكرين والكتّاب العرب، بجانب الصورة الخاصة به في مجال الحداثة، لا سيما التجديد، فهو ملامح من مثقفي السلف في حلة من نسج القرن الـ20 بما يعنيه ذلك من تداخل البعد القائم على تمثّل الثقافة الغربية، وطبيعة آليات المعالجات والتناول، التي وجّهت أعماله.

في عام 1889، ازدادت إحدى الأسر المصرية في أسوان بابن يخبئ له القدر أن يكون وجها لامعا في سماء الثقافة، وأحد الذين تتمثل هواياتهم في إثراء عناوين المكتبات، والدفع بوتيرة الفكر الإنساني قدُما، ولئن لم يتخذ المسار المدرسي العادي سبيلا لتكوينه المعرفي، فإن الدرجة الخارقة التي وصل إليها في العلوم المتعددة تظل مثيرة للدهشة ولافتة للانتباه، وكان مصدرها التوجه الفردي الصِّرف و"ساعات الكتب" -يحمل أحد كتبه هذا العنوان- حتى تجاوز خرّيجي المنشآت التعليمية ذات البرامج المكثّفة والمطوّلة في زمانه، وقطع أشواطا أمام العديدين يصعب بلوغ شأوها.

ويمكن القول إن هذه المُفارقة قد صاحبت العقاد في أوجه من حياته، من ذلك أنه عُرف بكتاباته في القضايا والموضوعات الإسلامية، ومثلت "عبقرياته" حلقات ذات صيت في هذا المجال؛ لكن في الخضمّ ذاته، لم تأت كتاباته تلك تحت مظلة المشروع الإسلامي بمفهوم المدارس الأيديولوجية، فقد شاركَ الإسلاميين في التعامل مع مخزون التاريخ والفكر الإسلاميين، وتقديم قراءات في هذا الشأن، بدون أن يكون أحد المنتمين إلى دوائرهم، تماما كما استهمّ مع الأكاديميين في نقاش وطرق الموضوعات والقضايا المختلفة بدون أن ينتمي مثلهم أو يقدم من مؤسساتهم العلمية، ومثلما صاحبه التألق بين هؤلاء، لم يكن باهت النجم في نظر أولئك.

كما تأخذ المفارقات ألوانا مختلفة في فصول حياة العقاد، فرغم أنه المشتغل بالثقافة للدرجة التي أخذ بها نصيبا من ملامح العديد من العلماء والمفكرين على امتداد التاريخ الإسلامي؛ مما يدعو لاستذكار:

ليس على الله بمُستغرَب… أن يجمع العالَم في واحد

فإنه عايش تجارب من العمل والمهن لم تكن لتمتّ بظاهرها لاهتمامه الثقافي، إذ توظف في مصنع للحرير، وعمل في السكك الحديدية؛ استجابة لضرورات الكسب اليومي، غير أن الحرير يتقاطع مع القيمة المهمة للكفاءة العلمية، التي استقرّت بين جنبيه، والسكك الحديدية لا تنأى عن أن يكون بين فولاذيتها ومعارف العقاد شبَه وقاسم مشترك.

انقطاع السياقات، مسألة تطبعُ حياة العقاد، فلذا لن تراه طويل المكث في هذه المهن، وكما انقطع المسار المدرسي لديه مبكرا، أنهى صفحة هذه التجربة، وبعدها سيبدو خلافُ المتوقع آخذا بزمام حياته، فمن عاينه في تلك المهن يجده هذه المرة نائبا بالبرلمان، جهوريّ الصوت يقارع الحكومة أشد ما تكون المقارعة، ليغادر أيضا البرلمان إلى زنازين السجون على خلفية انتقاده الملك فؤاد.

وما بين المِهن والعمل نائبا في البرلمان، وتجربة السجن، والاهتمام برفد الإنتاج العربي والإسلامي، يبقى مجالان اثنان بارزان في مسار العقاد؛ هما الصحافة والأدب، فالصحافة كانت المنبر العلمي، الذي وفر له التواصل المعرفي والثقافي الدائم، إلى جانب الدَّور الذي تؤديه المؤلفات، وأما الأدب، فهو المنهل الذي يسقي قدراته والمدخل الذي تعامل من خلاله مع بقية المعارف؛ لكن طاقات الأدب أثمرت في مؤلفات العقاد المختلفة، وفي أسلوبه، وآرائه النقدية، وفلسفته العامة أكثر مما أحرزت في منافساته الشعرية مع معاصريه، وهنا تبرز اللازمة التي رافقت العقاد، فرغم عدم تفرّغه لحمل لواء الشعر، وكونه منشغلا بمؤلفاته التي بلغت 100 مؤلف؛ إلا أنه أيضا فاق الكثير من الشعراء في عدد منتوجاتهم؛ إذ كتب 11 ديوانا، ليدخل الشعراء بذلك في منظومة تلك الفئات التي نافسها العقاد، وتخطى بعضها، بدون أن يتحد معها في الإطار والمسار.

ظلت حياة العقاد يرجع بعضها إلى بعض، ويتناغم موقف منها مع آخر، فكما مثّل خروجا عن قاعدة ضرورة المؤسسات التعليمية، قدم ضمن أفكاره وآرائه رأيا عن عالَم التوظيف، حيث رأى أن الموظّف "رقيق (عبد) القرن الـ20″، وأن الوظيفة والحرية ضدان متنافران، وبذلك نكون أمام رؤية مكتملة الأركان عن عالم التعليم والوظيفة، قدمتها هذه الشخصية الثقافية.

في 13 مارس/آذار 1964، ودّع العقاد الدنيا، بكاه محبّوه وندبه قراء العربية، وفي الجانب الآخر هناك أيضا من رأوا في بعض كتابات العقاد ما يستوجب النقد، خاصة في الكتب التي عالجت الموضوعات الإسلامية ذات الصلة بالعقيدة، غير أن ردود العارفين بالعقاد عن كثب تميز ما كتبه في بواكير إطلالاته، عما بيّنه وهو يمسك بقلم عظيم الدور في خدمة الحضارة الإسلامية، ويذود عن حماها في العصر الحديث.



حول هذه القصة

بدأ الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار بالإبداع وانتهي إلى الدراسات، وحقق في المجالين نجاحا مذكورا، وقد كانت له إسهامات في الشعر، والقصة، والمسرحية المترجمة، والبحث التاريخي، واللغوي، والدراسات الإسلامية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة