مستقبل الرحمة في زمن الكورونا

يرى جاك أتالي عالم الاجتماع الفرنسي في مقاله " لن يعود العالم كما كان من قبل" أن النظرة إلى الحياة بعد جائحة فيروس كورونا سوف يغلب عليها الفكر التضامني القائم على مبدأ التعاطف والتآزر؛ إذ اعتبر أتالي أن النظم الصحية الحالية فقدت قيمتها المركزية في توفير الأمان والطمأنينة للناس، وبالتالي يرى جاك أن تركيزنا في قادم الأيام لا بد أن ينصب على البحث في جدوى النظم الصحية والاجتماعية والسياسية الحالية من زاوية ما تقدمه لنا من رحمة وشعور بالأمان. لذلك أرى أن انشغالنا بسؤال "كيف نكون أكثر رحمةً بأنفسنا وبالناس؟" أمر بالغ الأهمية، بحكم الواقع المملوء بالصعاب. ومحاولة منى للإسهام في هذا المضمار الإنساني أرى أن هناك أربعة عوامل ستساعدنا في التخلي عن قسوتنا، واقترابنا من شاطئ الرحمة:

 أولًا : فهمنا للدين بأفق مستنير يؤمن بأن الأصل في رسالة الدين هي الرحمة بالناس أجمعين لا القسوة عليهم

والتواصل بين الشعوب لا القطيعة بينهم، والتعارف بين الأمم لا الصراع بينها {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين}؛ فالمتدين الذي يؤمن بأن الدين هو "معرفة الحق ورحمة الخلق"؛ ستكون دائرة رحمته متسعةً لتشمل كل الناس بغض النظر عن دينهم وعرقهم وجنسيتهم، فقد حكى الإمام القشيري عن معروف الكرخي أنه لما مر عليه جماعة في زورق في نهر دجلة بغداد ومعهم لهو وطرب وخمر يشربونه، فقال الناس له : ادع الله عليهم كما تجاهروا بمعاصي الله تعالى، فقال معروف : ابسطوا أيديكم وقولوا معي : اللهم كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة، وهذا موقف نابع من فهم بأن رسالة المؤمن في الحياة هي نشر الرحمة والمحبة بين الناس لا جلب الغضب والعذاب، مصداقًا لقول المسيح عليه السلام: (ما جئت لأهلك أنفس الناس، بل لأخَلّص).

ثانيًا: عدم تمجيدنا للقسوة والعنف

إذ يُعتبر تمجيد القسوة والانتقام في ثقافات الشعوب عبر القصص، والأمثال، والدراما، والفن، والحكايات رافدًا أساسيًّا في تغذية الناشئة بالقسوة، فقد لاحظ الباحث إيفو باناك في كتاب "التعدد وتحديات الاختلاف" بأن رسوم الكاريكاتير الصربية التي تحث على الانتقام من الكروات؛ قد ساهمت في حدوث الجرائم ضد الإنسانية من الصرب ضد الكروات في  معركة فوكوفار (Bitka za Vukovar) في 18 نوفمبر 1991م، لذلك لا بد لكل مجتمع راغب في التحلي بقيم الرحمة وتحويلها لسلوك مُعاش ألَّا يمجد العنف والقسوة، وأن تحكى الأمهات فيه حكايات المحبة والسلام للصغار، وأن تقص المناهج التربوية فيه على الطلاب مبادئ التعاطف والوئام.

رحلتنا نحو شواطئ الرحمة والتعاطف الإنساني تحتاج إلى رواد يجعلون من الدين والتقاليد والتراث والسيطرة على نوازع النفوس، وفهم مراحل تكوُّن القيم مسارات ممتدة تثمر أشجارًا وارفة الظلال

ثالثًا: صبرنا على مشاق غرس الرحمة في الوجدان

سيادة قيمة الرحمة في المجتمع تحتاج إلى رحلة طويلة مكونة من خمس محطات وفق تصور المفكر القطري جاسم سلطان، تبدأ من البحث المعرفي في معتقدات المجتمع وتقاليده وأعرافه عن نصوص تأسيسية تحتفي بالرحمة، ثم الانطلاق نحو محطة النقاش الفلسفي لهذه النصوص بين النخبة الثقافية والأكاديمية، للوقوف على فلسفة تلك النصوص ودلالاتها، ومن هنا نتحرك نحو رصيف المحطة الثالثة والتي شعارها إقرار المجتمع بأن الرحمة قيمة مركزية له لا ينبغي لأفراده التفريط فيها.

 

وبالانتهاء من هذه النقطة لا بد لنا من حزم أمتعتنا للوصول للمحطة الرابعة، وعنوانها تحويل قيمة الرحمة إلى نصوص دستورية وإجراءات قانونية واضحة وملزمة، لكافة القطاعات من شركات ومؤسسات ووزارت وهيئات مجتمع مدني، ثم يكون في الختام العمل على تحويل قيمة الرحمة إلى ثقافة عامةً وعرف سائد، يجعل وجدان الناس منحازًا لقيم الرحمة والتعاطف، وبذلك تكون الرحمة قد استكملت محطاتها الخمس بنجاح، وأصبحت مركوزة في وجدان الجميع، والقسوة لا مكان لها في المجتمع، وهذا يتطلب صبرًا طويلًا وجهدًا متراكمًا يتعاون فيه الجميع؛ إذ الحاصل في مجتمعاتنا هو الاكتفاء بالحديث عن قيمة الرحمة والتغني بها ولها دون تحويلها لثقافة وإجراءات على اعتبار أن هذا كافٍ لتمركز الرحمة في الوجدان العام!.

رابعًا: تخففنا من حب السيطرة والتملك

يرجع إريك فروم مؤلف كتاب "الإنسان بين الجوهر والمظهر" سبب قسوة الإنسان وميله إلى العنف إلى حب التملك والسيطرة لديه، باعتباره دافعًا قويًّا لعدم التراحم بين البشر؛ إذ لاحظ أن قتل الحيوانات المفترسة من قبل القبائل البدائية وشرب دمها طقس الهدف منه هو امتلاك صفات هذا الحيوان وانتقالها إلى الإنسان! إذ تعتقد القبائل بأن شرب دم الأسود والنمور سيجعل الإنسان المتناول لها يتملك صفة الشجاعة والإقدام! وكما جعل حب السيطرة والتملك الإنسان البدائي يتصف بالقسوة وعدم الرحمة، جعل كذلك الإنسان المعاصر ابن الحداثة أكثر توحشًا وطغيانًا، باستعباد أخيه الإنسان من خلال تجارة الرقيق، ونهب ثرواته بالاستعمار والتهجير وممارسة الإبادة الجماعية للشعوب الأصلية كما حدث في أمريكا الشمالية وأستراليا.

 

وبناءً على ما تقدم أعتقد بأن رحلتنا نحو شواطئ الرحمة والتعاطف الإنساني تحتاج إلى رواد يجعلون من الدين والتقاليد والتراث والسيطرة على نوازع النفوس، وفهم مراحل تكوُّن القيم مسارات ممتدة تثمر أشجارًا وارفة الظلال يفيئ إليها الناس للاستراحة من عناء الحياة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة