عن ماذا تبحث القوات الفرنسية في سوريا ؟

 

تحتضن محافظتا دير الزور والرقة السوريتان، العشرات من المواقع الأثرية التي تنتشر على جانبي نهر الفرات، مثل مدينة قرقيسيا التي تُعد واحدة من أقدم مدن في التاريخ، وتلك الآثار الخاصة بحضارة مملكة ماري، ودورا أوروبوس وحلبية وزلبية ورحبة مالك بن طوق وغيرها كثير من المواقع الأثرية التي خلفتها الحضارات المتعاقبة، وجعلت من المدن الموجودة فيها، قبلةً للمستكشفين ولتجار ولمهربي الآثار.

لكن يبدو أنّ هذه المناطق بما فيها من آثار، لم تعد محطّ اهتمام المهربين فحسب، وإنما دخل لاعب جديد على خط التهريب والتنقيب. فبحسب معلومات خاصة ومتابعة لتحركات القوات الأجنبية في الداخل السوري وصلت لـ"القدس العربي"، فإنّ القوات الفرنسية المتواجدة على الأراضي السورية والتي تمثّل جزءاً من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، تقوم بـ"حفريات أثرية غير قانونية" في الجزء الشمالي – الشرقي من المحافظة، حيث تتقاطع معلومات عن "شحن تحف وقطع أثرية قيّمتين إلى الداخل الفرنسي".

وفي مكان ليس بعيداً عن دير الزور، تنظم القوات الفرنسية حفريات مماثلة في مدينة الرافقة قرب الرقة، قرب الجامع الأثري في المنطقة التي يحدها ما يسمى "سور هارون الرشيد". أما منطقة "خزان الأسد" في مدينة الطبقة، فحددت القوات الفرنسية "منطقة أمنية" خاضعة لحراسة خاصة وذلك بطول 7 كيلومترات، حيث مُنع على المواطنين السوريين زيارتها بشكل تام، مستعينين بـ"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد).

ومن أجل التغطية على هذه الأنشطة، تفيد المعلومات بأنّ الفرنسيين "يستخدمون شركات تجارية سورية وهمية، تشتري العقارات بالقرب من المواقع التاريخية والأثرية من أجل تمويه عمليات الحفر".

وبالإضافة إلى الآثار التاريخية، يهتم الخبراء الفرنسيون والغربيون عموماً في التنقيب الجيولوجي على الأراضي السورية، وذلك من أجل البحث عن الرواسب المعدنية في الأراضي التي تسيطر عليها وحداتهم العسكرية.

وتُعدّ هذه التصرفات انتهاك مباشر وصارخ لـ"اتفاقية يونسكو" الموقعة في 14 نوفمبر 1970 والتي تُعنى بحظر ومنع الاستيراد والتصدير غير المشروع ونقل ملكية الممتلكات الثقافية. وفقًا لأحكام هذا القانون القانوني الدولي، فإنّ الدول الأعضاء في هذه المنظمة (فرنسا دولة عضو) ملزمة باتخاذ تدابير لمكافحة النقل غير المشروع للقطع الأثرية والتاريخية.

يُذكر أنّ القوات الفرنسية أعادت انتشارها في سوريا في الأشهر الماضية، انسجامًا مع ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية من إعادة تموضع لها في منطقة شرق الفرات. وتنتشر حالياً في أربع نقاط عسكرية في محافظات دير الزور، والحسكة، والرقة، كما تساند القوات الأميركية في السيطرة على نقاط عسكرية هناك، وتشارك في تدريب عناصر "قسد". وتُعتبر القوات الفرنسية جزءًا من "التحالف الدولي" الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي بدأ في أيلول عام 2014 عملياته العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق "داعش".

أما الأثار الموجودة في هذه المناطق فهناك كما ذكرنا أعلاه مدينة قرقيسيا الأثرية الهامة. واسمها اللاتيني كركيسيوم، وتعني المعقل أو الحصن وحُولت إلى قرقيسيا في العصور العربية الإسلامية. هُدم قسم كبير من التل الأثري الذي تقبع فوقه، وترجّح المصادر أن تعود إلى الحقبة البابلية. وقعت تحت الحكم الفارسي، ثم تبعت دولة السلوقيين، وبعدها خضعت لسيطرة الرومان بعد أن أصبحت سوريا ضمن الامبراطورية الرومانية، وفيها قلعة عسكرية مربعة الشكل مشيدة بالآجر لها أربعة أبراج مربعة في زواياها.

أما حضارة مملكة ماري فكانت مزدهرة وقامت نحو العام 2900 قبل الميلاد. تأسيس هذه المملكة كان عن طريق سلطة اجتماعية وسياسية ملكية وكان لها حضور قوي على نهر الفرات. وكان لها دور هام في الطريق التجاري الذي يتبع مسلك الفرات في سوريا الداخلية.

وهناك قلعة "حلبية"، هي حصن أثري يقع على بعد نحو 60 كلم شمال دير الزور على نهر الفرات. ذُكرت أول مرة أيام الملك الآشوري آشور ناصر بعل الأول، وكانت حصناً للدول الآشورية ثم البابلية ثم الأرامية وللحضارات المتعاقبة في سوريا. سيطرت عليها مملكة تدمر لفترة طويلة وكانت معبرَ التجارة بين الشرق والغرب وملجأ للتدمريين إبان الحروب مع الامبراطورية الرومانية. ويشمخ هذا الحصن ويمتد لمسافة كبيرة، ويقع لجهة الجنوب من نهر الفرات.

وعلى الطرف الشمالي للنهر، تقع أطلال "زلبية" وهي مجموعة من اطلال قديمة لحصون ولابينة معاصرة لقلعة "حلبية" وتعرضت للنهب والنبش من قبل لصوص الآثار لما تضمه من مقابر أثرية.

أما "دورا أوروبوس" (الصالحية) فهي مدينة أثرية محاطة بثلاث هضاب ووادي جعلت منها موقع عسكري ممتاز. في العصر الروماني دارت معارك طاحنة بينها وبين الفرس، وتحولت في عام 200 ميلادي إلى معسكر حدودي ذي أهمية إستراتيجية بالنسبة للرومان من أجل تدمير حكم أرساسيد الفارسي. لكن بعد أن نجح الساسانيون في تولي الحكم في فارس، وقاموا بتدمير "دورا أوروبوس" وباتت مدينة مهجورة ثم بقيت كذلك حتى العام 1920 وهو تاريخ بدء التنقيب عن آثار في هذه المدينة. تمتد حدودها الأثري على نحو كيلومتر من الشمال إلى الجنوب، ونحو 700 متر من مجرى نهر الفرات، وتقع قبور المدينة إلى الغرب. داخل سور المدينة يوجد العديد من الآثار وتعود بمجملها للفترة الأخيرة من تاريخ المدينة وخصوصاً الحقبة الرومانية.

وكذلك "رحبة مالك بن طوق" وهي المدينة اشتهر مالك ببنائها بطلب من الخليفة هارون الرشيد، وسمّاها على اسمه وفيها أيضاً الكثير من المعالم الأثرية الاسلامية.

 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة