كشمير شريف وقدس آباد

 

يعرف الكشميريون اتفاقية أمريتسار في 16 مارس/ آذار عام 1846 بأنها "صفقة بيع كشمير وأهلها بثمن بخس"، والتي باعت بموجبها شركة الهند الشرقية (البريطانية) كشمير إلى المهراجا الهندوسي غلاب سينغ بمبلغ 7.5 مليون روبية بما يعادل حينها 51 دولارا، وذلك مكافأة له على خيانته لحكومة السيخ " خالصستان" التي كانت تمتد من البنجاب إلى أعالي كشمير، فوقعت كشمير في قبضة سلالة الدوغرا، وهيمنت شركة الهند الشرقية على أراضي الإمبراطورية المغولية المسلمة في شبه القارة الهندية.

ورغم الفارق في التاريخ والجغرافيا لا ينفك الشعب الكشميري يقرِنُ قضيته بالقضية الفلسطينية، فاتفاقية العار كانت بداية مأساة كشمير قبل قرن من نكبة فلسطين، وشكل الإرث الاستعماري البريطاني أهم العوامل المشتركة بينهما، يضاف إلى أن معظم الضحايا مسلمون في الحالتين.

 

وجه المقارنة

ما أشبه اتفاقية أمريتسار بوعد بلفور " 17 نوفمبر/ تشرين ثاني 1917″، حيث كانت نتيجتهما أن سلبت بريطانيا شبه القارة الهندية من المسلمين على أنقاض الإمبراطورية المغولية، وسلمتها من بعد إلى حكام هندوس، وسلبت فلسطين من المسلمين على أنقاض الخلافة العثمانية، وسلمتها من بعد ليحكمها اليهود، أما الفرق فإن سلالة الدوغرا الهندوسية كانت من المنطقة وسلطت على رقاب أغلبية مسلمة ساحقة، والصهاينة شذاذ آفاق استحلوا الأرض وهجروا شعبها ونكلوا به.

 

المظلومية والقداسة

يضفي الكشميريون لا سيما المثقفون والنشطاء منهم قداسة دينية على قضيتهم، ويلحقون صفة " شريف" بأسماء كثير من أماكن العبادة والمزارات الدينية وأضرحة الأولياء والشهداء، ومن ذلك تقول الرواية الكشميرية أن 22 شهيدا قضوا نحبهم أثناء رفعهم أذان الظهر واحدا تلو الآخر، وذلك عندما فرقت قوات الأمن اعتصاما أمام السجن المركزي في سرينغار احتجاجا على محاكمة أحد النشطاء المناهضين لحكم الدوغرا في 13 يوليو/ تموز 1931، وهو ما يطلق عليه " يوم الشهداء" من كل عام.

ربما لا يحتاج الكشميريون إلى قدسية دينية لجلب التعاطف مع محنتهم، فعدالة قضيتهم والانتهاكات الفظيعة التي يتعرضون لها باستمرار كافيتان لإضفاء القداسة عليها، كما أن مكانة القدس والإسراء لم تردع المتآمرين على قضية فلسطين من عرب ومسلمين، بل إن خيانة التطبيع لم تعد بحاجة إلى تبرير.

لقد كسب تأييد الشعب الأفغاني زخما كبيرا عندما أضفى على كفاحه ضد الاجتياح السوفييتي قدسية الجهاد في ثمانينات القرن الماضي، ولولا "الجهاد المقدس"، كما كان يترجم الكلمة الغربيون، لما نالت القضية الأفغانية الزخم والدعم السياسي والمالي الذي حظيت به في العالم الإسلامي، حتى أن الاهتمام الذي حظيت به القضية الأفغانية أثار غيرة قادة ونشطاء القضية الفلسطينية، ففي غمرة انشغال العالم الإسلامي بأحداث جلال آباد حاول قائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات "أبو عمار" لفت الأنظار إلى القضية الأم بقوله "نحن بحاجة إلى إعادة تسمية القدس بقدس آباد".

 

الخريطة السياسية

لم تكن الشركة البريطانية التي استعمرت الهند " شركة الهند الشرقية" سخية إلى حد مكافأة عميلها غلاب سينغ باستقطاع ولاية جامو وكشمير له، لكنها أقامت من خلاله منطقة عازلة تحول دون وقوع مواجهة أثناء توسع الإمبراطوريتين، بريطانيا العظمى في جنوب آسيا وروسيا القيصرية في وسطها.

بالضبط كما فعلت بريطانيا بإقامة منطقة عازلة بين قارتي آسيا وإفريقيا، أو بين عرب ومسلمي آسيا وعرب ومسلمي إفريقيا، وهكذا تشكلت خريطتين حديثتين، ليبدأ نزاع لا نهاية له في جنوب آسيا وغربها.

أضفت قرارات الأمم المتحدة على كشمير صفة منطقة متنازع عليها، وعلقت إنهاء النزاع على استفتاء شعبي لم يتحقق حتى الآن، وقسمت الأرض في فلسطين بين شعبين أصيل وافتراضي، وعلقت إنهاء النزاع فيها على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وهو ما لم يتحقق كذلك حتى الآن.

حاولت الهند في الخامس من أغسطس/ آب عام 2019 فرض الخريطة السياسية التي تريد في ولاية جامو وكشمير، وذلك بإلغاء الوضع الخاص الذي ينص عليه الدستور الهندي للولاية، وتصرفت بها دون استشارة الشعب الكشميري وبتجاهل كامل لقرارات الأمم المتحدة أو الاتفاقيات الموقعة مع باكستان.

وردت باكستان في الأول من نوفمبر/ تشرين ثاني 2020 باعتمادها رسميا خريطة جديدة للبلاد، ضمت بموجبها كشمير إلى الأراضي الباكستانية، وتركت صفة النزاع مقتصرة على حدود كشمير مع الهند، وهي بذلك تقول إن الخلاف على الحدود وليس على الأرض، ولم يعد من وجهة النظر الباكستانية الرسمية أهمية للخط الفاصل بين قوات البلدين في كشمير المعروف بخط السيطرة.

ربما لن يغير صراع الخرائط في جنوب آسيا من الواقع شيئا على الأرض، بقدر ما يبدو صراعا بين شخصيتين طامحتين لتسجيل هدف تاريخي لاسميْهما، هما: ناريندرا مودي وعمران خان، أما في غرب آسيا فقد هرع قادة عرب إلى المصادقة على الخريطة الصهيونية، ووضعوا بالتطبيع بصمة عار لتاريخهم لا قدسية فيه، بل لقد ظهر قادة الدول المطبعة بأنهم أدوات في دعاية انتخابية لغيرهم، ولا مصلحة استراتيجية يحققونها لشعوبهم أو منطقتهم، كما نبذوا مبادئ قوميتهم وديانتهم، ولعل الثمن الذي تقاضته بريطانيا من غلاب سينغ أقل بخسا من ثمن بيع حكام عرب لفلسطين اليوم.

 



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة