شعار قسم مدونات

اليمن السعيد بأبنائه.. التعيس بحكامه!

blogs اليمن

كنت لا أفهم، أو بالأصح، لا أستطيع تصور كيف يعيش انسان في القرن الحادي والعشرين في "عُشه"، بيت مبني من القش، مسقوف بأغصان النخيل، إلى أن ذهبت إلى تهامة، أو لأكون أكثر دقه، ساقني القدر إلى هناك وقضيت فيها ليلة كامله مع إحدى العائلات، بعد أن تعطلت السيارة التي كانت تُقلنا ونحن في طريقنا إلى مدينة الحديدة الساحلية. في منتصف الليل، وبعد مُضي بعض من الوقت ونحن على قارعة الطريق السريع، تفاجئنا برجل أطل علينا من وسط أشجار كثيفة على إحدى جنبات الطريق، حاملاً معه قنينة ماء وبعض من الخبز، عرض علينا المساعدة في حدود استطاعته، ومن ثم قضى معنا الليلة كاملة بعد أن جلب لنا أغطية لننام عليها، وبالرغم من كل المعاناة التي يعانيها في سبيل الحصول على المياه إلا أنه لم يبخل علينا بها، بل ودلنا على خزان المياه الصغير وسمح لنا بأخذ ما نريد وقت ما نشاء، وعند مطلع الشمس جلب لنا الفطور. ولم يتركنا إلا بعد أن تمكنا من إصلاح السيارة. قبل مجيئه لم نكن نعرف أن هنالك منازل آهلة بالسكان بالقرب من المكان الذي تعطلت فيه السيارة.

 

هذا الرجل يدعى محمد شويع، جندي في الجيش اليمني بأحد الألوية الواقعة بمحافظة مأرب، أصيب في عموده الفقري في إحدى المعارك الدائرة هناك، بعد إصابته لم يعد بمقدوره العودة إلى عمله السابق كجندي بكامل "الامتيازات"- أن صح تسميتها امتيازات- التي يحصل عليها من هم في الجيش خصوصا منهم في جبهات القتال، ما اضطره للبحث عن مصدر آخر يعيش منه. تنقل من محافظة إلى أخرى باحثاً عن عمل يكفيه سؤال الناس، ابتداءً من الجوف مروراً بعمران وحجة وصعدة وصنعاء وذمار وتعز وحتى سقطرى، وانتهاءً بالحديدة وتحديداً تهامة في عُشته الصغيرة التي التقيناه فيها.

 

يعيش محمد هو وزوجته وطفلهما الصغير الذي لم يتعدى عمره السنة، في عُشه صغيرة بمنطقة تهامة – باجل، تقع قريبة من الطريق السريع الواصل بين محافظتي صنعاء والحديدة. بلا كهرباء، والمياه يقومون بجلبها على ظهور الحمير من مسافة تزيد عن 5 كيلومتر. بعد أن بنى عُشته المتواضعة، وبعد عناء طويل تمكن من جمع ما أمكنه من مال عن طريق بعض الأعمال التي لازال باستطاعته القيام بها، وأنشئ بهذا المال مشروعه الصغير، خمسة أغنام صغيرة اشتراها بهدف رعيها والاهتمام بها إلا أن تكبر وتتكاثر ومن ثم يقوم ببيع بعضها، والاستفادة مما تبقى منها من خلال ما تدره عليه من حليب وسمن ولحم.

blogs اليمن

بعد الأمطار الأخيرة والسيول الجارفة، فقد محمد كل اغنامه التي نفقت غرقاً بعد ان جرفها السيل، وقبل هذا فقد منزله (عشته) الذي كان يأويه هو وأسرته، واضطروا اخيراً للذهاب إلى مخيم النازحين في عبس، الذي بدوره تضرر هو الاخر من الأمطار والسيول. فقد تسببت الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة في مقتل أكثر من 20 شخص وفق إحصائية أولية، وتشريد المئات من منازلهم وقراهم. بعد أن تدمرت المئات من المنازل (العُشش)، وجُرفت الكثير من الأرضي الزراعية، ونَفقت الكثير من الاغنام والابقار والمواشي التي تعتبر المصدر الأساسي الذي يعيش منه معظم السكان في مناطق تهامة بمحافظة الحديدة. في ظل هذا الوضع الكارثي لم تتحرك المنظمات الدولية لإنقاذ تهامة وتُركت كالعادة لمواجهة مصيرها بمفردها. عانة تهامة طويلاً من الاهمال، فلم تنعم بالتنمية في السلم، وكان لها النصيب الاكبر من الاذى والدمار في الحرب، وعندما حلت بها الكوارث لم يذكرها أحد.

 

خلال الأشهر الماضية، هطلت في اليمن أمطار غزيرة، أدت إلى سيول جارفة أثرت على آلاف العائلات التي تعاني أصلا بسبب الحرب المستمرة منذ خمس سنوات. بحسب التقارير الأولية لمنظمات الأمم المتحدة والجهات المعنية، فقد تأثر أكثر من 100،000 شخص في جميع أنحاء اليمن بسبب الأمطار الغزيرة والفيضانات التي جرفت أكثر من 2500 مسكن بشكل كلي أو جزئي، وهو ما جعل نحو 1500 أسرة تبيت بالعراء، وتسببت في وفاة أكثر من 170 شخصا ونزوح عشرات الآلاف في مناطق مختلفة من اليمن. كما تضررت في صنعاء القديمة عشرات المباني المدرجة على لائحة اليونسكو للتراث الثقافي العالمي. لتكشف هذه الأمطار عن مدى السوء الذي وصلت اليه اليمن في ظل هذه الصراع الدائر منذ أكثر من خمس سنوات. فعلى الشوارع اليمنية طفح إلى السطح قُبح هذه الحرب وقادتها الذين أهلكوا الحرث والنسل، وعلى ذات هذه الشوارع سطر الأطفال اليمنيين بطولات لم نرها إلا في القصص الخيالية التي كنا نقرأها عندما كنا صغاراً.

"سرويس" السنافر

على ناصية إحدى الارصفة وسط العاصمة صنعاء، وتحديداً بالقرب من دار الرئاسة اليمنية، تُفاجئ بمشهد واقعي أُقتطع من مسلسل كرتوني (عهد الاصدقاء) الذي اعتدنا مشاهدته في الصغر، مع فارق بسيط استبدلت فيه المداخن بالسيارات، مجموعة من الأطفال اليمنيين يديرون بأنفسهم مشروعهم الخاص لتنظيف وغسيل السيارات الذي أسموه "سرويس السنافر"، فبعد ان فقدوا في الحرب من كان يعيلهم وأسرهم اضطروا للخروج والعمل بدلاً من التسول في الشوارع والجولات، بمعدات بسيطة جداً (موتور صغير وتانك ماء) أقاموا مشروعهم الصغير، الذي لحسن الحظ لبى لهم بعضاً من احتياجاتهم الأساسية التي تساعدهم وعائلاتهم على البقاء على قيد الحياة.

 

وعندما اختاروا اسم لمشروعهم لم يكن الاسم سوى اسم بريء التقطوه من أحد المسلسلات الكرتونية التي اعتادوا على مشاهدتها من قبل هذه الحرب، اسم مكنهم من الشعور ببعض من براءة الطفولة التي حرمهم إيها هذا العمل الذي يقومون به، تلك البراءة التي استنزفها هذا الوضع المأساوي الذي تعيشه اليمن منذ أكثر من خمس سنوات. أقيم مشروعهم على مقربة من أبواب قصر الرئاسة، وبمسؤوليتهم هذه الكبيرة استحقوا أن يكونوا هم من يسكنون هذا القصر، هم من يحكمون هذا البلد، فقادة وحكام هذا البلد لم يتحملوا ولو جزء بسيط من مسؤولياتهم كما تحملها هؤلاء الأطفال.

blogs اليمن

يُقدر عدد سكان اليمن بحوالي 28.25 مليون نسمة، وفقاً لأخر إحصاء تم في العام 2017، 34.3 بالمئة منهم، أطفال تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عاما. 21 بالمئة من هؤلاء الأطفال منخرطين بشكل أو بأخر في سوق العمل. وتقدر نسبة المشاركة في القوى العاملة من الاطفال في اليمن بـ 40.4 بالمئة، ويبلغ متوسط ساعات العمل الأسبوعية للأطفال 23 ساعة. والخطير في الأمر أن 50.7 بالمئة من هؤلاء الأطفال العاملين منخرطين في أعمال تصنف، بحسب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أنها خطيرة وقد تتسبب بفقدانهم حياتهم، إما بسبب طبيعة المهن الخطرة التي يعملون فيها أو بسبب ساعات العمل الطويلة التي يقظونها في العمل. بالإضافة إلى أن 32 بالمائة من الأطفال العاملين في اليمن، يتعرضون للتحرش.

طفل السيل

وعلى بُعد شارعين تقريباً من "سرويس السنافر" في إحدى الجولات وسط العاصمة صنعاء كان يعمل طفل آخر في مسح السيارات أثناء توقفها في إشارة المرور، وبعد هطول أمطار غزيرة أمتلئ على إثرها الشارع الذي كان يعمل فيه هذا الطفل بالمياه إلى أن تعدى الرصيف، والسبب كان انسداد إحدى فتحات تصريف المياه الموجودة في هذا الشارع، ترك الطفل عمله وذهب لينظف هذه الفتحات من الأشياء التي علقت بها. كان يوجد في هذا الشارع عشرات الاشخاص لكن لا أدرى ما لذي حرك هذا الطفل ليأخذ زمام المبادرة ويقوم بهذا العمل، بينما الجهات المسؤولة نفسها لم تحرك ساكنًا. كل ما عملته هذه الجهات المعنية ان ضمنت للطفل مقعد دراسي في إحدى المدارس، وكأنها بهذا الشكل منحته شيء تَكرُماً منها لا واجبها الذي من المفترض ان تقوم به، وأقيم للطفل تكريماً شكلياً، تُحس منه ان هذه الجهات أرادت ان تكرم نفسها على فشلها، أكثر منه تكريماً لهذا الطفل البطل.

 

منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، كشفت في تقرير لها بشأن وضع التعليم في اليمن أن نحو 500 ألف طفل يمني انقطعوا عن الدراسة منذ تصاعد الصراع مؤخراً، ليضافوا إلى مليوني طفل يمني أصبحوا خارج المنظومة التعليمية منذ بدء الحرب بالبلاد عام 2015. ووفقاً للتقرير فإن أكثر من 2500 مدرسة لا تعمل في اليمن.

طفلة الماء

في الصباح الباكر ذهب الطفل عُمري وأخته رويدا لجلب الماء كعادتهم يومياً من خزان المياه القريب من منزلهم، بعد أن اكمل تعبئة الدبة التي معه، رجع عائدا الى المنزل، واخبر اخته أن تلحق به ما إن تكمل التعبئة، ما أن وصل الى الطرف الأخر من الشارع حتى سمع طلقة نار مدوية، كسرت صمت الصباح المخيم على الشارع، التفت ليرى أخته ، فوجدها ملقاة على الأرض بجانب دبة الماء والدماء تسيل من تحت رأسها، القى بدبة الماء جانباً وذهب اليها مسرعاً، لم يدري ماذا يعمل أيختبئ من القناص الذي ما زال يترصدهم، أم يوقف نزيف أخته أم ماذا يعمل، اهتدى بسرعة بديه إلى سحب جسد اخته المدمي إلى مكان اخر بعيداً عن اعين القناص، علها ينقذها ويحافظ على نفسه بعيداً عن رصاص القناص، استطاع بأعجوبة سحب أخته الى الطرف الاخر من الشارع، وجرحها مازال ينزف دماً مُشكلاً خط فاصلاً من الدم، قسم هذا الشارع إلى نصفين، وهو في حقيقته جَسد جرح مدينة تعز النازف، هذه المدينة التي قطعتها الحرب الى أجزاء منفصلة يموت على اطرافها الكثير من ابناء هذه المدينة التي عرفت من قبل أنها مدينة الثقافة، استطاع الطفل انقاذ أخته الصغيرة وأوصلها الى المستشفى بمساعدة أحد اقاربه، وهي تتلقى الان العلاج بعد استقرار حالتها الى حد ما. لم يكتفي قادة هذه الحرب بمدى السوء الذي أوصلوا اليه الأطفال ليبقى شغلهم الشاغل هو جلب الماء والانشغال بمهام بعيدة كل البعد عن سن الطفولة وبراءتها، بل أرادوا أيضا قتلهم عن سبق إصرار وتعمد.

 

لا أعلم ما التهديد الخطير الذي شكلته هذه الطفلة ليقوم هذا القناص بإصابتها إصابة مباشرة في الرأس، اهو الماء الذي كانت تحمله على ظهرها!، أم المعاناة المرتسمة على ملامح وجهها الطفولي التي تشكلت من معاناتها اليومية في سبيل الحصول على هذا الماء، أم توقفها عن الدراسة، أم نسيانها كيف يلعب الأطفال ، أم نسيانها اصلاً انها ما زالت طفله..، لم تكن هذه الحادة هي الوحيدة من نوعها، التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان كان قد كشف عن ارتكاب جماعة الحوثيين 366 جريمة قنص بحق أطفال في مدينة تعز، جنوبي غرب البلاد، تتراوح أعمارهم بين 1-17 عامًا، خلال الفترة من مارس 2015، وحتى أغسطس 2020.

 

لا أدرى، هل مثل هذه الحكايات التي تحدث يومياً، تدعوا إلى الأمل أم إلى الألم، فمثل هؤلاء الأطفال في كل بلدان العالم مكانهم المدارس لا الشوارع، والمفترض بهم ان يتعلموا ويلعبوا مع أسرهم لا أن يعملوا ويعيلوا أسرهم. لكن بالرغم من كل ذلك، لم تستطع هذه الحرب بكل ما فيها من قبح وبشاعة، التغلب على الجمال الموجود بداخل هؤلاء الاطفال اليمنيين، الذين بعثوا فينا الكثير من الأمل، الذي لا يخلوا بالطبع من الألم، في أن المستقبل على الأقل لن يكون بقبح وبشاعة الحاضر.