اطرحوا تركيا أرضا يخلُ لكم شرق المتوسط

تتكالب الدول على تركيا بغية ثنيها عن تحقيق مشروع " الوطن الأزرق" وما يتبعه من نهضة وإعادة تموضع لموقع تركيا على الخارطة الدولية، في الوقت الذي تسعى فيه دول القارة العجوز لإعادة الكولونيالية البائدة في صورتها المحدثة عبر احتضان ماكرون لشقراوات وعجائز بيروت، في تظاهر بالسأم من وضع لبنان الممزق والذي وضعت فرنسا قواعده عند رحيلها عنه في عام 1943 وأسست له بمنهجية ليبقى ممزقا متشرذما، وسط تظاهر واشنطن بالحياد والتهدئة ولسان حالها يقول، "اطرحوا تركيا أرضا يخلُ لكم شرق المتوسط".

ما يدور الآن في شرق البحر الأبيض المتوسط وأماكن أخرى في شرقنا الأوسط يكشف مدى خوف وهلع القوى العظمى التي بدأت تستشعر حقاً قوة الذئب التركي الصاعد والذي بدأ يصول ويجول في بحر ايجه وما جاوره في محاولة لفرض سيطرته عبر سياسة الأمر الواقع، خصوصا بعد أن أدركت تركيا وأصبحت مقتنعة تماما بأن لغة القوة هي اللغة التي يحترمها الجميع، وأثارت الرعب في قلوب من كان يلّوح بمناورة عسكرية في المناطق المتنازع عليها، عبر إظهار عدم خوفها وخشيتها من المواجهة واستعدادها للمضي قدماً في حال تطلب الأمر ذلك، مع سعيها للحوار والتوصل لأرضية مشتركة تنصف تركيا كدولة ذات سيادة لا دولة تابعة تستجدي أوروبا لترضى عنها وتعيش على فتات موائدها.

تعاني تركيا من عدة مصاعب، وهو ما يلازم الشجرة المثمرة التي يتربص بها الجميع، فبعد أن سئمت أنقرة من انتظار الموافقة للانضمام لنادي العجائز العنصري الذي يضم بين أعضاءه دول أوروبا الشرقية التي لا تقارن بتركيا نمواً وازدهاراً، أصبحت اليوم أكثر إيمانا بنفسها وبقدرتها على النهوض والنمو دون مساندة من الجار الأوروبي الذي يبدو أنه مازال يحمل بين جنباته آلام ضياع بيزنطة من بين يديه، خصوصا مع سعي فرنسا "منارة العلمانية في العالم" إلى تحجيم الدور التركي والتقليل من شأنه بل وإفشال كافة مساعيه في مقابل دعم كامل وغير مشروط لليونان! والأسباب أصبحت مكشوفة للجميع، فهل من سبب وجيه غير "الإسلام"؟، وسواءً اتفقنا أم اختلفنا مع النموذج الإسلامي التركي!! إلا أن التهديد الوجودي المشترك الذي يواجهنا يتطلب ارتقاءنا فوق أي خلاف.

لقد تبين لتركيا جليا أن اوروبا العلمانية لن ترضى عنها حتى مع اتباع ملتهم، فتخلت عن حلم الانضمام للاتحاد الاوروبي، والذي هربت منه بريطانيا لشعورها بعدم الإنصاف من تحمل أعباء "دول العالة" على الاتحاد، و لن تكون بريطانيا الدولة الأولى التي تفر بجلدها بحسب الرئيس بوتين الذي توقع انسحاب بعض دول أوروبا الشرقية من الاتحاد بحلول 2028، عندما تتوقف عن تلقي التبرعات والمنح وتبدأ في سدادها.

تركيا اليوم ليست تركيا الأمس، فقد أثبتت للجميع حتى الآن على الأقل أنها قوة لا يستهان بها رغم قلة الحلفاء وخيانة الاقرباء، ورغم ذلك فإنها تحمل مشروعا تنمويا طموحا سواءً على صعيد الداخل أو الخارج، وقد حقق حزب العدالة والتنمية قفزات هائلة لتركيا لا يستطيع أن ينكرها أحد اتفق أو اختلف معه، ومع لجوء المناوئين لتركيا إلى التشكيك بأهداف أردوغان وحزبه ووصفهم بالعثمانيين الجدد، وبالرغم من سذاجة التهمة إلا أن دعم الموقف التركي خير لنا من المعسكر الغربي البراغماتي وتجربة السنوات الطوال كانت خير برهان.

لقد حقق أردوغان وحزبه نهضة تركيّة لا تخطئها العين، عبر برامج وخطط تنموية وتخطيط استراتيجي محكم، واعادة هيكلة النظام المالي، وقد تصدر الاقتصاد التركي مؤشرات النمو الاقتصادي العالمي في الربع الأول من 2020 بنسبة نمو بلغت 4.5%، بجانب تحقيق الكثير من الإنجازات والأرقام منذ الأزمة التي مرت بها تركيا في 2001، ما ضاعف متوسط دخل الفرد، وحقق النمو والازدهار وجعل تركيا تتحول من خدمة الديّن إلى خدمة المواطن بحسب البنك الدولي. إلى جانب ذلك عزز الحزب من مكانة الطبقة الوسطى، كما أعاد أردوغان وحزبه الاعتبار للمحافظين الأتراك الذي عانوا لسنوات من استعلاء البرجوازية العلمانية ولطالما شعروا بالتهميش وأنهم ليسوا سوى "أتراك سود".

يضاف إلى ما سبق فإن الشخصية التركية تتمتع بخصوصية واستقلالية واعتزاز بالنفس والهوية. وقد تجسد ذلك في رد زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال قليجدار أوغلو على مرشح الرئاسة الأمريكية جو بايدن ، قائلا إن حزبه صاحب موروث يكافح من أجل استقلال تركيا، رافضا تدخل "القوى الامبريالية" بحسب وصفه. وذلك في رده على تصريحات بايدن ضد أردوغان والذي دعا فيها إلى التعاون مع المعارضة التركية لإسقاطه!

ما سبق يعطي دلالة واضحة على أن المضمار الذي تسير فيه تركيا ضاعف من مخاوف الغرب والذي لم يتمكن حتى الآن من تحجيم دور تركيا في المنطقة وإفساد تحالفاتها مع دول الجوار، وما تخشاه واشنطن خصوصا هو دخول الدب الروسي على خط المواجهة، عبر زيادة التعاون المشترك مع تركيا بالتزامن مع اكتشافات الغاز التركي في البحر الأسود.

يقول فريد زكريا في كتابه الصادر عام 2008،" عالم ما بعد أمريكا" والذي تأبطه الرئيس السابق أوباما وهو يترجل من طائرته كأنه يستشرف مستقبله من خلاله " ما زلنا نفكر في عالم ينبغي فيه على أي قوة صاعدة أن تختار بين خيارين قاسيين: إما الاندماج في النظام الغربي أو رفضه، فتصبح بذلك دولة مارقة تواجه عواقب النبذ. ولكن، يبدو أن القوى الناشئة تسلك طريقا ثالثا: إنها تدخل النظام الغربي ولكن وفق شروطها الخاصة، مغيرة شكل النظام نفسه. ففي عالم يشعر فيه الجميع بالقوة والثقة بالنفس يمكن للدول أن تتجاهل المركز الغربي وتنشئ علاقات خاصة فيما بينها".

وأشار الكتاب إلى أنه "في عالم ما بعد أميركا، قد لا يكون هناك مركز للاندماج فيه أساسا، وسوف يتحول العالم من النظام المركزي الذي يمر عبر الولايات المتحدة الى عالم ذو مسالك متنوعة".

إن المشهد الآن يمثل فرصة سانحة للصين وإيران وروسيا، لتغيير استراتيجياتهم وتثبيت مكانهم في المياه الدافئة وتشكيل تحالفات تعيد ترتيب موازين القوى وتقضي على أحادية القطب نحو تعددية الأقطاب وتوازن القوى، وبدل أن تلتقي المصالح الصينية الروسية في سوريا بالرهان على الحصان الخاسر!، يجب أن يتغير ذلك وتعاد صياغة العلاقات ويكون الرهان عبر تعزيز المصالح المشتركة مع أنقرة، والأمر سيان بالنسبة لإيران، فعوضاً عن استمرار طهران في مساعيها المبنية على أسس مذهبية" وتصدير الثورة"، يجب أن تتحول وتتجه نحو أفق أوسع من تحقيق المصالح المشتركة ونبذ الخلافات الآنية وتشكيل تحالف يكبح جماح الغرب وتغولهم على العالم، والأهم من ذلك تعزيز مكانة الشعوب والحفاظ على مقدراتها وحماية مصالحها ووضعها على رأس الأولويات. وهو الرهان الذي أثبت وسيثبت أنه الرهان الرابح.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة