وإني أسميتُكَ معاوية

 

ألتمس روحي فيك، و أتلمس موضع النور، أُُلقي بحكايات البطولة، بسيّر العز والرجولة، في باطن فؤادك، أغرُسها بامتداد الصدى الذي يتردد في أنحاء ذاك البيت حيث تتبعثر كل الحكايات في فناء بسيط يحبو به ملكٌ عظيم ترمقه بصيرة الأبوة الثاقبة: إن ابني هذا لعظيم الرأس و إنه لخليق أن يسود قومه،

تجيب الأم بعين ترى فيها علائم النبوغ و تتطلع من خلالها إلى مُلك فريد: قومه فقط ! ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة !

 

معاوية

خال المسلمين و أمير المؤمنين و ملك الأمويين

بُني :

أهديتُك اسماً، يخيطُ لك المعالي، ويكسوك الحكمة والوقارَ، ويكتبك في جبين العز فخراً ويسألُك الشجاعة والفِعال؟ ..

بُني :

‏البصيرةُ قبل البصر والزّاد قبل المسير، ورباطةُ الجأش حين النّائبات، والعِصمة في دروب المهالك، والنّجاة من سبل الشبهات، والثبات في مواطن الشهوات، والصبر في طي طرق المعالي، فإن السخط لا يعود بمنفعة سوى أن يخلّفك عن مراكب الآمال والأحلام، فتضل الطريق وإني أعيذك من ذاك، آثر المضي قانعا متخففا من أثقال التذمر والأعذار، ولا تألف مواطن الأمان والاستسلام ، فتكن من القاعدين، فما سلم ساع من وطأة مواقع الخطر ولكن الظفر بالمراد ، ونيل الغايات يربت على كتف همتك ويمسح عن جبينك الوضاء وعثاء الطريق ‏فبعد كل انتظار طويل؛ تتويجٌ للحظات الصبر المُرة بحلاوة البلاغ، وبعد كل مكابدة لما لا يطاق؛ تفريجٌ يأتيك من الأفراح بما يفوق ما أنقض ظهرك..فتَشيع في أيامك معارض البهجة، ويعلو وجه روحك بريق الرضا والسعادة بعد الانقباض .. فالحمدلله على حكمته و رحمته؛ ‏ألقِ أتعابك ببابهِ يُفتح لك مهما كانت آثارك! قدم يقينك المعجونَ بضعفك، مرّغ تربتك بسماءِ الملك والقدرة المطلقة ، يُحتفى بك بدون بلاغة وبيان، تُفهم بتأتأةِ مطالبك وحشرجةِ منالها ، قدّم قلبك السماويّ، و تطلع نحو أفقٍ ينير أفياء روحك ويستنهض مجدا يتوارى خلف أحرف ( معاوية )،  كصدى ضائع خط رايات الفتح وتاه..

 

بُنَيّ : ‏«إنّ المعالي بالأفعال ندرُكها

ثوب الأماني لا يدنيك من أملِ»

فلا تطل الوقوف بأطلال أمنية و سراب حلم ، فما في الحياة شيء أصعب من أن يقول المرء لنفسه قد غُلبت كن رجلا ذو غضبات، و اعلم أن لِكُل إنسان نور وظلام، لا يتحقّق نُوره إلّا إذا استوضح ظلامه.

تذكر أن حُبَّ الخيْر خير وإن عجزتْ عنه المَقْدِرة، وبُغْضَ الشرِّ خير وإن فعلتَ أكثرَه، وإن الروح بفطرتها تتألم بالوهم أكثر مما تتألم بالحقيقة، وإياك من التعزي بالقدر في المعايب فإنها سمة الجبناء، و أنت معاوية !

 

ولدي معاوية :

‏أولى المعارك الكُبرى التي يخوضها الإنسان، تلك المعركة التي يواجه نفسه فيها، فإن تغلّب إدراك عقله على هوى نفسه؛ فإنّه قادر على جمع شتاته، وتحديد أهدافه، وتقييم قدراته، وتوجيه قواه إلى ما ينفعه ويرفعه، آمن بكل روحك أن لا إجابة على الهزيمة سوى النصر، ولا شيء غير النصر‏، فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران، وإن مبصر الفضل بغير عزم محروم..

إياك‏ يا ولدي من أن تجعل مبادئك وقفًا على مواقف الآخرين  ورهنًا لانفعالاتهم .. لأن المناصب فتنة والرهان خيبة والحقيقة واضحة، لكن الكثير من الألم في النور، وبعض الراحة في العتمة؛ لكنها عتمة ! وضلالات..

وإن ظنها العمي هداية ورشاد، فما زال الخير يبتلى بالشر ليزداد الخير ثبوتًا في نفسه وثباتا في نفوس الخيرين، وما زال الباطل يقف في جنب الحق لا ليعارضه ولكن ليكون حجّة ناطقة على أن الحق هو الحق

معاوية :

كن كثرة في واحد و تجنب الحشد..

وإنَّها إن هانت الغايات هُنت، وإن لانت الخطوات لِنت، وإن عاهَدتَ أُلزِمت، وإن سِرتَ لا تقف لعلّك أوشكت البلوغ، فأنت مجموع أحلامك المنجَزة والمنتَظرة فلا تتخلّ عن أحلامك وإن سامتك الحياة سوءَ الحيل ..

 

لا تتخلّ عن بعضك ونبضك فتكون من النادمين

إليك  يا ولدي :

فأنت المعنى و المعني .. وما بينهما ..



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة