logo

جفاف ينابيع الإبداع

 

أستخدم هذه الاستعارة المجازية في هذا الصدد لنعبر بها عن حالة الركود المعرفي التي تخيم على واقعنا العربي المعاصر، فأزمة الفكر العربي أزمة متجددة مزمنة تتخذ مسالك متعددة حسب معطيات العصر وتطلعاتها العاصفة بالمفاهيم التي يعيشها المثقف لتضع في ذهنه أن هنالك أزمة يعيشها مجتمعه الذي ينتمي إليه مخلفة ضعفا في النفس وهوانا في المبادئ وانتكاسا في القيم ليصبح الفكر العربي بذلك وليد معاناة المثقف التي يعيشها وليس أقلها مهاجرة العقول وندرتها في الإعداد والتكوين أصلا.

 

تراجع الابداع والانتاج: 

ما يفتقده الفكر العربي المعاصر ليس التقليد والاجترار، بل تراجع الإبداع والتجديد والإضافة النوعية في المجالات الفكرية الحيوية كالسياسة ومتطلباتها، والإدارة ومعطياتها، لقد أصبح الفكر العربي في غالب مستوياته فكرا مملا يجتر مكررات ويقلد محاكاة دون إبداع إلا ما يعتبر في حكم النادر من هنا وهنالك، انطلاقا من هذه الرؤية يحاول المقال تشخيص واقع الإبداع ودور المثقف فيه في حالتنا المعاصرة.

 

البيئة ومساهمة الإبداع: 

رغم كل الظروف البيئة التي يعيشها مثقفنا وفكرنا من الضغوط والتقييد لحركة الفكر والابداع في كثير من مصادرة الحريات وتحجيمها ووضعها في قوالب تناسب متطلبات السلطة ونظامها القائم في دولنا العربية، ليتحول بذلك التعليم وغيره إلى أداة توجيه وتخدير للفكر وتعطيل للإبداع داخل المجتمع.

 

الإبداع في جو الجرية: 

تساهم الحرية في عملية الإبداع  فهي التي يولد في جوها الإبتكار والتعددية الفكرية والثقافية والسياسية، فتتوالد الأفكار الإبداعية وتتفجر المواهب ويتنافس الفكر كَفِكْر دون إقصاء أو تمييز، ويتم تنوير العقل وتعميق المعارف وتزدهر الأحلام الإبداعية بين الشعوب، لذلك نرى دول الغرب المتطورة في مجالات الصناعات لا تفرط شعوبها في الحريات لما تجنيه في ظلها من تفتقِ المواهب وتنوعها إبداعيا وفكريا وثقافيا، وهو ما يفسر لنا جانبا من مشكلة معضلتنا المعاصرة.

التربية على الحرية وتقديمها كمفهوم يساهم في تطوير ونضج المجتع فكرياً وإبداعياً فهي أساس لا ينبغي التفريط فيه لدى النخب التي تعيش لحظة غياب وعي مجتمعها.

أما حين تصبح النخب مشاركة في تغييب المجتمع وتنويمه ثقافياً وفكرياً فهي بذلك تصبح جزئاً من مشكلة الشعوب وتنعكس هذه المشكلة لدى النخب حين تصبح أداة في يد السلطة ممتطية حلبة المصالح الضيقة والمكاسب الذاتية.

إن المجتمع الذي تعيش نخبه على التكسب بآرائها وموالاتها هو مجتمع منهزم في الأساس، لما تعانيه النخب فيه من كسبية عديمة الضمير والولاء، هذا ما يوضح صورة الفكر العربي المعاصر الذي تفاقمت أزماته حيث ظلت أزمة الإبداع فيه لا تراوح مكانها في غياب للنخب الموجهة لبوصلة المجتمع.

 

غياب الإبداع في التعليم: 

من أكبر العواصف المضرة بالفكر نقص التعليم وغياب عنصر الإبداع منه، فالمتابع لمناهج التعليم العربية في أغلبها يرى نتيجة بسيطة غائبة وهي غياب الإبداعية فيه بشكل كبير والسبب في رأيي:

عنصر التعليم مبني على المحاكاة والتقليد

وتعْليب المناهج دون مراعاة الفروق البيئية

فلو قمنا بتقديم مثال بسيط سيتضح الأمر أكثر حيث غالب الخريجين يشكون البطالة ولو سألتهم عن مستوى التعليم ستجد أغلبهم غير راض عن مستوى التعليم في البلد وأحيانا قد يكون غير راض عن مستوى نفسه في التعليم.

 

الإبداع في ظل مجتمع حيوي: 

قد يحتضن المجتمع المعرفة ويكاثرها ويبدع في مجالات منها كالفنيات والثقافيات حينما تتوفر له فرص العيش ومتطلباته، أما حين ينصهر أغلب المجتمع في بوّابة البحث عن لقمة العيش وقساوة الحياة فلن يبدع أو يقدم، بل قد يدعوه البحث عن معاشه إلى محاربة الإبداع واعتباره نوعا من الترف المعاشي والفضول.

 

الإبداعية في مواقع التواصل الاجتماعي: 

المتابع لوسائل التواصل الاجتماعي يدرك أنها أضحت اليوم وسائل تتحكم في الجماهير ، توججها وتخلق لها المخاوف وتقربها وتفرقها وتعبر من خلالها عن مستوياتها وفكرها، وهنا محط النظر الملاحظ حيث أغلب مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي يحملون ثقافة عامية وقد لا يحملون تعليما عاليا ليصبحوا يوجهون المجتمع ويحملون لواء المعرفة فيه والفكر، فمن المعلوم أن التوجيه ينبغي أن يتقدم له أصحاب الفكر الإبداعي وهذا ما يغيب عن وسائل التواصل التي أصبحت جزئاً من تنوير المجتمع.

 

إبداع بلا مفكرين وعلماء:

يستعصي الإبداع والتقديم دون قاطرة قوية يقودها المتبصرون بالواقع ويتحكم فيها من يستطيع معرفة الواقع ومتطلباته الملحة. إن السفينة لا تجري على اليابسة كذلك حال سفينة الإبداع لا تتحرك بدون وقود إبداع العلماء والمفكرون.

ساحتنا الفكرية قادرة على الإنتاج معرفة والإبداع في ظل الحرية المعرفية والفكرية، وقد أنتجت نماذج علمية وفكرية، حيث أسمهت الأفكار العربية والإسلامية بشكل مباشر في إنتاج علوم تأسست في كثير من جوانبها الحضارة المعاصرة، من ذلك إسهامات العلامة ابن خلدون في الاقتصاد والسياسة، وأسباب تراجع الأمم وسقوطها من خلال موسوعته الفريدة، ولم يكن ابن خلدون وحده فلا يُنسى ما قدمه عباس ابن فرناس وابن رشد والفرابي والغزالي وغيرهم من إسهامات في تنوير الحياة الفكرية والعلمية والأدبية في مجلاتها التي انْبَتْت عليها معطيات العصر التقني المعاصر.

فهل ينجب عصرنا عقولاً مبدعة ومفكرين وعلماء يساهمون في تطوير الحياة ويكشفون للإنسانية عن مصابح الكون ويفاجؤوننا بعلوم جديدة لتغيير نظرة التقليد والجمود التي يعيشها عالمنا وفكرنا العربي المعاصر.

الجواب: إن ذلك ليس مستحيلا إذا توفرت الدواعي والأسباب ونحن من نوفر تلك الأسباب.

 

البيئة الفكرية النامية: 

فإذا كان الفكر ينمو في البيئات الحيوية والنشطة الممتلئة بالحرية والعدل وقيمته السامية، فينتج الفكر ويعالج قضايا الساحة الملحة في وقتها، ويتكيف معها مجيبا عن مشاكلها ومقدما لها الحلول الطبيعية بشكل يناسب طبيعتها، ذلكم الفكر الحي المفعم بالواقع وتطلعاته، والمستقبل وآماله، وفي هذا تنعكس الأفكار في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة والفن.

إن مجال الإبداع في كل المجالات العلمية والسياسية مفتوح ومساحة العلوم تتسع للمجدين والمشمرين مع اتساع المسافة وإمكانية الإبداع، ولا ينكر أحد دور البيئة في تجميد الفكر وتحجيمه في غالب أحيانه لكن ذلك لا يقف عائقا أمام النجباء المعانقين للمعالي.

 



حول هذه القصة

من حيث تاريخ العلم يمثل حفني ناصف آخر نماذج رجال العلم من الرواد البارزين العباقرة، الذين جمعوا بين تولي المناصب القضائية والتربوية مع النبوغ في كليهما، فضلا عن شاعريته وتفوقه الأدبي، ودوره السياسي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة