هَل مَنْ يُنصِف جَائِحَة كورونا ؟

 

نَشَرَت مُنظَّمَةَ اليونسكو في تَقريرها الأخير في آب الماضي بَعض مَا حَدثَ و تتوقَّع أن يَحدث للعمليَّة التَّعليمية بِسَبب جَائِحَة كورونا، حَيثُ ذَكَرت أنَّ هذه الجَائِحة قَد تسببت في أكبر اضطراب في أنظمة التعليم تَارِيخياً ، فَقد أَثَّر على ما يقرب من 1.6 مليار طَالِب و طَالِبَة في أكثر من 190 دولة في جميع القارات. وقد أثَّر إغلاق المدارس و المَعَاهِد التَّعليميَّة المُختَلِفَة على 94 بالمائة من عدد الطلاب في العالم ، حتى 99 بالمائة في البلدان ذَات الدخل المُنخَفِض و المتوسط ​،مما أدَّى إلى اتّسَاع الفوارق التَّعليمية (الموجودة مسبقًا) من خلال تقليل الفرص بالنسبة للعديد من الأطفال والشباب والبالغين والفتيات الأكثر ضعفاً ( أولئك الذين يعيشون في المناطق الفقيرة أو الريفية واللاجئين والأشخاص ذوي الإعاقة المُهجَّرين قسراً ) لمواصلة تعلمهم.

 

خَسائِر وَاسِعَة في فُرَص التَّعلُّم

هذه الجَائِحَة وِفقاً للتَّقرير تُهدِّد بخسائر في فُرَص التَّعلُّم أيضًا قَد تمتد إلى ما بعد هذا الجيل ومحو عقود من التَّقدُّم، ليس أقلها عدم وصول الفتيات والشَّابَّات إلى التَّعليم أو الاحتفاظ به، قد يتسرب حوالي 23.8 مليون طفل وشاب إضافي (من مرحلة ما قبل الابتدائي إلى التعليم العالي) أو لا يتمكنون من الانتِظَام في المدرسة في العام المقبل بسبب الأثر الاقتصادي للوباء وحده كَما كان لاضطراب التَّعليم وسيظل له آثار كبيرة تتجاوز التعليم إلى مَجلاتٍ حَياتيَّةٍ أُخرى.

 

مَا الفَرق في عالم التعليم قَبلَ الجَائِحَةِ و بَعدها ؟

كان العالم قبل الوباء، يواجه تحديات هائلة في الوفاء بالتزامات التَّعليم كحق أساسي من حقوق الإنسان. على الرغم من التَّسجيل شبه الشامل في الصفوف المبكرة في معظم البلدان (بل و إلزام الحُكومات لِرعاياها بِه و فَرض الغرامات على المُتَخلِّفينَ عَنهُ)، كان هناك عدد غير عادي من الأطفال (أكثر من 250 مليون) خارج المدرسة، اضَافَةً إلى ما يقرب من 800 مليون من الكبار الأميِّين علاوة على ذلك، حتى بالنسبة لأولئك الطَّلبَة المُنتَظِمين في المدرسة والتَّعلم فلَم يَكُن التَّعليم بالجَودَةِ المَطلوبةَ حَيثُ أنَّ حوالي 387 مليون أو ما يقدر بحوالي 56 في المائة من الأطفال في سن المدرسة الابتدائية في جميع أنحاء العالم يفتقرون إلى مهارات القراءة الأساسية.

 

الجائِحَة والجِهَات المَانِحَة

أظهَرت تقارير مُنظَّمَة اليونسكو أن الدَّعم المُوجَّه نَحوَ التَّعليم يُعاني مِن تَقَلُّص بَل إن تَقارير المُنظَّمة تُظهِر أنَّ التَّحدي كان شاقًا بالفعل حَتَّى قبل جَائِحَةِ كورونا فقد كان تقدير العَجز في التمويل المَرصود لتِحقيق الهدف الرابِع من أهداف التنمية المستدامة (التعليم الجيد) في البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط في أوائل عام 2020 هو 148 مليار دولار سنويًا، وهو ما تُشير تقديرات المُنظَّمَة ذَاتُها إلى أن جَائِحَة كورونا سَتُعَمِّق الجِراح فيه التي هي بِطَبيعَتها غَائِرَة، وستزيد من هذا العَجز التمويلي بنسبة تصل إلى الثلث (التي هِيَ بِطَبيعَة الحال نِسبَة مُرعِبَة).

 

إغلاق المدارس وتعطيل التَّعليم

بهذا الاضطراب الذي تسببت به جائحة كورونا للتعليم الذي يُعتَبَرُ هو الأكبر في تاريخ الانسانيَّة ، فَقد تأَثَّر الطلاب والمعلمين في جميع أنحاء العالم، و في كُلِّ مَراحِل التَّعليم بداية من ما قبل الابتدائية إلى المدارس الثانوية، ومؤسسات التعليم والتدريب التقني والمهني، والجامعات، وتعليم الكبار، ومؤسسات تنمية المهارات. بحلول منتصف نيسان / أبريل 2020 ، تأثر 94 في المائة من الطُّلاب في جميع أنحاء العالم بهذا الوباء (الذي أصبح علمياً ثَقافيّاً صِحيّاً)، حَيثُ يُقدَّرُ عَدَدُهم بحوالي 1.58 مليار طفل وشاب، من التَّعليم ما قبل الابتدائي إلى التعليم العالي، في 200 دولة.

تتغير القدرة على الاستجابة لإغلاق المدارس بشكل كبير مع مستوى التطور على سبيل المثال ، خلال الربع الثاني من عام 2020، كان 86 في المائة من الأطفال في التَّعليم الابتدائي خارج المدرسة فعليًا في البلدان ذات التنمية البشرية المنخفضة – مقارنة بنسبة 20 بالمائة فقط في البلدان ذات التنمية البشرية العالية للغاية.

ليسَ سَهم كورونا فَقَط في ظَهرِ التَّعليم بَل تَكسَّرت النِّصال على النِّصال.. في إفريقيا -على سَبيل المِثال- ، لا سيما في منطقة الساحل ، جاء إغلاق المدارس على مستوى البلاد بسبب كورونا في وقت تم فيه إغلاق عدد كبير جدًا من المدارس لعدة أشهر بسبب انعدام الأمن أو الإضرابات أو المخاطر المناخية. لَقد أدَّت جَائِحَةُ كورونا إلى تفاقم حالة التَّعليم في أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، حيث كان هناك قبل الوباء، 47 في المائة من 258 مليون طفل في العالم خارج المدرسة، 30 في المائة مِنهُم بسبب النزاعات والطوارئ، كَما أنَّهُ في أنظمة التَّعليم الأكثر هشاشة، كَان لهذا الانقطاع في العام الدراسي تأثير سلبي على الطلاب الأكثر ضعفًا، والذين تكون ظُروف ضمان استمرارية التَّعلم في المنزل محدودة بالنسبة لهم بَل ضَعِيفَة (الأجهزة، تغطية الانترنت، البيئة التَّعليميَّة)، ويمكن أن يؤدي وجودهم في المنزل أيضًا إلى تعقيد الوضع الاقتصادي للآباء.

 

قَلَقٌ مُتَزَايِد

القلق يزداد إذا لم يتم دعم هؤلاء الطَّلَبَة بشكل صحيح ، فقد لا يعودون إلى المدرسة أبدًا، بسبب قِلَّةِ ذاتِ اليَدِ وعَدمِ القُدرَةِ الماديَّة للتَّعامُلِ والواقِع التَّعليمي، وهذا من شأنه أن يزيد من التفاوت والتباين الموجودين مسبقًا وحتَّى مِن قَبل الجَائِحَة، بل ويخاطر في قَلب التَّقدُّم المحرَز في الهدف الرابِع من أهداف التنمية المستدامة (التعليم الجيد) في البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط بالإضافة إلى أهداف التنمية المستدامة الأخرى.

 

هَل حَقاً هي الجائِحَة أم أنَّه غِياب تَخطيط ؟

أدَّت الاضطرابات التي سببتها جَائِحَةِ كورونا في الحياة اليومية إلى فُقدان 40 مليون طفل في جميع أنحاء العالم لِفُرصتهم في التَّعلُّم في مرحلة ما قبل المدرسة المهمة، وبالتالي فقدوا بيئة مُحفِّزة و مُثرية لفرص التَّعلم (إن كَانت مَوجودَةً أصلاً وِفقَ ما أورَدنا مِن أرقَام أًعلاه)، مِمَا يَعني أنهم أصبحوا نَواةً لِقُنبُلَة اجتِماعيَّة مَوقوتَةٍ (مُنحَرِفون، مُتَطَرِّفون، عَالةٌ على المُجتَمِع) كَما سلَّطت الجَائِحَةُ الضوء على نقاط الضَّعف في التَّعليم، بما في ذلك المستويات المنخفضة من الرقمنة ونقاط ضعف الهيكلية طويلة الأمد.
تم التَّعلم عبر الإنترنت بشكل عام من خلال المحاضرات المُسجَّلة والنَّماذج عبر الإنترنت (بِطَرِيقَةٍ ارتِجاليَّة) ، وقد قامت بعض الجامعات بتأجيل التَّعلم والتَّدريس حتى إشعار آخر، بسبب نقص البنية التَّحتيَّة لتكنولوجيا المعلومات لكل من الطلاب والمعلمين، و هُنا تظل بَعضُ الأسئلة مَعروضَة بِرسمِ الاجَابة حول كيفية مواءمة الفصول الدراسية والتَّقويمات الأكاديمية، حيث تم تنفيذ بعض البرامج بنجاح عبر الإنترنت، بينما لم يتم تنفيذ برامج أخرى، و السُّؤال الأكثرُ مرارةً هَل كُلُّ هذا بِسَبب الجائحة أم أنَّها رَفعَت رَواسِبَ السِّنين للسَطحِ فَقط و هَل مَن يُنصِفُ الحَقِيقَة ؟

 

أينَ الخَلل ؟

لَقَد فشلت نحو 40 بالمائة من أفقر البلدان في دعم الطلاب المعرضين للخطر خلال جَائِحَة كورونا، وأظهرت التَّجارب السابقة للتعليم وعدم المساواة اضافةً إلى عَدم حصول الأطفال على الوقت الكافِ للتَّعلم، خُصوصاً الأطفال ذوو الإعاقة الذين تم تهميشهم بالفعل قبل تفشي الجَائِحَة حَيث لَم يتم تضمينهم في استراتيجيات التَّعلم عن بُعد. هَل كَان كُلُّ ذَلِك بِسَبب جائِحَةِ كورونا أم أنَّه بِسَبَبِ غِياب التَّخطيط وتَرهُّلُ دَهرٍ و تَقاعُس مَسؤول.

آن الأوان لإنصافِ الجَائِحة

لقد كَشَفت داءنا وستنسل فلا نَرمها بدائنا و نَنسل



حول هذه القصة

اقتربت العودة إلى الدّراسة بعد أن شهد العالم أزمة اضطراب غير مسبوقة بسبب تفشي كوفيد 19. ولجأت دول عديدة إلى التعلّم عن بعد لضمان استمرارية العملية التعليمية. فهل أنقذت منظومة التعلّم عن بعد السنة الدراسي

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة