سيكولوجية الطفل عبر رواية السر الحارق

 

كتب الكاتب النمساوي ستيفان زفايغ رواية السر الحارق سنة 1911، وتدور أحداثها في فندق بمنطقة الألب النمساوية، بين رجل وأم وطفلها، وقد حاول الكاتب أن يضع الطفل أمام سر يصعب عليه اكتشافه وهو في سن الثانية عشرة، لقد استعصى عليه أن يفهم الطريقة التي وجد فيها نفسه مع شخص غريب استغله ليصل إلى أمه، وأم لم تجد غير الانفلات من الأمومة لتلبي حاجاتها العاطفية، هكذا حاول زفايغ أن يضعنا أمام سيكولوجية الطفل في علاقتها مع الأحداث، وكيف يصير بالإمكان أن تتحول مشاعر الطفل من حب إلى كره وحقد ورغبة في الانتقام؟

هذا الطفل البريء جعلته تصرفات صديق أمه وتصرفات أمه ينطوي على شخصية لم تعد قادرة على تحمل براءة الطفولة.

بعد أن اعتقد الطفل أنه وجد صديقا يحبه ويعيش معه بعض اللحظات الممتعة خلال رحلته رفقة أمه، تغيرت مشاعره كليا تجاه هذا الصديق الغريب، الذي أعجب بأم الطفل، ولم يجد وسيلة للتقرب منها غير اختلاق صداقة وهمية مع الطفل، وهو الشيء الذي نجح فيه بالفعل، لكن هذه الصداقة المزيفة دفعت الطفل إلى الدخول فيها بكل مشاعره، حتى صار ذلك عائقا أمام الشخص، بل إن أمه كذلك وجدت ابنها عائقا أمام رغبتها في قضاء بعض من الوقت رفقة هذا الغريب، لقد تحول الطفل من وسيلة للتقرب من الأم ونيل رضاها، إلى عائق يمنع قيام هذا الرضا.

لقد دفعت سلوكيات الشخص والأم هذا الطفل لإعادة النظر في تصرفاته معهما، ودفعته كذلك إلى محاولة البحث عن هذا السر الذي جعلا هذان الشخصان يتهربان منه بعد أن كان موضوعا وسببا في تعارفهما، لم يحبذ الطفل ما حدث، حتى صار يغار من أمه لأنها تأخذ منه صديقه، ثم صار يغار من صديقه لأنه يأخذ منه أمه، ولأن طبيعة تصرفاتهما لم تعجب هذا الطفل، قرر أن يكون عائقا أمامهما، وأن يغير من طريقة تعامله معهما، وهو ما بدا واضحا لهما، مما دفعهما إلى معاملته بطريقة أعقد من الأولى، وهو الشيء الذي ولّد حقدا لديه، ليس فقط تجاه الغريب بل تجاه أمه أيضا.

لقد تحولت مشاعر الطفل من الحب والصدق إلى الكره والحقد، بعد أن وجد نفسه مع شخص يتظاهر بالصداقة من أجل شيء آخر، وأم لم تجد غير الانصياع لهذا الغريب، وإبعاد الطفل قدر الإمكان عن حلبتها، لكن ذلك لم ينجح، لأن الطفل شعر بأن العالم يتغير من حوله، وبأن الصديق لم يكن صديقا كما ظن، وأن الأم لم تعد مكترثة له منذ أن دخل هذا الغريب إلى حياتها، لقد اختلطت المشاعر والمواقف على الطفل، فلم يجد غير تغيير طريقة تعامله مع هذا الغريب ومع أمه أيضا، مما كان له تأثير على الشخصان اللذان حاولا جاهدا إبعاده عن طريقهما.

لقد صار هذا الطفل غريبا بعد أن اختبر هذه المشاعر المختلطة بالحب والكره، لكنه خرج منها بنظرة جديدة للحياة، دفعته إلى الهرب من أمه تاركا وراءه السر الذي ظل يبحث عنه،

واتجه صوب منزل جدته، لعله ينسى معاناته مع الخيبة والخذلان، آملا أن يكتشف هذا السر الذي لازمه على مر أحداث الرواية،

يقول زفايغ:

كل الألم الذي عاناه في الأيام الماضية قد تلاشى أمام الإحساس القوي لتجربته الحقيقية الأولى، وكان سعيدا بالانتظار الغامض لأحداث المستقبل

لقد تبدد كل استيائه وتململه من الحياة عندما عرف كم هي حافلة بالوعود والآمال. أحس أنه يراها للمرة الأولى على حقيقتها، لا مغلفة بآلاف الأكاذيب الطفولية، بل عارية بجمالها المرعب.

لم يعرف من قبل أن الأيام تتناوب بين الألم واللذة، وقد أعجبته فكرة أن كثيرا من الأيام ما زالت أمامه، وأن حياة كاملة ستكشف أسرارها له.

الشعور المسبق بتنوع الحياة الغني دغدغ قلبه، وأحس لأول مرة أنه قد فهم طبيعة البشر، إنهم بحاجة إلى بعضهم بعضا حتى ولو كانوا متخاصمين في الظاهر، وكم هو جميل أن تكون محبوبا من قبلهم.

عالج ستيفان زفايغ مجموعة من المواضيع عبر شخصياته في الرواية، فعبر الطفل أبرز حاجة الأطفال إلى الدعم والحنان والشعور بالأمان والتقدير، وبطل الرواية افتقد لهاته الأحاسيس، مما دفعه إلى البحث عنها لدى الآخر الغريب، لكنه لم يكن اختيارا صائبا، لأن الغريب وظفه الكاتب ليبرز لنا طبيعة بعض الأشخاص اللذين لا يكترثون لمشاعر الآخرين، ومن أجل مصالحهم يمكن أن يتلاعبوا بالآخرين، أما الأم فكشف فيها الكاتب الدور المهم الذي تلعبه، وأنها عندما لا تتقن هذا الدور تنفلت منها المسؤولية، ويصير الأبناء عرضة لمصائب الحياة، والأم في الرواية لم تكن مسؤولة كما ينبغي، إلا بعد أن أدركت مدى سذاجتها لما قررت ملاحقة رغبتها الطائشة.

لقد تغيرت شخصية الطفل بعد أن هرب من أمه، وعبر تجربته تلك، اكتشف أنه لا ينبغي أن نفكر في أي شيء أو أي شخص بكراهية، كما لا ينبغي الندم على كل التجارب السابقة، وأن نكون ممتنين لكل ما يحصل لنا، فعبر ذلك نكتشف العالم وننضج.

وهناك في بيت جدة الطفل، بعد أن كان نائما، دخلت عليه أمه، واحتضنته باكية، وشعر أنها غفرت له، كما شعر أنها رمت بشبابها خلفها، واختارت ابنها معتزلة بذلك المغامرات وودعت رغباتها، ولعلها كانت ممتنة له أيضا، لأنه أنقذها من مغامرة طائشة، وهناك اعتقد الطفل أن السر الأعظم في الحياة هو هذا الحب الذي وجد نفسه غارقا فيه.



حول هذه القصة

blogs محمد خلف

كان الأستاذ محمد خلف الله أحمد فائق الالتزام بكل شيء، بالموعد وبالمبادئ وبالخلق الكريم وبالأداء السامي المترفع، وكان يحظى باحترام أقرانه وتلاميذه وبثقة كل مَنْ كانوا أكبر منه.

3تقول مريم رمضان بان الأب هو القدوة ومصدر الأمان والحب والحنان والمرشد والناصح والصديق والسند في الشدائد- (بيكسلز).

تشكو نساء كثيرات بمجتمعنا العربي من إهمال أزواجهن في واجباتهم تجاه أولادهم. فالشائع أن التربية مسؤولية الأم وأما تربية الأب فأمر غير متعارف عليه، وهذه مشكلة اجتماعية بحسب الأمهات وعلم النفس أيضا.

Published On 6/1/2021
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة