مراحل الكتابة ودور القراءة في ابتكار الكاتب

من السهل ان تَكتب، لكن من الصعب أن تكون كاتبا؛ لأن الكاتب، قبل كل شيء، هو أسلوب الكتابة. فإذا ما ابتكر الأسلوب ابتكر الكاتب، كما يقول كارلوس ليسانكو في كتابه (الكاتب والآخر)، والأسلوب لا يتشكل فجأة، بل يُبنى ويتطور عبر الزمن أو عبر مراحل؛ لأنه مرتبط بشخصية الكاتب وبالتجارب التي اكتسبها في حياته. إن الكتابة لا تعبر عن شخص ما بقدر ما تعبر عن شخصيته. لذلك فقد يتشابه أسلوب كاتب مع أخر في وصف مكان أو شخصية، لكنهما سيختلفان في وصف العواطف والمشاعر والاحاسيس عند الحب، والموت والحياة، كما يقول عبد الله الداوود في كتابه (كيف تكون كاتبا بارعا).

 

إن الكتابة، يضيف الداوود، هي موهبة تظهر لدى الإنسان عندما تجد محفزا لها. وقد تبرز في بدايتها على شكل هواية. وفي هذه المرحلة يكتب الإنسان لنفسه، بشكل عفوي، وتلقائي، وغير منظم أو غير واع. فالكتابة تعلمنا الحديث مع النفس عبر يوميات أو مذكرات. وتتميز هذه المرحلة بكثرة المحفزات التي تدفع الشخص إلى الكتابة، كالأسرة والمدرسة، والإعلام، والمجتمع. والكتابة في بدايتها، هي من دون عنوان، يحركها شعور الغموض والفوضى. فالأدب، كما يقول لسانكو، هو محاولة لترتيب الحياة، والتي هي فوضوية. إن كتابة اليوميات من الأفعال التي يجب الحرص عليها باستمرار، فمن شأن المداومة عليها تشكيل خزان وكنز من المعطيات والخبرات والأفكار، يمكن العودة إليها مستقبلا.

 

إن أهم مراحل تشكل الأسلوب تبدأ مع القراءة، فالبناء الحقيقي يبدأ مع قراءة الكتب، والتي تمكننا من التعرف على أساليب اخرى في الكتابة، ومن ثمة الوعي بأسلوبنا الخاص. وتساهم القراءة في بناء أسلوب الكتابة بطريقتين، إما بشكل غير مباشر (من خلال التأثير في شخصياتنا) وإما بشكل مباشر، وذلك من خلال إثراء لغة الكتابة بكلمات أو عبارات جديدة. إن القراءة تمكن الكاتب من الانتقال من مرحلة يغلب عليها التقليد إلى مرحلة تتميز باستقلالية وحرية أكثر. والكتب لا تؤثر بالطريقة نفسها، فهناك كتب لا تعدو اكثر من أن تسلي القارئ. أما الكتب الجيدة، فهي تساعدنا على التفكير وتعلمنا كيف نقرأ وكيف نحيا. إن الكتاب الجيد يكافئك، كما يقول موربتمردال في كتابه (كيف تقرأ كتابا). والمكافأة على نوعين: أولا يوجد تحسن في مهارات قراءتك والتي تحدث عندما تعالج بنجاح عملا جيدا وصعبا. ثانيا وهذه على المدى الطويل وهي أكثر أهمية، كما أنها تتطلب قارئا جيدا، ان الكتاب الجيد يعلمك عن العالم وعن نفسك. والقارئ الجيد هو الذي يقرأ بمجهود وفعالية ويفكر فيما وراء قطعية الكلمات المكتوبة. ويستطيع مع تقدمه في مستويات القراءة أن يبلغ من النضوج مرحلة يتمكن عبرها من استخدام كل المعلومات التي تمر عليه ليدرك مقاصد الكتب المباشرة وغير المباشرة كما ارادها المؤلف، ويقدر من خلالها على مزج الافكار الجديدة مع خبرته الماضية ليرى الامور من زوايا جديدة.

مرحلة التأليف أو إصدار كتاب هي أصعب خطوة، كما عبر عن ذلك عبد الله الداوود، حيث يجب أن يتزامن اختيار الموضوع الجميل الجذاب مع تحريره وكتابته بأسلوب ناجح شائق ماتع

وقد يصل القارئ الناضج إلى مرحلة أكثر تقدما، حيث يمتلك القدرات النقدية التي تؤهله للتمييز بين نقاط القوة والضعف فيما يقرأ. والنقد (أو التفكير النقدي)،كما عرفه عبد الكريم بكار في كتابه (تكوين المفكر)، هو مجموعة من العمليات الذهنية التي تستهدف تقييم بعض الحقائق والمعلومات والأفكار والظواهر وتمييز ما فيها من خير وحق وصواب وجمال عما فيها من باطل وخطأ وقبح. لابد أن يتزامن فعل القراءة مع إنجاز ملخصات للكتب المقروءة؛ لأن القارئ سيحتاج إلى مضامين هذه الكتب وملخصاتها أثناء الكتابة والتأليف. وقديما قيل العلم صيد والكتابة قيده. إذا لا تطمع الايام في اندثاره بفعل النسيان وبذلك لا تمحوه الأيام ولا يعتوره النسيان، كما عبر عن ذلك محمد السيد في كتابه.

 

بعد هذه المراحل تأتي مرحلة الإنتاج، حيث يصبح فيها الكاتب قادر على الانفتاح على أكبر عدد من القراء عبر وسائل جديدة (مواقع إلكترونية أو كتب)، وذلك بأسلوب مختلف. وفي هذه المحطة المهمة يستطيع الكاتب إنتاج افكار والدفاع عنها بأفكاره أو بأفكار كتاب آخرين قرأ لهم. إن نجاح الكاتب في هذه المرحلة مرتبط بتوافر عامل خارجي، لا يمكن التنبؤ بأفعاله أو ردود أفعاله. هذا العامل هو جمهور القراء، الذي يعد أحد العناصر التي تكون الكاتب؛ فلا وجود لكاتب دون قراء. والقارئ أول من يعزز الابتكار، كما يقول لسانكو. ومن ثمة فإن الكتابة في هذه المرحلة تحتاج إلى مجهود ووقت وتنظيم أكبر وقراءة أكثر.

 

إن الكاتب يصبح أكثر نضجا عندما يعثر على رسالته في الحياة، والتي ستشكل محور أو مجال كتابته. وأهم مجال يمكن ان يًكتب فيه، هو المجال الذي يحاول ان يساعد القارئ على توسيع دائرة تاثيره على دائرة تأثره. فما يحتاجه الفرد هو المهارات او التجارب التي تمكنه من التغلب على التحديات والضغوط أو العراقيل التي تعيق حركته نحو حاجاته أو أهدافه الاساسية. إنه يريد ويحتاج إلى التوازن. وأول خطوة لتجاوز هذه التحديات هي معرفتها والوعي بها وبتأثيرها. ومن ثمة فإنه من أدوار الكاتب ووظائفه، التوعية ونشر الوعي وبناء جيل واع، متماسك، وقوي، قادر على إحداث نوع من التوازن في المجتمع.

 

إن الكاتب مطالب بتجديد معلوماته باستمرار، لأن ثبات المعرفة وتقادم المعلومات قد يؤدي إلى شيخوخة الوعي والفكر، كما أشار إلى ذلك عبد الكريم بكار. وهذا التقادم يتجلى في صور شتى، تارة في ظهور زيفها أو عدم دقتها، وتارة يتجلى في عدم ملاءمتها للخطط الجديدة، وأحيانا يتحول الاهتمام عنها. والكاتب لا يبدع ويتفوق إلا إذا دخل من الباب الذي يعرفه حق المعرفة. لذلك يقول محمد السيد في كتابه (كيف تصبح كاتبا)، بأن بذل الكاتب معظم الجهد فيما يعرف، هو الذي يضعه على عتبة النجاح، ثم الإبحار في عالم الإنجاز. لكن إذا وجد في نفسه قدرات الكتابة في موضوع آخر أو مواضيع أخرى، فعليه أن يفتح لهذه القدرات نوافذ تتنفس منها، حتى إذا حاولت هذه مزاحمة الموهبة الكبرى عنده كبح جماحها. وإن مراعاة ذلك سيشكل قضية مهمة لدى الكاتب المتوازن.

 

إن مرحلة التأليف أو إصدار كتاب هي أصعب خطوة، كما عبر عن ذلك عبد الله الداوود، حيث يجب أن يتزامن اختيار الموضوع الجميل الجذاب مع تحريره وكتابته بأسلوب ناجح شائق ماتع. لكن القليل من يوفق في الجمع بين هذين العنصرين المهمين. والأسلوب الناجح هو الذي يقوم الحقائق التي نود أن نقصها بتأثير وإقناع أكبر، كما أن الأسلوب الجيد لا يعني استخدام الكلمات غير الشائعة، ولكنه استخدام للكلمات العادية بطريقة غير شائعة. فكل شيء قد روي، كما يقول ليسانكو، لكن هناك على الدوام من يريد أن يروي الأشياء على طريقته.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة