المفاتيح الخمسة للتعامل مع التراث

لكل تراث خصائص ومميزات وطرائق معينة للتعاطي معه وفهمه، وتراثنا الإسلامي ليس خارجا عن هذا الحكم العام، في هذه المقالة الموجزة أود استعراض بعض السمات الرئيسية في تراثنا مع ضرب مثال للخلل الحاصل في الغفلة عن بعض هذه السمات.

السمة الأولى: خصوصية المفردات

ولست أعني بالمفردات هنا الكلمات العربية فهذا مما لا حاجة إلى التنبيه عليه لأن كون اللغة العربية لغة التراث أمر بديهي، ولكن المقصود هو المصطلحات الخاصة بالعلوم والتي في كثير من الأحيان تخالف المعنى اللغوي الأول، وتختلف عادة من علم إلى آخر. على سبيل المثال: العلم عند الفلاسفة وعلماء أصول الفقه هو: الحكم الجازم المطابق للواقع عن دليل. والعلم عند المناطقة هو: إدراك الشيء. والعلم عند المناطقة يشمل العلم بالمعنى الفلسفي ويشمل الظن: وهو ترجيح الذهن أحد احتمالين. ويشمل الشك: وهو تصور الاحتمال بدون ترجيح. ويشمل الوهم وهو: تصور الاحتمال الأضعف في القضية. ويشمل الجهل المركب وهو: الحكم الجازم المخالف للواقع.

 

فلاحظ هنا خصوصية المنطقيين حين شمل اصطلاحهم الجهل المركب، وهو أمر لن تجده في غير علم المنطق، وقد يظن السامع للوهلة الأولى بأن هذا سهو من المنطقي فإذا فهم خصوصية هذا الإطلاق زال عنه الإشكال. وكذلك يطلق العلم بمعنى آخر على مجموعة من المسائل تدور حول محور واحد، كما تقول: "هذا كتاب في علم الطب" فإن المعنى أنه كتاب يشتمل على مسائل كثيرة تدور حول محور واحد وهو بدن الإنسان من حيث المرض والصحة. فإذا اقتحم الأجنبي هذا التراث دفعة واحدة دون أن تكون عنده روية ودراسة مؤسسة لطرق التعاطي معه وقع في إشكال وتخليط. من أمثلة هذا الخطأ ما وقع فيه البروفيسور وائل حلاق في إحدى مقالاته في الفقه الإسلامي حين تكلم عن سبب شرح العضد لمختصر ابن الحاجب وبين أنه: " من أجل الدفاع عن الاستخفاف الموجه من معارضين مجهولين"[مقالات في الفقه، ص٩٤-٩٥]

 

والخطأ هو اعتقاد البروفيسور أن الاستهتار المقصود في كلام الشارح عضد الدين هو الاستهتار الذي نعرفه في لغتنا الدارجة وهذا الكلام ليس صحيحا، بل الاستهتار هو الولع والاهتمام بالشيء غاية الاهتمام. فالشارح العضد عندما وصف مختصر ابن الحاجب بقوله: "استهتر به الأذكياء أيما استهتار." يريد به أنهم اهتموا به وأولعوا، ولا يريد الشارح أنهم استخفوا به ولذلك كتب شرحه دفاعًا عن ابن الحاجب. وعادة يقع في هذا النوع من الخطأ كتّابٌ من خارج الصندوق[لسان العرب لابن منظر،مادة هتر].

السمة الثانية: خصوصية الأسلوب

لقد كتب التراث الإسلامي وفق أساليب معينة تجعل فهمه دون أستاذ يشرحه صعبة ومتعذرة خاصة في المراحل الأولى، فالأساليب المختصرة من أشهر العوائق التي يشتكي منها المعاصرون ويرونها مانعا دون فهم العلوم التراثية، بينما مكمن الخلل هو أن القارئ لم يدرس المرحلة الأولى من هذا العلم على أهله، ولو فعل لامتلك مفاتيح القراءة للمستويات العليا ولصارت سهلة ميسرة، كما أنه لا تستقيم دراسة الطالب في مرحلة البكالوريوس إذا اقتصر على مقرر المادة دون الحضور والتلقي من الأستاذ، وقد تستقيم في مرحلتي الماجستير والدكتوراة لبعض الأذكياء فيكتب رسالة علمية دون أي مقرر دراسي، وقد لا تستقيم لأغلب الطلاب، فاجعل مسألتنا من هذا الباب.

 

بل لقد تعمد بعض الأعلام في تراثنا تصعيب العلوم حذرًا من أن تقع في يد كل من هب ودب، كما فعل ابن سينا -على عادة الفلاسفة- في تصعيب كتبه الفلسفية وأوصى ألا تمنح لمن لا يتصف بالنجابة، ومن الأساليب الخفية في التصنيف: ذكر القول الذي يختاره المصنف أولًا كأن يذكر في المسألة العلمية مجموعة من الآراء، فالغالب في تراثنا أن القول المرجح عند المؤلف هو القول الأول. ومن الأساليب كذلك: أن التقسيم يتبع اختلاف الأحكام والفوائد، ففي علم الحديث النبوي يقسم الحديث إلى مقبول وغير مقبول.  ثم تجدهم يقسمون غير المقبول إلى: ضعيف وموضوع ومرسل. ويذكرون حكمًا لكل نوع، ولولا فائدة في التقسيم أو اختلاف حكم لما كان للتقسيم معنى، وهذا موجود في العلوم الأخرى كذلك.

السمة الثالثة: خصوصية المنهج

لكل علم من العلوم منهجه الخاص الذي قد لا يستقيم مع العلوم الأخرى، ولهذا يجب احترام تباين المناهج بين العلوم. فمثلا: الفرق بين الاستحالة العادية والتجويز العقلي أمر مهم في باب الفلسفة والعقيدة والكونيات والقوانين الفيزيائية، ولكن ليس له قيمة في باب الفقه وعلوم الحديث، لأن عمدة هذين العلمين الظن الغالب وليس مجرد الاحتمال العقلي المجرد. وكذلك الظن الغالب لا ينفع في باب أصول العقائد لأن المطلوب فيها هو اليقين، فإثبات وجود الله، ونبوة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- يجب أن يقوما على اليقين وإلا لتحول الدين كله إلى مجرد فرضية. وباب التزكية وما يصلح النفس والبدن كثيرًا ما يعتمد على الملاحظة والتجربة، ولا ينفع فيه التفكير المجرد.

السمة الرابعة: خصوصية الثمرة

لكل علم ثمرة يرجوها دارسه بعد الانتهاء منه، وإذا لم يعرف فائدة العلم والثمرة التي يحصل عليها منه فإنه يضيع وقته أولا، ويظلم العلم ثانيا لأنه سيرميه بالهامشية وقلة الفائدة لفوات مقصودة. فلن تجعلك دراسة العروض شاعرا يغرف من بحر، ولا دراسة النحو ناثرا فصيحا، ولا دراسة البلاغة بليغًا، ولن تجعلك دراسة أصول الفقه شافعي زمانك، ولن يجعلك المنطق المعلم الرابع، لأن هذه العلوم تمنحك القضايا النظرية فقط، وتبقى الممارسة التطبيقية من قراءة نظم الشعراء، ونثر الفصحاء، وحكم البلغاء وأحكام الفقهاء، وممارسات العقلاء.

السمة الخامسة: خصوصية القارئ

من أكثر الجدليات المثارة هي كون هذا التراث صعبا، والدعوة الصارخة الصاخبة بضرورة تيسيره للكل، والحث على تجاوزه إلى مذكرات جامعية ميسرة وما شابه ذلك. والحقيقة أن هذه غفلة عن سؤال واقعي مهم وهو: هل يمكننا جميعا أن نكون علماء؟ الجواب بكل بساطة: لا، فالناس أولًا مختلفون في الذكاء والاستعداد الفطري لتلقي العلوم، ثم هم مختلفون في ميولهم. وحتى لو جعلنا أصعب الكتب وأعمقها وأغزرها ميسرة غاية اليسر، فنحن غاية ما نستطيعه أن نيسره تحصيل المسائل للناس، أما ملكة العلم والرسوخ فيه فلا يمكن أن نتصدق بها على الجميع، ولا تتأتى عادة لرجل يريد أن تصبغ كتب العلم بلغة الروايات والجرائد. تلك خمسة ولا أقول كاملة، ولا شك أن هناك غيرها لم يسعف الكاتب الفكر لذكرها، والله أعلم.

 

العلم للرحمن جل جلاله

وسواه في جهلاته يتغمغمُ

ما للتراب وللعلوم وإنما

يسعى ليعلم أنه لا يعلمُ



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة