الروحانية في مواجهة الخواء..

 

كل ما على هذه الأرض من نُظُم ومناهج ومؤسسات وأُطُر لا مصير لها إلا أن تنتج الشقاء ومزيدا منه وأضعافا مضاعفة من هذا المزيد، طالما تعتبر أن الإنسان هو مركز الكون وأنه المتحكم الأوحد بالطبيعة وأن سلطانه سلطان ذاتي وليس اقتباسا وامتدادا وإشعاعا من نور السماوات والأرض وبديعهما. لا بد للإنسان أن يعيد تموضعه وأن يصحح هذا الخطأ الفادح الذي يصر على التمرغ في وحوله، لا بد لإبن آدم أن يدرك أن الخالق جلّ وعلا هو مركز السماوات والأرض ومحورهما والموجد من العدم، والناظم للكون، والنور لهذا العالم. لا سعادة إلا بهذا الإدراك الروحاني الذي يسمو فوق كل المناهج العقلية والفلسفية والمعتقدات الوضعية والنظرية.

عالمٌ تُهْجَرُ فيه الروحانية هو عالم شقي ومريض وبائس، وهو عالم ذاهبٌ حتمًا إلى الهلاك. أي صلاح وفلاح ونور وخير وأعمال جميلة، يأتي بها الإنسان ليست إلا انعكاسا لثالوث الحق والخير والجمال الذي ينبع من ذات الفاطر الواحد الأحد، فحسب الإنسان أن ينقي نفسه ويزيل منها الأدران حتى تصبح طاهرة صقيلة، وبهذا، قادرة على أن تعكس النور المشرق من الذات العظمى. أما أن يزعم عاكس النور أنه أصل هذا النور ومنبعه والموجد له من العدم، فذلك هو أصل الشرور ومنبع الأدواء والقائد إلى الهلاك. أي فلسفة تخلو من هذا الإدراك هي فلسفة باطلة ثم باطلة ثم باطلة.

 

تحقير حرية التعبير

يريد الغرب المتحكّم بعالمنا اليوم السيادة لقيم الأنانية والفردية والمادية، ويريد إقصاء اي اعتبار لعالم الروح من الوجود. إنهم يريدون عالمًا يسيطر عليه الخواء وتحكمه التفاهة، وتقود أمره السخافة. لذلك لا ينفكّ إعلامهم وأبواقهم عن الترويج للإبتذال والميوعة والخنا تحت مسمَّى حرية التعبير والإبداع. وليس في الأمر شيءٌ من إبداعٍ ولا مسحة من حرية. إنه إمعانٌ في الإسفاف والإنحطاط وفي تدمير عالم الروح وفي تدنيس أقدس أقداس الإنسان، ألا وهي الروحانية التي تنبع منها الفضائل والصالحات وتعمّ من لدنها الأنوار.

 

الهجوم على الإسلام

وهكذا نجد كبراء الغرب من رجال سياسة وإعلام ودين لا يتورّعون عن النَّيْل من الإسلام والمسلمين. ونراهم يتعمّدون الإساءة العلنية للإسلام عبر تحقير رموزه ومقدّساته وشعائره، وكل هذا تحت ذريعة حرية التعبير الواهية. ولا نُصنّف هذه الظاهرة المتكرّرة إلا في إطار حرب تُشَنُّ على قيم الإسلام الروحانية العظيمة التي تبتغي صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة، فردًا وجماعة، وتأمر بالعدل والإحسان، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتنظّم حياة الإنسان بما يكفل له السعادة في الداريْن، وبما يعود عليه بالأجر الكبير والفوز العظيم.

ولعلّ نكبة نكبات المسلمين وإحدى طاماتهم الكبرى هي تلك النُّخَبُ المثقَّفة التي تشرّبت القيم الحضارية الغربية المنحلّة والمنحطّة، التي لا تقيم اعتبارًا إلا للمادة، ولا تأبه إلا للمال، ولا يهمهما أنين المستضعَفين واستغاثات المكروبين ووجع المهمَّشين. فصارت هذه النخب تضطلع باختصاص جلد الذات الإسلامية والعربية وتثبيط الهمم وتحبيط الرجاء، واخذت تبث سمومها الفكرية والعقائدية تحت مسمى النقد البنّاء، وهو لعمري ليس إلا معول هدم يأتي البيوت من أركانها وينقضّ على الأبنية من أساساتها.

 

الحرية المقدَّسة

والحرية التي نقدّس ونحترم ونجلّ هي حرية انتقاد أصحاب السلطة والنفوذ وكبار المتمولين وأصحاب الثروات الهائلة في هذا العالم. الحرية المقدَّسة هي حرية الدفاع عن الحق في كل زمان ومكان، وفي حضور أي كان. هي حرية رفع راية الحق عاليا والدفاع عن كرامة الإنسان أنّى وُجِد. أما الدعوة إلى الفجور والفسوق والإنحلال، فهي ليست من الحرية في شيء، وما هي إلا عبودية للنظام الرأسمالي الربوي الغربي الذي يريد أن يصادر كرامات الشعوب ويستحوذ على مقدّراتهم.

لهذه الحرية نقول لا وألف لا، في كل حين وآن..



حول هذه القصة

أبدى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، أسفه للدعم الدولي الخجول نسبيا بعد الهجمات الأخيرة في بلاده، مجددا التأكيد أن فرنسا لن “تغير” من حقها في حرية التعبير فقط لأنه يثير صدمة في الخارج.

لا تزال الرأسمالية باسطة قبضتها على معارض الفن وسوق اللوحات عالميا، وسدّت الطريق أمام رسامين شديدي المهارة لمجرد أن لوحاتهم لا تصب بصالح أجندة سياستها.. فكيف كشف الفن التشكيلي عن وهم حرية التعبير؟

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة