وقفات مع قصة بدء الخلق.. خلق السحاب

إن من مخلوقات الله عز وجل في هذا الكون العجيب السحاب، وهو خاضع لقوانينه وقدرته ومشيئته وفق حكمته وعلمه سبحانه وتعالى، وقد تحدث الله سبحانه وتعالى عن السحاب، وهو نوعان:

أ‌. السُحب البسيطة

ذكر هذا النوع في القرآن الكريم، وهي كما يفهم من اسمها تظهر بشكل طبقات تحجب السماء بأكملها، ولا توجد لها حدود واضحة، ويمكن تشبيهها بالضباب المرتفع، وهي من السحب المنخفضة، وقد تصل قاعدتها في بعض الأحيان إلى سطح الأرض فتظهر بشكل ضباب، وقد يحدث أن تتكون من الضباب نفسه عندما يرتفع بتأثير حرارة الشمس أو الرياح أو كليهما، وهي من السحب التي قد يصحبها هطول خفيف من الرذاذ أو حبيبات الثلج، ويكون الهطول عادة متصلاً أو منقطعاً، ومنها ما يكون رقيقاً شفافاً لا يحجب الشمس، ومنها ما يكون سميكاً معتماً، والنوع السميك منها يصاحبه في المعتاد هطول من المطر أو الثلج أو خليط منهما.

 

وفي هذا النوع قال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [سورة الروم: 48]. ليس في الكلام مثل هذا الكلام من حيث جمال التعبير واكتمال المعنى، ومن حيث المرونة في العرض الذي يستقيم به المعنى لكل ذي لبّ من الناس، سواء كان في الزمان الغابر وما فيه من بدائية المعرفة، أو كان في زماننا هذا بما فيه من ظواهر مذهلة في العلم والاختراع أو تقدم مثير في الخبرات والنظريات العلمية. إن كلاماً يسمو فوق آفاق العقول في عامة الأدهار، وينسجم تمام الانسجام مع المعطيات الكونية التي يتوصل إليها الإنسان رويداً رويداً، إن هذا الكلام بهذه الطريقة والكيفية في العرض لا جرم أن يكون من عند الله وأنه معجز.

لا يتكون البَرَد إلا في السحاب الركامي الذي تختلف درجة حرارة قاعدته عن قمّته، وبسبب هذا الشكل الجبلي للسحاب يتكون البَرَد، وأما الشكل الطبقي فلا يتكون فيه بَرَد

ب‌. السحب الركامية

تتكون من تراكم السحب وركوب بعضها على بعض، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [سورة النور: 43]. وتمثل هذه الآية الكريمة إعجازاً علمياً رائعاً في علم المناخ والرياح وتكوين السحب الركامية؛ فهي تتحدث عن تكوين السحب الركامية، التي تبدأ بدفع الرياح للسحب رويداً رويداً. ثم تأتي المرحلة الثانية التي تتمثل بتأليف وجمع قطع السحاب، ثم تصبح هذه القطع مركومة بعضها فوق بعض، وعملية الركم هذه تتبع نزول المطر، وبسبب التراكم التقاعدي تنشأ جبال سيارة من البَرَد، ونويات البَرَد هذه محصورة في السحب الركامية، ولم نقرأ في السحب البساطية أنها تحتوي على البَرَد أو البرق أو الرعد، ثم إن الآية تخبر أن هذا البَرَد له برق، والبرق نتيجة حتمية للبَرَد، وغير هذه الحقائق والأسرار تحتويها هذه الآية، وسوف نرى بإذن الله أن العلم وصل بشكل دقيق إلى ما أوضحته الآية القرآنية بعدما تطور علم الأرصاد الجوية واستعمال العلماء أجهزة الاستشعار عن بعد والرادارات والأقمار الصناعية وغيرها.

 

وفي آية النور يعرض الله المشهد في إطالةٍ، وتترك أجزاؤه للتأمل قبل أن تلتقي وتتجمع، كل أولئك لتؤدي الغرض من عرضها في لمس القلب وإيقاظه، وبعثه إلى التأمل والعبرة، وتدبر ما وراءها من صنع الله. إن يد الله تزجي السحاب وتدفعه من مكان إلى مكان، ثم تؤلف بينه وتجمعه، فإذا هو ركام بعضه فوق بعض، فإذا ثقل خرج منه الماء والوبل الهاطل، وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة، فيها قطع الثلج الصغيرة، ومشهد السحب كالجبال لا يبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها، فإذا المشهد مشهد الجبال حقاً؛ بضخامتها، ومساقطها، وارتفاعاتها وانخفاضاتها، وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس إلا بعد ركوب الطائرة. وهذه الجبال مُسخَّرة بأمر الله، وفق ناموسه الذي يحكم الكون، ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وتكملة المشهد: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾: وذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في الكون العريض، على طريقة التناسق في التصوير

 

لقد وصفت الآيات القرآنية الوصف الكامل بالضبط لطريقة تكوين السحاب والظواهر المصاحبة لتكوينه، والنتائج المترتبة عليه؛ يبدأ بالسوق، ثم بالتأليف، ثم بالتراكم، فينزل المطر. تغيير حرف العطف: انظر إلى الدقة على مستوى الحرف؛ لأن المدة من السوق إلى التأليف تأخذ زمناً، ومن التأليف إلى نهاية المطر تأخذ زمناً، لكن بعد أن ينتهي الركم إلى نزول المطر لا وجود للزمن، ولذلك كان التعبير المناسب لهذا المعنى بحرف "الفاء"؛ الذي يدل على التعقيب والترتيب بسرعة، ولذلك قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾.

 

لا يتكون البَرَد إلا في السحاب الركامي الذي تختلف درجة حرارة قاعدته عن قمّته، وبسبب هذا الشكل الجبلي للسحاب يتكون البَرَد، وأما الشكل الطبقي فلا يتكون فيه بَرَد، ولذلك قال: "وينزل من السماء من جبال فيها من بَرَد"، فيجب أن يكون السحاب على شكل جبل. "فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء": يصيب الله به من يشاء، والضمير يرجع إلى البَرَد. يقول علماء الأرصاد: يتكون البَرَد وينزل إلى قاعدة السحاب، وفجأة يأتي تيار هوائي يصرفه ويعيده إلى وسط السحاب.

أثبت العلم الحديث أنه بعد أن يتكون السحاب يمر فيه تيار هوائي دائري يدور كالعصارة، فيرفع بدورانه هذه السحابةَ المشبعةَ ببخار الماء إلى الأعلى فيبرد ويتكثف ويلقح أيضاً

أما كيفية فهم قوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ فيعني: كان متّجهاً إلى قوم فقال له: ارجع، وتتبّع علماء الأرصاد ذلك فوجدوها دورة تدورها حبّة البَرَد وتكون غلافاً، فلما تنزّلت حبّة البَرَد إلى الأرض نعرف كم دورة دارت حبّة البَرَد في جسم السحاب. قال تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾: سنا برقه: لمعان برقه؛ في عام 1985م بيّن مؤتمر دولي -لأول مرة- أن البَرَد هو السبب الحقيقي لتكوين البرق، فعندما يتحول البَرَد من سائل إلى جسم صلب تتكون الشحنات الكهربائية الموجبة والسالبة، وعندما تدور حبّة البَرَد توزع الشحنات الموجبة والشحنات السالبة، ومع استمرار الدورات تكون عملية التوصيل، فالبرق من البَرَد.

 

ومن الآيات التي تحدثت عن السحب ونزول الأمطار قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [سورة المرسلات: 27]. أيّ: جعل فيها جبالاً رواسي ثابتات سامقات، تتجمّع على قممها السحب، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب، أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير وحكمة وتدبير؟. فالجبال الشاهقة تكون مصدراً للأمطار، حيث تعترض الرياح المحملة ببخار الماء، إذ تجبر الهواء الرطب على الارتفاع إلى الأعلى فيبرد ويتكاثف ويسقط مطراً غزيراً. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ۝ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ۝ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [سورة النبأ: 14-16]. "وأنزلنا من المعصرات": أي: السحاب. "ماء ثجاجاً": أي: كثيراً جداً.

 

فقد أثبت العلم الحديث أنه بعد أن يتكون السحاب يمر فيه تيار هوائي دائري يدور كالعصارة، فيرفع بدورانه هذه السحابةَ المشبعةَ ببخار الماء إلى الأعلى فيبرد ويتكثف ويلقح أيضاً، وتبدأ عملية العصر عند نقطة محدّدة في مكان محدّد من الطبقات العليا، فينزل المطر، ثم لا تلبث أن ترفع كمية أخرى من الهواء المشبع ببخار الماء من الأسفل إلى الأعلى، وتتكثف وينزل الماء، فعن طريق العصر ينزل الماء من السحب دفعة دفعة، وليس بانسياب مستمر، وهذه الظاهرة تشاهد كثيراً في المناطق الاستوائية حيث تيارات الحمل قوية، فتحمل السحاب وينزل المطر وتكثر الغابات وتتشابك، وتلتف الأشجار بعضها حول بعض.

=================================

المراجع:

1- قصة بدء الخلق وخلق آدم عليه السلام، علي محمد الصلابي، دار ابن كثير، بيروت، قيد الطباعة.

2- في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط17، 1412ه.

3- تفسير من وحي القرآن، محمد حسنين فضل الله، دار الملوك، بيروت، ط3، 1439ه-2018م.

٤ – مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر ابن القيم، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1996م.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة