لعبة الصراع على الغاز والنفوذ شرق المتوسط

مع إطلاق تركيا تحذير "نافتكس" الدولي لمنع أي سفينة من الاقتراب من سفن المسح والتنقيب التابعة لها في شرق المتوسط، ومع محاولة فرنسا الدفع بقوة لعسكرة مياه شرق المتوسط بعد نشرها لقوات مؤقتة في قبرص وإجراء مناورات عسكرية مع اليونان ، يبدو أن حدّة التصعيد والتوتر في منطقة شرق المتوسط ستزداد مع الأيام والأشهر القادمة، والتي سيكون عنوانها الأبرز "لعبة الصراع على الغاز والنفوذ" وهو صراع يتداخل بعده الاقتصادي ببعده العسكري ويفرز حزمة من الصراعات الثنائية ومتعددة الأطراف تطرح أسئلة ذات طبيعة جيوسياسية تتعلق بمستقبل المنطقة ومستقبل دولها ومكانتها.

 

طبعاً لفهم أسباب الصراع في المنطقة وصيرورته، يكفي النظر إلى حجم الاحتياطات الهيدروكربونية التي تختزنها هذه المنطقة، ومدى الحاجة الماسة للأطراف المتصارعة لهذه الاحتياطات، والتي تُشكّل مساراً للخلاف الدائم والمستمر منذ عدة سنوات في التفاعلات الإقليمية والدولية بسبب القيمة الجيوبولتيكية المضافة لهذه الثروات، والتي باتت المحرك الأول لتحركات الدول السياسية في تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة، خصوصاً وأن آليات الصراع الدولي الحالي تكشف أنّ مراكز القوة في العالم تتشكل وفق صيرورة تقوم على منظومات القوة الاقتصادية والتي ترتكز على حجر أساس هو الطاقة بشكلٍ عام، وعلى الغاز الطبيعي بشكلٍ خاص.

 

من هنا يمكن فهم آليات التنافس والصراع بين مجموعة من القوى الإقليمية والدولية (الداخلية والخارجية) في المنطقة، فعلى سبيل المثال لو أخذنا الفاعل الفرنسي وهو فاعل إقليمي من خارج دول المنطقة، لوجدنا أنّ هذا الفاعل يتدخل في المنطقة تحت تأثير دور متناقض، ففرنسا ترغب بالاستفادة من ثروات المنطقة، وخصوصاً الغاز الطبيعي للتخلص من التبعية الأوروبية للغاز الروسي عبر غاز شرق المتوسط من خلال شركتها العملاقة "توتال"، ومع ذلك نجد أن فرنسا الراغبة بالتخلص من التبعية للغاز الروسي تقف إلى جانب روسيا في دعمها لخليفة حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني الليبية التي يقودها فائز السراج المدعوم من قبل تركيا.

لعبة الصراع على الغاز والنفوذ شرق المتوسط قد غيّرت معالم وشكل العلاقات بين الدول المطلة على الحوض الشرقي للمتوسط، فمنها ما بدأ يأخذ شكل التحالفات والمبادرات، ومنها ما بدأ يكرّس العدائية والأطماع للهيمنة على أكبر قدر ممكن

هذا الدور الفرنسي المتناقض في المنطقة يتحرك مدفوعاً بأمرين اثنين:

الأول: استخدام هذا الملف بشقيه (ترسيم الحدود والمشكلة القبرصية) في مواجهة تركيا، في ظل احتدام صراعهما البيني، ورغبة في نقل الصراع للعمق الاستراتيجي التركي، بما يمثّل أداة ضغط على الأخيرة.

 

الثاني: هو أن علاقات تركيا الوثيقة مع قطر، وإمكاناتها الجيوسياسية، والأدوار التي يمكن أن تلعبها في نقل احتياطات الطاقة في شرق المتوسط، قد تؤدي إلى الإضرار بالدور الفرنسي في المنطقة، لذا يأخذ الموقف الفرنسي نزعة تصعيدية في شرق المتوسط ضد تركيا بالتحديد لمنعها من لعب هذا الدور المتعلق باستفادة من ثروات الغاز ومن أنابيب النقل، على اعتبار أن فرنسا تدرك تماماً أن امساك تركيا بزمام موارد الغاز الطبيعي، وأنابيبه وممراته، سيضيف قوة جيوسياسية إضافية لها.

 

وعليه، لو تتبعنا المسارات الأساسية للتوترات في المنطقة بدءاً من عام 2018 عندما اعترضت البحرية التركية سفن التنقيب الإيطالية التي تعمل في المياه القبرصية، مروراً بإنشاء منتدى "غاز شرق المتوسط" ثم توقيع الاتفاقيات الثنائية الخاصة بترسيم الحدود البحرية بين دول المنطقة، والتي كان أهمها توقيع مذكرتي التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية نهاية عام 2019، ومن ثم اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين اليونان ومصر قبل أيام، لوجدنا أنّ هذا الصراع يتعلق بشكلٍ أساسي ببعدين اثنين، وهما:

 

الأول البعد الغازي:

وهو البعد الخاص بالاحتياطيات الاستراتيجية من الغاز في المنطقة، والتي قدرها معهد الدراسات الجيولوجي الأمريكي USGS بحوالي 122 تريليون قدم مكعّب، وهذه الاحتياطات تعطي أهمية كبرى للبعد الغازي في الصراع في منطقة شرق المتوسط، وخصوصاً بعد موجة الربيع العربي التي تم استغلالها من قبل بعض الأطراف الإقليمية والدولية لفرض واقع جديد في المنطقة، وهذا البعد يكتسب أهميته الخاصة في المنطقة سواء من منظور الاستهدافات الاستراتيجية في التمركز بالقرب من منابع الغاز واحتياطاته الاستراتيجية في المنطقة، وكذلك من منظور أنّ غاز المنطقة يمثل ركيزة اقتصادية يمكنها أن تغيّر معالم المنطقة، بما سوف توفره من ثروات هائلة للدول المسيطرة.

 

الثاني البعد العسكري:

وهو البعد المتمحور حول الاقتراب إلى أقصى درجة ممكنة من بعض القوى ومراقبتها عن كثب، إضافة إلى مراقبة المحاور التي تتمحور حولها علاقات التعاون العسكري فيما بين هذه القوى، وفيما بينها وبين دول أخرى، والتي يأتي من ضمنها المحور الخاص بالوجود العسكري التركي في الضفة الجنوبية للحوض الشرقي للمتوسط وتحديداً في ليبيا بعد توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بالتعاون الأمني والعسكري نهاية عام 2019 بين حكومتي الدولتين، والتي هدفت إلى إثبات وتأكيد الدور التركي في المنطقة، وإفشال محاولات عزل تركيا سياسياً واقتصادياً، من خلال إدخال ليبيا إلى طرفها في المعادلة الإقليمية في شرق المتوسط بالشكل الذي يعيد خلط الأوراق بما لا يتوافق مع مساعي التكتل المعادي لها.

 

بالمحصلة يمكن القول أنّ لعبة الصراع على الغاز والنفوذ شرق المتوسط قد غيّرت معالم وشكل العلاقات بين الدول المطلة على الحوض الشرقي للمتوسط، فمنها ما بدأ يأخذ شكل التحالفات والمبادرات، ومنها ما بدأ يكرّس العدائية والأطماع للهيمنة على أكبر قدر ممكن من المقدّرات في ظل غياب المعالم الحقوقية في المياه الإقليمية والدولية، وهو ما كشفت عنه طبيعة التفاعلات الصراعية بمختلف درجاتها بين دول المنطقة، والتي تدرجت من مجرد تبادل التصريحات إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية إلى استخدمها في بعض الأحيان، الأمر الذي يجعل المنطقة في حال توتر دائم،  وأي خطأ في الحسابات قد يشعل حرباً إقليمية ودولية، فمجرد عدم وجود حرب بين دول المنطقة حالياً لا يعني أن هناك سلام بين دولها.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة