محمد إبراهيم الجيوشي العلامة الذي وطّد دعائم كلية الدعوة

تربطني بالدكتور محمد إبراهيم الجيوشي ثلاث روابط روحية قوية: أولاها هي الرابطة العميقة التي تربط كل الذين يعنيهم أمر الدعوة إلى الإسلام، وضرورة أن تنشأ مؤسسات علمية ذات منهج لخدمة هذه الدعوة، فما بالنا وقد كان الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي نفسه هو العميد الأزهري الذي مكّن لكلية الدعوة من الوجود في المجتمع الأكاديمي على النحو الرائع الذي انتهت إليه في عهدها الذهبي، ثانيها أنه ولد في الروضة التابعة لمركز فارسكور، وبهذا الانتماء الذي أعتز به كما كان يعتز فقد كان من أبرز العلماء التالين لوالدي عليه رحمة الله، ولما كان الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي من العلماء الاعلام الذين يتمتعون بأكبر قدر من السمو الروحي والنفسي الذي يجعلهم يجلون من يسبقونهم في السن مهما كان الفرق بينهم ضئيلاً، فإني كنت من إجلاله لذكر والدي وذكراه أظن أنه تلميذه مع أنه كان قريبا جداً منه في التخرج والسن.

 

الرابطة الثالثة هو اهتمامه المبكر بالشعراء والإسلاميين، وأذكر في هذا المقام قصة طريفة وهي أني كنت أبحث عن كتابه عن الشاعر أحمد الكاشف (لتكون في مكتبي نسخة أصلية منه بدلا من النسخة المصورة) وذات يوم في مجمع اللغة العربية فاجأني أحد القراء الاذكياء قبل أحد الاحتفالات بسؤالي عن شيء فأجبته من فوري، فوجدته يقول لي وهو ممتن: أنني أعرف أنك تبحث عن نسخة من كتاب الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي، والدكتور الجيوشي سيكون حاضرا في احتفال اليوم لكني أحب أن اذكر لك من قبل أن تسأله أنه لا يملك الآن نسخة من كتابه، لكني أملك نسخة من الكتاب وبوسعي أن أهديها لك، فأجبته بأنه هو أولى بها مني، وأن عندي نسخة مصورة، لكني عجبت وانتشيت بهذا المجتمع المصري المثقف الذي يصل فيه إلى مسامع أبنائه صدى بحث قارئ (مثلي) عن كتاب عن شاعر(كالشاعر الكاشف) لمؤلف (مثل الدكتور الجيوشي).. وقلت يومها الكلمة التي نقولها كلما أصابنا الانتشاء رغم ما نحن فيه من ضياع وتشرد وغربة ووحشة وهي: عمار يا مصر.

وجد في غير زمانه

ولو أننا عشنا في عصر ما قبل 1952 لكان اسم الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي قد أصبح من الأسماء المناظرة للمراغي وحمروش وعبد المجيد اللبان والعمداء الذين أثروا في كلياتهم وخريجيها، ولأصبح بيته مثوى للعلماء، لكن هذا العالم الجليل بعد ان وصل إلى ما وصل إليه في كلية الدعوة وبناء مجدها اضطر نفسه بنفسه الى ان يعود للعمل في البلاد العربية أستاذاً في المملكة العربية السعودية، مع أن وطنه كان بحاجة إلى خبرته العريقة [ في مؤسسة شبيهة بالكوليج دي فرانس على سبيل المثال ]حتى يشرف على مجموعة جديدة من العلماء ينهلون منه بطريقة مباشرة وهو الذي وصل إلى آفاق لم يصلها غيره، والواقع أن الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي كان قد وصل إلى نمط من الفكر المكتمل الذي لم يصل اليه كثيرون من أقرانه من قبله، فقد جمع بين من الموسوعية والموضوعية والفهم والتحليل والتعبير، وقد كان تكوينه الأكاديمي باعثا على أقصى درجات الاحترام والاعجاب والتقدير.

تكوينه العلمي الفريد

وما بالنا بهذا الأزهري العظيم الجليل بعد أن تخرج في كلية اللغة العربية 1954 إلا وقد وجد نفسه يحن إلى الدراسة في كلية أصول الدين وإذا به يحصل على شهادتها أيضا فيجمع بين شهادتين لكليتين (اللغة العربية وأصول الدين).. وكان العهد بالجيل السابق عليه مباشرة أن يأخذوا هذا الاتجاه في مرحلة الإجازة العالية مع تخصص المهة فيحصلوا مثلاً على عالميتين: العالمية مع الإجازة في الوعظ من كلية الأصول والعالمية مع الإجازة في التدريس من كلية اللغة العربية على نحو ما فعل الشيخ إبراهيم الدسوقي مرعي وزير الأوقاف، لكن الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي أتم هذا الإنجاز على مستوى المرحلة الجامعية الأولى (الليسانس أو الشهادة العالية) ولأن مجال عمل خريجي اللغة العربية المفضل كان هو التدريس، فقد كان عليه أيضا أن يتأهل بدبلوم معهد التربية العالي للمعلمين في جامعة عين شمس وقد فعل.

 

ولأنه كان يجب أن يواصل دراسته العليا، وكانت الدراسات العليا في الأزهر قد أصبحت شبه ممنوعة على أبنائه في عصر كان يكره الأزهر والإسلام فقد سار الجيوشي بكل همته وعبقريته في الطريق الوحيد الذي كان متاحا أمامه وهو الدراسة في معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية وهو الطريق الذي سلكه العبقريان الدكتور أحمد الشرباصي (1918 ـ 1980) ومحمد السعدي فرهود (1922 ـ ٢001) وحصل الدكتور الجيوشي على درجة الماجستير في 1961.

في لندن

فيما قبل دراسته للماجستير كان الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي قد نجح في الانتقال إلى الإذاعة المصرية وتولى مسئولية القسم الديني فيها،  وفي 1963 رشح للعمل في كلية البنات لكن جاءته فرصة أفضل للعمل في المركز الإسلامي في لندن حيث عمل 15 سنة كان فيها بمثابة سفير للإسلام ولمصر في لندن والمجتمع البريطاني كله.

الحكيم الترمذي

وانفتح أمام الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي العبقري المجال للدراسة ما يستحقه من درجات الأكاديمية العليا فحصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن برسالة عن الحكيم الترميدي وهكذا نفعته دراسته في كلية اللغة العربية في الحصول على الماجستير من معهد الدراسات العربية، كما نفعته دراسته في كلية أصول الدين في الحصول على الدكتوراه من جامعة لندن.

عمادته

في 1978 وجد الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي أن من حق نفسه أن يمارس الاستاذية في جامعته الأم فعاد وعمل أستاذا للدعوة والثقافة الإسلامية في كلية أصول الدين في أسيوط، ولما كان الأمر أمر غربة بغربة فقد قبل العمل في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وفي 1986 عاد إلى مصر وأصبح عميداً لكلية الدعوة حيث أنجز إنجازه الأكبر في حياته الأكاديمية وبقي في عمادة كلية الدعوة حتى 1993 أي عند وصوله للتقاعد، وعندئذ آثر، كما ذكرنا، أن يعود للعمل في المملكة العربية السعودية. زار الدكتور محمد إبراهيم الجيوشي عدداً من البلاد الإسلامية في مهام علمية ودعوية حيث زال الكويت وقطر والامارات واليابان وباكستان وإندونيسيا وماليزيا والمالديف وسنغافورة.

مؤلفاته

– تاريخ الدعوة

–  الأستاذ الدكتور محمد يوسف موسى حياته وآراؤه ودفاعه عن الإسلام والأزهر

–  الإسلام في اندونيسيا والأخطار المحيطة به

– مجلة رسالة الإسلام وجهودها في التقريب بين أهل السنة والشيعة

– التيارات المعادية للدعوة الإسلامية في أرخبيل الملايو

–  من موقف علماء الأزهر في الدفاع عن الإسلام من 1900 حتى الآن.

حقق

–  الفروق ومنع الترادف للترمذي

–  الأكياس والمغترين للترمذي

–  العقل والهوى للترمذي

وفاته

توفي الدكتور الجيوشي في 2006.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة