مائتا عام من الاستعلاء الفرنسي

ربما لم يَحُز حدثٌ فرنسيّ مثل التغطية الإعلاميةً الكبيرة بقدر ما حاز حدث الرسوم المسيئة و تداعياته في شهر أكتوبر المنصرم. فقد خرج علينا رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون في مقابلةٍ على الجزيرة في نهاية أكتوبر يحاضر العالَم الإسلامي فيها عن التنوير الفرنسي ومبادئه، إثر حملاتِ مقاطعة تلقائية للبضائع الفرنسية من شعوب العالم الإسلامي. لم تخلُ كلمات ولهجة الرئيس الفرنسي من نبرة الاستعلاء التي لم تبرح فرنسا منذ مائتي عام أي منذ فجر حركة التنوير التي حاول الرئيس ماكرون شرح بعض مبادئها للعالم العربي في مقابلته على الجزيرة.

أوّل مايلفتنا في خطاب ماكرون تأكيده على عدم تسويغ العنف مطلقًا في إشارةٍ إلى جريمة قتل المدرس الفرنسي صموئيل باتي في 16 أكتوبر المنصرم، الذي قتله شاب روسي مسلم لاجئ على أرض فرنسا بدافع الغضب من عرض المدرس للرسوم المسيئة عن الرسول صلّى الله عليه وسلم في فصله الدراسيّ.

تأكيد ماكرون هذا على عدم تسويغ العنف يدلّ على افتراضه أنّ هناك من سوّغ العنف في العالم الإسلامي، ولكن يبدو أنّ رئيس فرنسا لم يطّلع على الأخبار جيدًا قبل المقابلة ليعلم أنّه لا توجد جهة معتبرة رسمية أو مؤسسية في دول العالم الإسلامي إلا وشجبت واستنكرت جريمة القتل، بدءًا من رؤساء الدول وحتى الجهات الدينية المعتبرة، وانتهاءً بعموم شعوب العالم الإسلامي.

في الحقيقة، فإنّ فرنسا أبعد ما تكون عن نبذ العنف كاملاً، فإنّ تاريخها القريب في الاحتلال في أفريقيا وغيرها مع عدم اعتذارها للشعوب التي ارتكبت في حقهم مجازر، بل وعدم تعويضهم، بل والاستمرار في فرض نفوذها على الدول التي سبق لها احتلالها يدل على أنّها لم تنبذ العنف كاملاً على مستوى الإمكان والفعل.

العنف موغلٌ في التاريخ الفرنسي، فمنذ مائتي عام، وفي الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م دخلت الخيول الفرنسية الأزهر  وقتل الجنود الفرنسيون كثيرًا من الطلاب والشيوخ، ثمّ حولوا الأزهر إلى اسطبلٍ للخيل، حتى قَبِل نابليون التفاوض وأمر جنوده بالجلاء عن الأزهر، وألقى القبض على علمائه وقطع رؤوسهم. تخبرنا هذه الواقعة الكثير عن العنف الفرنسي، ثمّ يخبرنا تاريخها في أفريقيا وخاصة الجزائر عن العنف الدامي غير المسوّغ الذي ارتكبته. وقد كتب فرانز فانون، المفكر الكاريبي الذي شهد الاحتلال الفرنسي عن خطاب تسويغ العنف الفلسفي الفرنسي في كتابه "المعذبون في الأرض" المنشور عام 1961.

تخبرنا واقعة اقتحام نابليون للأزهر الشريف

كذلك عن مدى الاستهزاء بمقدسات الآخرين، بل استنكار غضب هؤلاء الآخرين عند انتهاك مقدساتهم وحرماتهم.

بعد مائتي عام يجد الرئيس الفرنسي ماكرون صعوبة كبيرة في تفهم وتقدير عواطف ودوافع ملايين المسلمين تجاه مقدساتهم، ويستنكر بشدة فعل مقاطعة البضائع السلمي ويصفه بأنّه "جنوني" ويصفه بأنّه "غير لائق" و" مدان" بل ويقيس هذا الفعل على فرنسا، فيقول: "هذا لا يصحّ في بلدنا" في محاولة لتدريس ملايين المسلمين بمَ يجب عليهم أن يشعروا وكيف عليهم أن يتصرفوا.

احتوى خطاب ماكرون على العديد من العبارات الآمرة للمسلمين، فيقول في بداية مقابلته "هناك ما يجب على المسلمين أن يفهموه" ثم يعقبه بشرح عن حرية الصحافة ومبادئ التنوير، في حين أنّه هو من خلط بين قمع الصحافة، وبين اختيار ملايين المسلمين طواعية احترام مقدساتهم. بل ويجد الرئيس الفرنسي صعوبة بالغة في احترام حقوق الآخرين في الفعل السياسي المؤثر عبر وسيلة المقاطعة السلمية كما أسلفنا. بل ويجد صعوبة بالغة في التفكير المنطقي السليم الذي يمنع "التعميم" دون استقراء شامل، إذ يقرر وصف الإسلام شاملاً في عبارة في خطاب عام في بداية أكتوبر فيقول

الإسلام دين يعيش الآن أزمة عميقة في كلّ أنحاء العالم

وحين واجهه المحاور بهذه العبارة، رد بأنّ "مجموعات" تصف نفسها بالإسلامية تقوم بأعمال عنف أودت بحياة ضحايا 80% منهم مسلمون. لا يمكن تسويغ عبارة شديدة العمومية بهذه الصورة تتكلم عن دين له تاريخ وجغرافية شاسعة وأتباع بالملايين، يلقيها على الرئيس الفرنسي على شعبه الذي لا يعرف كثيرًا عن الإسلام والمسلمين، إلا أنها خطاب يكرس الخوف من الإسلام بالفعل.

يؤكد جان فرانسوا بايار، أستاذ علم الاجتماع السياسي الفرنسي أنه

سواء أحب المسؤولون مصطلح الإسلاموفوبيا أم كرهوه فلابدّ أن يدركوا أنّه أصبح بالفعل جزءًا متجذرًا في سياسة فرنسا

في الحقيقة، فإنّ خطاب ماكرون الملئ بالأوامر والتوجيهات والتوصيات والتعميمات يجد له أساسًا في الفلسفة الفرنسية. كان إرنست رينان (1823 – 1892) الفيلسوف الفرنسي التنويري منظرًا لنظرية تفوق العرق الأبيض على غيره من الأعراق. يقول إرنست رينان في كتابه "محاورات فلسفية" أنّ "عدم تساوي الطبقات" سر تقدم البشرية، ويدعي في كتابه هذا أنّ الأفارقة غير قادرين على إقامة حضارة، ويؤسس لتفوق العرق الأبيض الفكري والفلسفي الذي تقع على عاتقه مهمة "التنوير". سقطت هذه النظرية في اختبارات البحث العلمي في القرن العشرين، لكن بقي أثرها في السياسة والخطاب والاجتماع، بل وفي خطاب الرئيس الفرنسي الأربعيني "إيمانويل ماكرون" في القرن الحادي والعشرين.



حول هذه القصة

جمهورية أفريقيا الوسطى، بلد غير ساحلي يبلغ عدد سكانه بالكاد خمسة ملايين شخص، غير أنه لا يزال يعاني من تداعيات إرث طويل من الاستعمار والتدخلات الخارجية.. فكيف تحولت لصراع دموي بين فرنسا وروسيا؟

2/4/2021
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة