الحقيقة.. أبرز ضحايا الوباء العالمي الكوروني

اجتاح وباء الكورونا العالم، وقلب رأس الدنيا على عقبها، وجعل عاليها سافلها. لم يكد يسلم بلد منه، ولم تبقَ حتى أقصى المناطق بمنأى عنه. ضرب الوباء الأغنياء والفقراء، وبلدان ما يُسَمّى بالعالم الأول والثالث، ووضع كل الحكومات والمنظومات الصحية في العالم على المحكّ. أصاب ملايين الأشخاص، وسبّب مئات آلاف الوفيات، وأصاب الجماهير في كل مكان بالذعر من احتمال العدوى. عطّل الاقتصاد والأسواق، وأدّى إلى نكبات اقتصادية ومالية لم تكن في الحسبان. ارتاحت البيئة قليلا من التلوث، وأخذت الحياة البرية قسطًا من الراحة ومتنفَّسًا كان عزيز المنال. ببساطة، عالم ما قبل كورونا ليس كعالم ما قبله، وهذا ليس كلاما إنشائيًا ولا ديباجة لغوية، وإنما وقائع وأحداث لا مناص منها تجتاح المعمورة من أقصاها إلى أقصاها وتغيّر وجهها المألوف.

 

فداحة الخسائر في الأرواح وفي الأموال لا يمكن إنكارها، فالوباء قد أكره حكومات وشعوب العالم على اتّخاذ تدابير وقائية واجراءات احترازية لتفادي التفشّي المتسارع ولاتقاء سقوط المزيد من الضحايا. ومهما حاولنا التخفيف من الكارثة التي ألمّت بالدنيا قاطبة جرّاء هذا الوباء، فإننا لن نستطيع إلا أن نعترف أن ما حلّ بالعالم نتيجة لوباء كورونا هو جائحة من الجائحات الكبرى ونازلة من النوازل العظمى. وهي تضاهي في فداحتها وخطورتها فواجع الحروب الكبرى ومآسي أسوأ الكوارث الطبيعية والبيئية.

 

على أن الفداحة في الخسائر البشرية والمادية والاقتصادية، ورغم هولها وقسوتها، فإنها ليست أسوأ ما جاء به الوباء العالمي ولا أقبح وجوهه. فإن المصاب الأعظم والخطب الأجلّ والطامّة الكبرى كانت فيما أصاب "الحقيقة" من أعطاب ورزايا تكاد ترديها وتطمسها نهائيا. فمع قدوم جائحة كورونا راحت تتصارع، على ميدان المنابر والشاشات، المعلومات والمعلومات المضادة، وأخذت تتعارك فيما بينها المعطيات والمعطيات المضادة. وصارت مكانة "العلم" عاجزة عن رفد الناس، خاصة وعامة، ومختصين وجماهير، بالخبر اليقين والنهج القويم والمسلك المبين فيما يتعلق بالتعاطي مع وباء بحجم جائحة كورونا. وأضحى التخبّط باديًا لا يمكن تداركه ولا إخفاؤه على المنظمات والهيئات المختصة، وفي طليعتها "منظمة الصحة العالمية"، التابعة لمنظمة الأمم المتحدة.

مع بداية انتشار وباء كورونا، كان الجدل محتدمًا حول ضرورة اتخاذ اجراءات التباعد الاجتماعي وإغلاق الأسواق أو اعتماد مبدأ "مناعة القطيع"، واشتدّ الجدال بين أصحاب الرأيين، حتى أصبح كثير من الناس في حيرة من أمرهم، لا يعرفون هل عليهم الالتزام بالتدابير الوقائية أم أنهم يواصلون حياتهم بشكل طبيعي. وأخذ الشدّ والجذب مكانه بين السياسيين وأصحاب السلطة والنفوذ والاختصاص، فمِنْ مهوّنٍ من شأن كورونا ومضاعفاتها إلى مُهَوّلٍ منها ومشدّدٍ على ضرورة الالتزام الصارم بكافة التدابير الوقائية واعتماد الحجر الصحي الواسع النطاق. وكانت المنابر الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي الميدان لهذه السجالات والمناظرات التي اتخذت منحى عنيفا في كثير من الأحيان.

 

وبعد أن أخذ الوباء بالانتشار بشكل متصاعد، صار النقاش يدور حول توفّر عقاقير فعّالة ضد فيروس كوفيد ١٩، العامل الخمجي المسبّب لهذا الوباء. والثابت حتى ظهور الكورونا في العالم بهذا الشكل المخيف أن الفيروسات التاجية لا يوجد لها أي عقاقير مضادة. بمعنى أن أي مريض مصاب بأي من الفيروسات التاجية يستند على المناعة الذاتية بالدرجة الأولى، ومن ثم على التدخلات الطبية العلاجية العامة التي تدعم جهاز المناعة وتقوّي مقاومة الجسم للمرض. فتارةً صرنا نسمع من أشخاص من المفترض أنهم أهل للثقة والخبرة أن عقّار "الكلوروكين" هو عقّار فعّال ضد كوفيد-١٩، وطورًا نسمع تحذيرات تشير إلى ضرورة تجنب هذا العقار نظرا لانعدام فعاليته ضد كوفيد-١٩، ولتعريض الجسم لمضاعفات جانبية بالأخص في القلب. وقد اتّجه هذا الأخذ والرد في دولة كبرى مثل البرازيل نحو تصرّف أحادي من قبل الحكومة البرازيلية بتبنّي الاستخدام الرسمي لعقّار الكلوروكين من قبل وزارة الصحة، رغم اعتراض اختصاصيين في الأمراض المعدية واحتجاج هيئات طبية ومراكز أبحاث مرموقة. ودخلت في هذا السجال العنيف مجلات علمية مرموقة لها اسمها العريق وسمعتها المحترمة مثل مجلة "لانسيت" البريطانية الشهيرة. وفي السجالات والمناقشات والحوارات التي تجري عبر أجهزة الإعلام المرئي والمسموع، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الجدال كان محتدما بين الأطباء والاختصاصيين الرافضين لعقار الكلوروكين وبين مناصري استخدامه. فأين الحقيقة هنا؟

 

ومن ثم، وبعد استفحال الوباء في كل أنحاء العالم، وبعد حصده الضحايا بين مصابين ومتوفين بمئات الآلاف والملايين، تصدر الواجهة الجدال حول اللقاح المنتظر. واتخذ الجدال مداه وأوجه عندما أعلنت روسيا عن توصلها لإنتاج لقاح فعّال وآمن ضد فيروس كوفيد-١٩. تلقّى الناس، من مختصين وناس عاديين، الخبر بمزيج من التشكيك والاستبشار. ففريق رأى أن اللقاح الروسي يفتقد للحد الأدنى من المقوّمات والمواصفات البحثية والعلمية السليمة لكي يصار إلى اعتماده لقاحا آمنا وسليما وفعّالا على نطاق واسع. وفريق استبشر خيرا وتقبل الخبر بقبول حسن، وتفاءل بالإمكانية الفعلية للتغلب على الوباء العالمي أخيرا. وهنا، مجدّدا، نطرح السؤال عينه: أين هي الحقيقة؟

إذًا، فنحن، على الأقل، بصدد ثلاث ميادين مختلفة، فيما يخصّ الوباء، شهدت جدالات وسجالات محتدمة وعنيفة ومتناقضة، علنية وواسعة النطاق في العالم أجمع. هذه الميادين هي: الإجراءات الوقائية والعقّار الفعّال وإنتاج اللقاح. وقد خرج الكثيرون من أساطين الاختصاصيين وكبار أهل صنعة الطب وعلومه بشكوك عميقة من هذه النقاشات، فما بالنا برجل الشارع العادي وبالناس عموما من غير أهل الاختصاص؟ وهذا كله دون الحديث عن بعض النظريات التي شهدت رواجا ملحوظًا لدى فئات عديدة من الناس، عنيتُ نظريات المؤامرة والكلام عن مخططات جهنمية أو شيطانية أو ما شابه. ونحن نتجنّب الخوض في أرض المستنقعات والوحول هذه -أي أرض نظريات المؤامرة- لافتقاد الحديث إلى أدلة علمية صحيحة وبراهين عقلية سليمة، واستناده بالكلية إلى مهاترات ومناكفات (حتى لا نقول هذيانات) لا تستقيم بها أي حجة ولا يُقْطعُ بواسطتها دابر الشكّ. ولكن ما حدث من سجالات ومناظرات علنية، وحتى خلافات، بين أهل الاختصاص والخبرة هو ما جعلنا نجزم بأن أبرز ضحايا وباء كورونا كانت "الحقيقة".

 

ويقودنا هذا النقاش إلى طرح جملة من الأسئلة، لا ندّعي أننا نمتلك أي إجابة عنها (ولو بالحدّ الأدنى)، ولكننا نرى أنها تفرض نفسها بنفسها، فلا مفرَّ من التطرق إليها وطرحها بشكل جدّي وصريح ومباشر، دون مراوغة أو مواربة. ما مدى قدرة "العلم" -المتربّع على سلطان عصرنا الحديث- على إمدادنا بالإجابات الشافية وتزويدنا بالحلول الناجعة للجائحات والكوارث التي تقضّ مضاجعنا؟ ما مدى تجرّد الهيئات العلمية والبحثية ومراكز صناعة القرار وابتعادها عن صراع المصالح؟ هل نستطيع أن نقول أن المنظومات الصحية في العالم تمتلك الاستعداد والجهوزية للتعاطي مع الأوبئة والكوارث الصحية؟ في ظل كل هذه السجالات والتساؤلات والجدالات، نتساءل، ويحق لنا أن نرفع عقيرتنا عاليا بالسؤال: أين هي الحقيقة؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة