محيي الدين فارس.. لن يحيد عن الكفاح..

 

كتب ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة في صناعة الشعر" (كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر، أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة واجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس). وكان الشاعر أيقونة قبيلته يسجل مآثرها وينشر مفاخرها ومحامدها ويحمل سلاح القلم في وجه خصومها ويدك بالكلمات حصونهم.

وتذكر كتب التراث أن النعمان بن المنذر قدم على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم وقال: " وأما حكمة ألسنتهم، فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم، وحسنه ووزنه وقوافيه، مع معرفتهم بالأشياء، وضربهم للأمثال وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس"، وكان الرجل لا يسمى الكامل إلا إذا كتب وقال الشعر وأحسن الرمي العلوم.

 

مدافع شرس عن قصيدة التفعيلة

في السودان وعلى مر العصور، نبغ شعراء كثر، منهم من سار على الدرب ومنهم من خالفه.. محيي الدين فارس أحد الشعراء الذين خالفوا الدرب بكتابة الشعر على الطريقة العربية المعاصرة (قصيدة التفعيلة) وأصبح مدافعا شرسا لهذه الطريقة ولهذا الأسلوب القديم الجديد الذي سبقه إليه محمد سعيد العباسي والتيجاني يوسف بشير وشكل بذلك إضافة كبيرة للقصيدة السودانية..

ويقال إن محيي الدين فارس والشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي تقدما ذات مرة إلى مسابقة شعرية أقامتها مجلة أبولو فقام الأستاذ محمود عباس العقاد بإحالة قصائدهما إلى لجنة النثر بدلا من لجنة الشعر.. وبرغم العواصف النقدية القوية، أسس فارس مع أبناء جيله من شعراء القصيدة الحديثة (جيلي عبد الرحمن ومحمد الفيتوري وتاج السر حسن)، قاعدة متينة سار على نهجها الكثير من الشعراء السودانيين أمثال صلاح أحمد إبراهيم ومحمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم ومصطفى سند والنور عثمان أبكر..

 

وُلِد محيي الدين فارس بمنطقة أرقو بشمال السودان عام 1936 والتي وصفها الشاعر التجاني سعيد بأنها (قطعة من الجنة أخطأت طريقها إلى الأرض).. أتم دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدينة الإسكندرية بمصر، وتخرج في دار العلوم، وعمل محاضراً للغة العربية بكلية بخت الرضا بالسودان، واستاذا في عدد من المدارس الثانوية السودانية ومفتشاً تعليميا قبل أن يتفرغ لإنتاجه الأدبي.

 

اشعار وكتابات نقدية في كثير من الصحف والمجلات العربية

طوال مسيرته الحافلة بالعطاء أصدر محيي الدين فارس عدة دواوين شعرية: الطين والأظافر 1956، نقوش على وجه المفازة 1978، صهيل النهر، القنديل المكسور 1997، الشمس تشرق من جديد وتسابيح عاشق.. إلى جانب شاعريته، كان كاتبا لا يشق له غبار، نشر كتاباته النقدية في كثير من الصحف والمجلات العربية كمجلة الدوحة القطرية، والآداب البيروتية والرسالة القاهرية.. والأهرام وغيرها من الصحف السودانية.. في نهاية السبعينيات أدرجت وزارة التربية والتعليم السودانية قصيدته (ليل ولاجئة) ضمن كتاب الأدب والنصوص المقررة لطلاب المرحلة الثانوية..

 

لا.. لا تنامى

الليل أوغل لا تنامى

الريح أطفأت السراج.. وقهقهت خلف الخيام

وفراخك الزغب الصغار.. تراعشت مثل الحمام

وتكومت فوق الحصير.. تكومت مثل الحطام

ناموا على جوع.. فما عرفوا هنا طعم ابتسام

وعلى خدودهمو.. بقايا أدمع.. ورؤى قتام

 

لا.. لا تنامى

ضجت مزاريب السماء وأعولت ملء الظلام

وهناك في قبو الحياة هناك في دنيا الخيام

تمضي الحياة بلا ابتسام

تمضي كزفرة مومس ضاعت بأطواء الظلام

" تحضر قصيدة ليل ولاجئة دليلا على مناجاة الروح الإنسانية لِصِنوِها حين تتحد أو تفترق آصرة الدين واللغة والمصيروترسم لوحة للاجئة في مخيمات البؤس وقت الليل والمطر وهزيم الريح؛ طالبًا منها ألا تنام؛ فالنوم صنو الموت، وكأنّه يحذرها من أن تموت وتدع أفراخا يتامى بعدها.."

الكاتب محمد علي العوض

وفي مقال نشر للأستاذ عبد المنعم عجب الفيا في عام 2011م، قال: " كان يدرسنا في مدرسة خور طقت الثانوية – مدرسة نموذجية بغرب السودان-  النقد الادبي المكون من كتابين هما التوجيه الأدبي والمطالعة التوجيهية، وكنا اخر دفعة تدرس هذين الكتابين الهامين اللذين يعدان التلميذ إعدادا جيدا ليكون قادرا على قراءة وفهم وتقييم الشعر والنصوص الادبية ومن ذلك الباب المسمى "الموازنات والسرقات" الذي يعلم التلميذ كيف يوازن بين بيت شعر واخر وتفضيل أحدهما على الاخر"

 

المترفون الهائمون يقهقهون ويضحكون

كتب فارس القصائد الوطنية التي تدعو إلى الكرامة ومنها قصيدته " لن أحيد عن الكفاح" التي تغنى بها الفنان السوداني الكبير حسن خليفة العطبراوي

أنا لست رعديداً يكبل خطوه ثقل الحديد

وهناك أسراب الضحايا الكادحون

العائدون مع الظلام من المصانع والحقول

ملأوا الطريق

عيونهم مجروحة الأغوار ذابلة البريق يتهامسون

وسياط جلاد تسوق خطاهم ما تصنعون

يجلجل الصوت الرهيب كأنه القدر اللعين

تظل تفغر في الدجى المشئوم أفواه السجون

فيغمغمون نحن الشعوب الكادحون

وهناك قافلة تولول في متاهات الزمان

وبلا دليل

عمياء فاقدة المصير

تمشى الملايين الحفاة العراة الجائعون مشردون

في السفح في دنيا المزا بل والخرائب ينبشون

والمترفون الهائمون يقهقهون ويضحكون

يمزقون الليل في الحانات في دنيا الفتون

والجاز ملتهب يضج حياله نهد وجيد

موائد خضراء تطفح بالنبيذ والورود

لهف من الشهوات يجتاز المعابر والسدود

هل يسمعون ؟

صخب الرعود صخب الملايين الجياع

يشق أسماع الوجود

لا يسمعون إلا شهوات حياتهم

وكأنهم صم الصخور

وغداً نعود حتماً نعود

للقرية الغناء للكوخ الموشح بالورود

نسير فوق جماجم الأسياد مرفوعي البنود

تزغرد الجارات والأطفال ترقص والصغار

والنخل والصفصاف والسيال زاهية الثمار

وسنابل القمح المنور بالحقول وبالديار

لا لن نحيد عن الكفاح

ستعود افريقيا لنا وتعود أنغام الصباح

 

معارك أدبية استخدم فيها الشعر كسلاح ماض من اسلحة التحرر من الاستعمار

كان فارس كما وصفه محمد الربيع في "زمن الكتابة": "صاحب مشروع شعري وليس ظاهرة عابرة في الشعر السوداني، ومازال حضوره في قلب خارطة الشعر واطئاً جمرته.. وینتج عالمه الشعري المتميز، غاسلاً لغته من آثار الآخرين، وخالقاً لغته الخاصة وكونه الشعري المستقل"..

وعند الحديث عن هذا الشاعر الكبير لابد أن نذكر هنا ما كتبه معاصروه من الكتاب والصحفيين، وكتب الصحفي السوداني الكبير صديق محيسي في إحدى مقالاته عن فارس قائلا: " كانت اشعار فارس تثير فينا الثورة على الظلم والشوق الي الحرية، في ذلك العصر كان للشعر مكانة كبيرة في خريطة الأدب، سلاح ماض من اسلحة التحرر من الاستعمار، وبعد ظهور الإذاعة والتلفزيون كان الشعر يحتل مكانة كبيرة بين وسائل التعبير الأخرى النثر والمسرح والرواية والقصة القصيرة. جاء محيي الدين فارس من مصر مزهوا، كفاتح مقاتل لحركة شعرية جديدة في السودان رافقته اصداء المعارك الادبية التي دارت في مصر بين الحداثيين الايديولوجيين محمود امين العالم، عبد العظيم انيس، صلاح عبد الصبور، واحمد عبد المعطي حجازي والتقليديون بقيادة عباس محمود العقاد، وعلي احمد باكثير، ومحمود حسن إسماعيل. معارك اتسعت بها الساحة الادبية في مصر والعالم العربي."

 

الشجيرات الموات والمناديل الخضيبة

وعلى المستوى الشخصي، فإن الشاعر الكبير فارس أستاذي ومعلمي الذي أخذ بيدي إلى فضاءات الابداع.. وكتبت في مقال نشر لي: " كان النهار قد اقترب من منتصفه، عندما هبت نسمة لطيفة من طرف الوادي، فاحتست حرارة الأجواء في مدرسة خور طقت الثانوية.. ورغم مرور أكثر من خمس وثلاثين عاما، إلا أن الذاكرة لا تزال متقدة لم ينفد ضوء قنديلها بتفاصيل أحداث تلك الليلة، التي تزينت فيها المدرسة كفتاة كاعب، احتفالا بيوم العلم."

" كنت أجلس هادئا في مقاعد الصف الثاني، عندما أبلغني أحد الزملاء بأن استاذ محيي الدين فارس يطلبني في أمر عاجل. وكنت حتى تلك اللحظة لا تربطني أية علاقة أدبية بالشاعر الكبير وعندما وصلت إلى شعبة اللغة العربية كانت أنفاسي تعلو وتهبط كمتسابق فرغ لتوه من سباق طويل. تفرس في وجهي مليا، حتى كدت أعود أدراجي، لكن ابتسامته بددت كل خوف. سألني من أين أتيت بعنوان القصة القصيرة التي تقدمت بها للمسابقة. في تلك اللحظة انتفش ريشي، وانطلقت متحدثا، لكنه قاطعني لائما عندما علم بأني من اعضاء جمعية الرياضيات وليس منضما لجمعية اللغة العربية."

في المساء وفي الحفل الذي جمع عددا من الخريجين وأهالي القرى القريبة، فازت قصتي التي كانت بعنوان (المرأة وشيطانها) بالمركز الثاني بينما ذهبت جائزة المركز الأول للدكتور اسامة عوض وكانت بعنوان (زواج على الطريقة الأمريكية)، أما المركز الثالث فقد كان من نصيب الزميل عبد المنعم عجب الفيا القانوني الضليع والمثقف والباحث في اللهجات السودانية.

بعد كل هذه السنوات، أعض على أصبعي حسرة على عدم الاستفادة من خبراته الطويلة ومهاراته اللغوية، فقد كان صاحب فضل كبير على كثير من الزملاء الذين شقوا طريقهم في دنيا الأدب والشعر. وله شهادات طريفة على ما يكتبه الطلاب في (سوق عكاظ) وهو صالة كبيرة وسط مدرسة خور طقت الثانوية، يتبارى فيها الطلاب في نشر موضوعاتهم في شتي مناحي الحياة وسميت بهذا الاسم تيمناً بسوق عكاظ – أحد ثلاثة أسواق في الجاهلية. إلى جانب حلاوة لسانه كان هجائا من طراز رفيع، فقد حكى لنا ذات مرة بأنه اختلف مع أحد الاساتذة في مصر، فكتب قصيدة هجائية عصماء.

قال في إحدى قصائده، إن كل الأظلة تعود إلى الشجيرات الموات، لتورق أثمارها المضمحلة، لكنه وحتى رحيله في عام 2008م لم يعد إلى شجيراته في قريته الوادعة شمال الوادي، وظل يحنو إلى شرفات النخل، حيث الأحبة يلوحون بالمناديل الخضيبة. قبل رحيله بأربع سنوات فاز بجائزة البابطين للإبداع الشعري للدورة التاسعة (دورة ابن زيدون) ووصف البابطين الشاعر فارس بأنه من الأسماء التي شغلت النقاد زمناً حيث كتبت عنه العديد من الدراسات والابحاث التي أثرت المكتبة الشعرية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة