عوائق الخطاب الفيدرالي المعاصر في لبنان

من الاندماج الكلي في محور "المقاومة والممانعة" إلى المثالثة إلى مبادرة البطريركية المارونية حول "الحياد الناشط" إلى المطالبة المتكررة منذ التسعينيات باللامركزية الإدارية الموسعة، لم تسلم أية فكرة تغييرية (واقعية أو يوتوبية) من التناول والتشريح على مائدة اللبنانيين. مناسبة (إعادة) طرح هذه الأفكار هي رثاء الكيان الذي صمد لمئة عام. هناك فريقان: الأول لا يزال يرى فيه قابلية للحياة، ولذلك فهو يحاجج بالتصحيح: لبنان الكبير بإمكانه أن يحيا ويستمر، شريطة استدخال معالجات بنيوية تراعي واقعه الديمغرافي الحديث من ناحية ومستوجبات تموضعاته الجيو-سياسية والجيو-اقتصادية في الإقليم من ناحية أخرى. أما الثاني، فيرى أن لبنان الذي نعرفه قد أفل إلى غير رجعة، ولذلك فهو يذهب إلى ما هو أبعد وأكثر راديكالية من التصحيح، أي الشطب وإعادة الرسم والبناء: لبنان الكبير قد ضاق بمكوناته الطائفية والمذهبية ونخبه المتأدلجة ومشاريع النيو-كولونيالية التوسعية المفروضة عليه، بقوة التوازنات الداخلية كما الإرادات الخارجية. لا حل إذا إلا بالفدرلة.

 

لسان حال هذا الفريق الأخير هو أن الصيغة اللبنانية قد فشلت لأن "الآباء المؤسسين" (الفرنسيين والموارنة) لم يتنبهوا لعامل الهويات المجتمعية المتضادة عضويا، إذ إنه ليس هناك من إمكانية للتوافق بين مسيحاوية لبنانية تقدس الأرض وتتطلع إلى الإنطباع بصورة الغرب الليبرالي وإسلاموية لبنانية تأبى الإنسلاخ عن أراضي الآخرين، تارة باسم الآصرة القومية وتارة أخرى باسم الآصرة الدينية، على أهميتها، لا يعنيني في هذه العجالة الخوض في الحجج التي يقدمها كل فريق من هذين الفريقين الآنف ذكرهما. إنما، ومن باب الجمع بين القراءة السياسية النيو-كلاسيكية (المبنية على مفاهيم افتراضية، كالجيو-استراتيجيا والمحاور الإقليمية والمصالح العليا والمشاريع الحضارية) والقراءة السوسيولوجية التأويلية (المبنية بالأساس على معطيات الواقع الإمبيريقي)، ما يعنيني حصرا هو محاولة الكشف عن ثلاثة عوائق تحول، في نظري، دون تقديم الخطاب الفيدرالي بالتحديد، وهو، كما أسلفت، خطاب شطب وإعادة رسم وبناء (لا تصحيح)، بصورة تحوز على مقبولية وازنة، ناهيك عن استعدادية لفحصه بشكل يخلو من الحساسيات والتحفظات والأفكار المسبقة.

العائق الأول يخص غياب التنظيم. المطالبون بالفيدرالية من سياسيين وباحثين ونخب فكرية وأفراد عاديين مشتتون، لا تجمعهم منابر رسمية ولا يلتئمون للتداول سوى لماما، في الغرف المغلقة أو المؤتمرات التخصصية أو (إن دعوا) على شاشات التلفزة. لذلك، لا عجب ولا غرابة إن غلب على اللبنانيين الإعتقاد الخاطئ بأن الفدرلة المطروحة اليوم هي طرح مسيحي (تحديدا ماروني) خالص، لا قبل للمسلمين فيه. أما العائق الثاني، فهو يخص – أقولها بلا تردد – تلك العلوية أو العنجهية المسيحاوية الكامنة في السياقات الخطابية الشائعة لبعض أولئك المطالبين بالفيدرالية. لعله ليس أدل على ذلك مما جاء مؤخرا على لسان أحدهم في حوار تلفزيوني مباشر، بما هو معناه: "المشروع الغربي الليبرالي هو المشروع الوحيد الذي يعد ببناء جامعة. كل المشاريع الأخرى التي فرضت وتفرض على لبنان لم ولن تؤدي سوى إلى التدمير والخراب." لا أدري لماذا، على سبيل المثال لا الحصر، غاب عن بال هذا الضيف – وهو باحث أكاديمي – أن المشروع القومي العربي بنسخته الناصرية، على علاته وإخفاقاته التي لا تغتفر، قدم للبنان جامعة بيروت العربية! ثم تستغربون، أنتم معشر الفيدراليين، لماذا لا يزال الرأي العام اللبناني، خاصة بجناحه المسلم، يحيل طرح الفيدرالية إلى "تابو"؟ كيف للبنانيين أن يقبلوا بما تقولون به إن كان خطابكم مبينا على هكذا مفاصلات قيمية بين خلفيات الناس الفكرية والتاريخية والمؤسساتية؟

 

ولكن، في نظري، العائق الأكبر الذي يواجه المطالبين بالفيدرالية هو، على حد تعبير علي شريعتي، استحمارهم (عفوي أو منهجي) للناس. بحجة أن اللبنانيين جاهلون بالمرة أو لم يؤتوا العلم درجات، تبدأ وتنتهي معظم الحوارات المتلفزة أو المقامة على وسائل التواصل الإجتماعي بسرديات تعريفية مفصلة حول المفاهيم والأنواع المختلفة لأنظمة الفيدرالية والكونفيدرالية واللامركزية الإدارية الموسعة في العالم اليوم. هنا، أيضا، نحن أمام علوية أو عنجهية، إذ يبدو أن دعاة الفدرلة يجهلون أو يتجاهلون حقيقة أن الثورة الصناعية الرابعة لم تترك لا شاردة ولا واردة معرفية إلا وأفردت لها المواقع والقنوات الإلكترونية الكفيلة بشرحها للعوام شرحا وافيا، وأحيانا كثيرة بدرجة عالية من الدقة والأمانة العلمية والتقانة الحرفية في نقل المحتوى. فبإمكان اللبنانيين التعرف على الفيدرالية وتجارب الفدرلة الدولية أونلاين! (هناك المئات من المحاضرات الجامعية والحلقات النقاشية على موقع يوتيوب.) هم ليسوا بحاجة إلى التثقيف والتنوير، بل إلى إجابات موضوعية بناءة حول أسئلة ملحة، أسئلة يتجنب الباحث أو الناشط الفيدرالي الخوض فيها بحجة أنها "تفاصيل يمكن معالجتها لاحقا." ربما سؤال الكيفية هو أهم هذه الأسئلة: بعيدا عن مقولة أن هناك "فيدرالية مقنعة" في لبنان، هل لدى المطالب/ة بالفيدرالية تصور جاد حول شروط ومعضلات الانتقال إلى نظام فيدرالي رسمي؟ ثم هل يكون هذا الإنتقال باردا، يتم بموجب حوارات تثمر تنازلات قاسية، أم ساخنا (وهو الأرجح، نتيجة قرون من تغلب العصبيات الولائية على قيم الانفتاح الديمقراطي واحترام الآخر)، يتم بتكاليف إنسانية باهظة، تبدأ بالتغيير الديمغرافي القسري ولا تنتهي عند حد إراقة الدماء؟

 

بدلا من الاستحمام والإستجهال، أليس الأجدى، بالإضافة إلى التنظيم وتنقية الخطاب التخصصي من العلويات الجوهرانية، العمل على تسليح الناس بما ينقصهم من معارف نقدية وأدوات تفكيك وتحليل للواقع؟ زبدة القول إن مشاكل الخطاب الفيدرالي المعاصر في لبنان ليست فيه، أي في شرعية الطرح من عدمها، بقدر ما هي في مقاربات متبنيه وسبل تقديمهم لأفكارهم التي تفتقر إلى فهم سوسيولوجي عميق للمتلقين على امتداد المجتمع.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة