حين تصبح الديمقراطية وبالاً على أهلها ..

 

يعيش العالم هذه الأيام "على إجر واحدة" يترقب نهاية ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومغادرته البيت الأبيض. فالعالم كله يتخوّف من مفاجآت قد يُقدم عليها ترامب في آخر أيامه، في ظل هوسه بدخول التاريخ، ولا فرق بالنسبة إليه إن كان هذا الدخول من باب الإنجازات والانتصارات أو من باب التسبّب بأزمات وحروب وكوارث. فربما ينعت البعض ترامب بالجنون، لكنه في الوقت عينه ترامب يحوز حقيبة إطلاق القنابل النووية.

 

الصحوة الأمريكية

لم يشعر الشعب الأميركي بخطورة وعته وسفه رئيسهم إلا مؤخراً، فطوال السنوات الأربع الماضية كان قسماُ كبيراً من الأميركيين سعيد بالإنجازات الإيجابية التي حققها ترامب خاصة على المستوى الاقتصادي والتي كان لبعض الدول العربية فضل كبير في تحقيقها، بعدما أغدقت عليه مئات مليارات الدولارات وعقدت معه صفقات تجارية وعسكرية بحاجة ودون حاجة فقط كي تكسب رضاه وتشتري سكوته. بداية الصحوة الأمريكية على سُفه ترامب بدأت مع جائحة كورونا والتخبّط الذي اتّسم به أداء الإدارة الأميركية في معالجة الأزمة، وانتهاجها سبيل المكابرة والسخرية من خطورة الجائحة والاستهزاء بإجراءات السلامة للحدّ من انتشار الفيروس، والتركيز على مسؤولية الصين في التسبّب بها، في الوقت الذي كانت مستويات الإصابة بالفيروس في الولايات المتحدة في ارتفاع ومعها أعداد الوفيات.

 

إدارة ترامب لجائحة كورونا

فشل الإدارة الأميركية في الحدّ من انتشار فيروس كورونا كان عاملاً مهمّاً في سقوط ترامب في الانتخابات، لكنّ ترامب لم يتّعظ، بل واصل مكابرته ونزقه وعجرفته، فرفض نتائج الانتخابات، واتهم القائمين عليها ومعهم وسائل الإعلام بالتزوير، ويواصل تكرار الادعاء بأنه الفائز. استمر تقبّل الأميركيون لتصرفات ترامب وصبروا عليها على اعتبار أنها أيامه الأخيرة في موقع الرئاسة وقريباً سيصبح ترامب صفحة من التاريخ، لكن ما لم يستطع الأميركيون تجاوزه هو ما قام به قبل أيام من حشد مؤيديه وتحريضهم على اقتحام الكونغرس لتعطيل جلسة التصديق على نتائج الانتخابات، مما تسبب بسقوط عدد من القتلى والجرحى وفوضى عمّت مبنى الكابيتول، وتسجيل سابقة في تاريخ الولايات المتحدة بالإساءة للسلطة التشريعية التي يفاخر بها الأميركيون أمام العالم بأنها معقل الديمقراطية.

قدّم ترامب في سنوات حكمه لأكبر وأقوى دولة على الأرض نموذجاً فاشلاً للديمقراطية، وذريعة سيستخدمها كلّ رافض للديمقراطية. فترامب لم يصل إلى البيت الأبيض بانقلاب عسكري، ولم يزوّر الانتخابات، بل وصل بطريقة حرّة ونزيهة وبأصوات أغلبية الأميركيين، لكن رغم ذلك لم يكن أداؤه لمصلحتهم وشكل تهديداً لكل العالم، وكشف أن خيار أغلبية الأميركيين كان خاطئاً، وأنّ مصلحة الشعوب لا تتحقق بالضرورة من خلال خيار أغلبية أفرادها. فالشعوب أو قسماً أساسياً منها قد تنخدع وتندفع لأسباب عاطفية أو دينية أو اجتماعية، أو بفعل تعرّضها لضغوط في ظروف محدّدة تؤثر على خياراتها، فتمنح ثقتها للشخص غير المناسب، وتمنحه تبعاً لذلك صلاحيات ونفوذ لايستحقه.

 

التجربة الديموقراطية  

تجربة الأميركيين مع ترامب تؤكد أن خيار الأغلبية ليس دائماً على حق، وفي أحيان كثيرة يكون خاطئاً. فإذا كان الشعب الأميركي الذي يُفترض أنه يعيش تجربة ديمقراطية حقيقية ويملك قدراً عالياً من الوعي والرشد أخطأ في انتخاب رئيس بلاده، فهل نستغرب من خيارات شعوبنا الأقل وعياً ورشداً وإدراكاً، التي تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية ضاغطة، ويتمّ استغلالها من سلطة فاسدة تسوقها أينما تريد، وكيفما تريد، لتحقيق مصالحها بعيداً عن مصلحة الشعوب، وهل نلوم خيارات الشعوب العربية الخاطئة التي تواصل اتخاذها رغم إدراكها لفساد من تقوم باختياره؟!.



حول هذه القصة

يقود وزير الخارجية الأميركي جهودا مكثفة لاتخاذ قرارات خلال الأيام الأخيرة لإدارة الرئيس ترامب، وذلك لوضع المزيد من العراقيل أمام تغيرات كبيرة من المتوقع أن تُقدم عليها إدارة الرئيس المنتخب بايدن.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة