رباعيات في مسار شيخ المؤرخين الجزائريين "أبو القاسم سعد الله"

 

الحديث عن قامة عملاقة وظاهرة ثقافية، نال لقب شيخ المؤرخين الجزائريين باستحقاق جدير بالوقوف والتأمل، لأنه يؤكد نظريات التدافع والاستجابة للتحدي، وقدرة الفكر على مغالبة الواقع، والتحدي المراد هنا هو الخروج من ظلمات الليل الفرنسي الطويل على الجزائر، والذي أسفر صبحه عن أفذاذ عظام أمثال ابن باديس، والإبراهيمي، ومالك بن نبي، وأبي القاسم سعد الله.

ولتفهّم الإضافات الفكرية والمنهجية للرجل فإنه يحسن الإلمام بالمسار الحياتي والمنتج الفكري والهموم التي سكنت قلب الرجل، فغدا أحد أهم أهرامات المدرسة التاريخية الوطنية في الجزائر.

 

أولا/ المسار الحياتي

ويمتد على مدار أربعة عقود ويمكن أن نمايز فيه بين أربعة مراحل مفصلية هي:

أ/ مرحلة المهاد والتكوين الأول: أي المرحلة الجزائرية الأولى، حيث ولد في سنة (1930)، بعد مرور قرن كامل من الاحتلال الفرنسي، وشاء له قدره أن يولد في منطقة قصية من الصحراء الجزائرية الواسعة في مدينة قمار بوادي سوف المشهورة ببحارها الرملية، وهناك حفظ القرآن والضروري من علوم الدين واللغة، واكتسب القدرة على مغالبة الصعاب بامتهان الفلاحة فيما يعرف بالغوط، وأحاطته أمه العبيدية برعاية حسنة، وكذا خاله العالم الحفناوي خريج الزيتونة، ولما يراهق أمَّ الناس في صلاة التراويح وذلك سنة (1946).

ب/ مرحلة التكوين العربي: وهي تشمل دراسته للعلوم الدينية واللغوية في الجامع المعمور بالزيتونة الذي تخرج منه بشهادة التحصيل سنة (1954)، بعد دراسة امتدت سبع سنوات كاملة، ثم عاد ليدرّس سنة (1955) بالجزائر بمدارس جمعية العلماء بالعاصمة، وهناك انتدبه نائب رئيس الجمعية الشهيد العربي التبسي ليلتحق ببعثاتها في المشرق، فشدّ الرحال إلى كلية دار العلوم بالقاهرة، حيث تخرج منها بشهادتي الليسانس، ثم الماجستير عن دراسة حول شعر محمد العيد آل خليفة شاعر الجزائر سنة (1961)، وقد قدم لكتابه هذا أستاذه محمد البشير الإبراهيمي، وهناك في مصر تعمقت معارفه، وترسمّت خططه العلمية، وشارك في دعم الثورة الجزائرية بمناشط كثيرة كالكتابة والتـنظيم والحشد.

ج/ مرحلة التكوين الغربي: وذلك بعدما أرسلته الحكومة الجزائرية المؤقتة في منحة دراسية إلى أمريكا حيث انخرط في جامعة منيسوتا لدراسة التاريخ، فأتقن الإنجليزية في بضعة أشهر، ونال الدكتوراه لأطروحته عن الحركة الوطنية الجزائرية سنة (1965)، وبقي هناك سنتين معيدا في الجامعات الأمريكية.

د/ مرحلة التدريس والبحث: وهي المرحلة التي قطع أكثرها بالجزائر مدرسا وباحثا ومؤطرا على مدار ثلاثة عقود كاملة، ثم التحق بجامعة آل البيت بالأردن سنوات [1996-2002]، ثم أمضى بقية السنوات أستاذا زائرا وباحثا متفرغا، إلى أن وافته المنية بالجزائر في [14-12-2013].

 

ثانيا/ المنتج العلمي لشيخ المؤرخين

وهي تشمل أربعة حقول معرفية اشتغل عليها وهي:

أ/التاريخ الثقافي: وهو المشروع الأهم في حياته، إذ أنجز ما عجزت عنه مؤسسات، وذلك بكتابة التاريخ الثقافي للجزائر في العهد العثماني ثم الاحتلال الفرنسيين، وأردفه بآخر من الفتح الإسلامي، وهو مشروع لا نظير له في العالم العربي، حيث تبدو مفرداته في إبراز الهوية الثقافية وأولويتها على الفعل السياسي، وتظهر صعوبته في إمساك الخيط الناظم لتداول العلوم وتاريخ المراكز العلمية والزوايا الصوفية، وإبراز الدور الأهلي، ويضاف إلى هذا أعماله في التحقيق والترجمة، كعمله على تحقيق منشور "الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية" لابن الفكون القسنطيني.

ب/ التاريخ السياسي: وذلك في أعماله المتسلسلة حول تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، والتي نقض بها أطاريح المدرسة الفرنسية ومدرسة البحر المتوسط، وقد أنصف فيها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين صانعة الاستقلال الثقافي، والذي هو المقدمة الضرورية للاستقلال السياسي.

ج/ الحقل الأدبي: وهو الحقل الذي بدأ به حياته، حيث كان شاعرا أديبا، وهو من رواد النقد الأدبي الحديث، ومن رموز شعر التفعيلة، إذ كتب في مجلة الآداب، وأصدر دواوين الزمن الأخضر، النصر للجزائر، وكتب في القصة القصيرة، وكانت بصمته الأدبية واضحة في  باقي كتاباته التاريخية.

د/الحقل الفكري: وهو ما برز في سنيه الأخيرة عندما اشترك في المعارك الفكرية مع التيار الفرنكفوني والتغريبي، وكتب بجرأة كبيرة تعزّ في نظرائه، في مثل: الجدل الفكري، أفكار جامحة، قضايا شائكة، هذا بالإضافة إلى ما تضمّنته سيرته الذاتية "مسار قلم" من شهادة صادقة على العصر وأحداثه.

 

ثالثا: الهموم الفكرية عند شيخ المؤرخين

تعددت الهموم الفكرية لسعد الله، وتوزعت عبر مساره كله، ولكننا سنوجزها في هموم أربعة هي:

أ/ الهم التراثي: أو الموقف من التراث والحداثة، حيث ركز على دور التاريخ في صناعة هوية الذات الثقافية التي لا تنمحي أو تختل أمام المتغيرات، حيث أن الثقافة هي المصدّ الرئيس أمام التغريب والطمس، ولذلك رافع ضد الخوف من التاريخ من قبل الجميع، ولكنه لم يحتف بتاريخ المناقب، وإنما ركز على الفكر النقدي، ودعا إلى التثاقف مع الأخر، ونادى بحوار حضاري تفاعلي يفيد ويستفيد.

ب/الهم اللغوي: وذلك في مرافعاته الدائمة عن اللغة العربية المحاربة في بلده، باعتبار أن اللغة هي الأساس في وحدة الأمة، ولأجل ذلك كانت مواقفه حادة تجاه اللهجات المحلية العربية أو الأمازيغية، والذي رأي أن الصراع معها إنما هو لفائدة الفرنسية فقط، وقد استشهد لذلك بتاريخ الغرب الإسلامي الذي حكمته أسر بربرية، ولكن الثقافة السائدة الرسمية والعلمية إنما كانت بالعربية.

ج/ الهم الفكري: وذلك في تركيزه الشديد على دور المثقف الملتزم الذي هو نبي قومه، فهو من يكتب ويناضل بقلمه لأمته، وقد هاجم مرارا المثقفين الخونة والمأجورين والجبناء، كما هاجم السلطة القائمة في نهجها على تفكيك النخب، وتقزيم المثقف لصالح السياسي، ومحاصرة المثقف في تعبيره وعيشه وكرامته، وتركه ذيلا للحاكم، أو زجه في معارك وهمية لا تفي بحاجات النهضة.

د/ الهم السياسي: وهو ما ظهر جليا في توجهاته القومية والإسلامية، عندما نقد أشكال السلطة الزمنية القائمة في دول يراها وظيفية خاضعة لضغط التوجهات العالمية من الصهيونية والإمبريالية، فقد كان داعية إلى إعادة إحياء مفاهيم الجامعة الإسلامية والتواصل بين المسلمين، والأمة الواحدة.

 

تلك رباعيات ناظمات لتفكير شيخ المؤرخين الذي لا تفي بحقه الكلمات مقارنة بنضاله ومواقفه التي جعلته يرفض مناصب رفيعة في الدولة كرئاسة الجامعة ووزارة الثقافة والسفارة، وبقي وفيا للبحث بجدية  وإصرار ومثابرة، والتزام  بقضايا أمته، وتواضع عزّ مثيله في الدوائر الأكاديمية.



حول هذه القصة

بعد سنوات من السجال حول مكانة اللغة العربية في الأوساط التربوية بالجزائر، تحاول مؤسسات رسمية وناشطون في جمعيات أهلية، إطلاق مبادرات تشجع حضور اللغة العربية في الحياة العامة، خاصة في العلوم التقنية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة