حرية الكفر وهلاك الأمم

الحرية أغلى من الحياة

الحرية معنى جميل وقيمة وجودية لا تقتصر على الجنس البشري فحسب بل ترتبط بكل ما هو حي، فكل ما له روح مجبول على حب الحرية والاستعداد الفطري للتضحية من أجلها بالحياة إذا لزم الأمر، وعندما خلق الله الإنسان كرمه بأن جعله مختاراً حراً يملك إرادته كاملة حتى في اختيار عقيدته ودينه، فهو حر يختار من يعبد، لا إكراه في الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فإذا كان الله الخالق قد منح الإنسان الحرية في أن يؤمن به أو لا يُؤْمِن والحساب يوم القيامة، فكيف تُسْلبُ هذه الإرادة من الإنسان خاصة إذا كانت في أمر أقل قدراً من العقيدة.

الحرية المستعبدة

لكن هناك ثمة حقائق يجب الانتباه إليها عند الحديث عن الإرادة الحرة لدى الإنسان: فعندما تتبلور المجتمعات وتتشعب الثقافات وتتجذر الأعراف تُشَكل في مجموعها قوىً غير محسوسة تؤثر بشكل خفي على اختيارات الفرد وقناعاته بحيث يصير شخصا لا يملك حريته ولا إرادته -وإن كان يظن انه يملكها – لأنه في حقيقة الأمر هذه الإرادة معلقة ومرتبطة بخيوط غير مرئية تتحكم فيها وتوجهها، فلا يستطيع الشخص تجاهلها، فمثلا اذا خيرنا فتاة مسلمة متدينة عاشت في قرية محافظة في أفريقيا بين ثوبين الأول مصمم في فرنسا وآخر مصنوع في بيئتها، لا شك أنها وبكل حرية وبدون توصية أو ضغط من أحد ستختار الفستان القريب لبيئتها بينما إذا عكسنا الأمر وعرضنا هذا العرض على فتاة أوروبية فإنها ستختار الثوب الفرنسي أيضًا بإرادة حرة بلا ضغط أو توجيه، لا يستطيع أحد أن يدعي أن الفتاة سواء الأولى أو الثانية لم تكن حرة في اختيارها، لكن هذا الاختيار كان أسير التربية والثقافة والعادات والقيم المترسبة في العقل الباطن لكل منهما وجاء هذا الاختيار نتيجة لكل هذه المؤثرات، إن معظم اختيارات الفرد أسيرة لقوى معينة مرئية أحياناً ومخفية أحياناً أخرى، تكون هذه القوى صريحة وفجة في المجتمعات الديكتاتورية أو خفية وناعمة كما هو الحال في المجتمعات الديمقراطية، ولعل القارئ الكريم يوافقني بلا تردد على أن الديكتاتوريات تتحكم في الفرد واختياراته، لكن كيف يكون ذلك مستساغاً في الديمقراطيات؟

 

بداية أحب أن أؤكد هنا على أمرٍ هام وهو أن سلب المواطن حريته والتحكم في اختياراته عن بعدٍ دون أن يشعر لهي جريمة أشد وأخطر من نظيرتها في المجتمعات الدكتاتورية، لأن الفرد في المجتمعات الديموقراطية يظن نفسه حراً يملك إرادته ويتصرف وفقا لهذا الوهم الكاذب، بينما هو في الحقيقة موجَه ومتحَكم فيه لا يختار لنفسه إلا ما تسمح به مراكز القوة في مجتمعه ولا يريد إلا ما أُريد له، فمثلا في سباق الانتخابات في الدول الديمقراطية تختار مراكز القوة المتحكمة في المجتمع ممثلة في الأحزاب السياسية والتكتلات الاقتصادية والهيئات العسكرية والمراكز الإعلامية -تختار- اشخاصاً تعتقد أنهم سيخدمون مصالهم فتدعمهم ماديا ومعنويا ثم تُعرَض هذه الأسماء على المواطنين في الاقتراع العام ليُختار من بينهم، ولا مانع لدى هذه القوى المهيمنة أن تسمح لهذا المواطن المسكين بأن يظهر شيئا من الاعتراض من حين لآخر.

العقوبات التي نزلت على الأقوام والأمم لم تكن بسبب اختيارهم الكفر على الإيمان لأن هذا الكفر جزاءه في الدار الآخرة وليس في الدنيا، إنما كانت هذه العقوبات بسبب جرائم هذه الأمم في حق رسل الله ومن آمن معهم

واهب الحرية هو الله

في ظل هذا التسلط على العامة الذي تمارسه طبقة المنتفعين على مدى مراحل التاريخ المختلفة كان لابد من قوة منقذة، قوة أكبر وأعظم وانفذ من هذه الفئة المتحكمة في كل شيء حتى في ارادة الناس، هذه القوة المنقذة هي الوحي الإلهي المنزل من السماء، السماء الخالية من المؤثرات الثقافية والعادات الموروثة والقوى النفعية، تتدخل السماء لتحرر الفرد من هذه القيود الظاهرة والباطنة، وتضيء للإنسان الطريق وسط هذه الظلمات ليرى الأمر على حقيقته، فيختار ما يريده على بصيرة وهدى، ومع وضوح الحق وضوح الشمس في وسط النهار إلا أن القوة الإلهية لا تستخدم سلطتها المطلقة وقدرتها اللامحدودة لإجبار الإنسان على اتباع هذا الحق غصبا وقهرا، بل أعطته حق الاختيار الحر بين الحق والباطل ولم تتعرض له إلا إذا تعرض هو لرسلها ومبشريها بأذى أو ضرر أو أعاق عملها بأي نوع من أنواع الصد، لذلك كان رد بعضهم على رسل الله وأنبيائه "قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا". ،، فهم لا يستطيعون التحرر من ربقة التقاليد ولا يملكون الإرادة الحرة لاختيارٍ يخالف ما كان عليه آباءهم، ورغم ذلك لم ينزل عليهم العقاب الدنيوي لمجرد رفضهم التوحيد واختيارهم البقاء على الكفر الموروث، فلم تُعاقَب أمة أو جماعة أبداً عقابا دنيويا شاملا لمجرد كفرها ورفضها الإيمان بالله، وهنا يرد السؤال المنطقي، ماذا إذاً عن الأمم السابقة التي أُهلكت بصنوفٍ شتى من العذاب كما يقول القرآن: "فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا.."[العنكبوت:٤٠] .

جزاء الكفر بين الدنيا والآخرة

إن هذه العقوبات التي نزلت على الأقوام والأمم لم تكن بسبب اختيارهم الكفر على الإيمان لأن هذا الكفر جزاءه في الدار الآخرة وليس في الدنيا، إنما كانت هذه العقوبات بسبب جرائم هذه الأمم في حق رسل الله ومن آمن معهم، هذه الجرائم تتمثل في إفسادهم في الأرض واستخدام العنف والبطش في محاربة سلمية الرسالات التي تدعوهم بالكلمة والمنطق لعبادة الله وحده وترك ما دونه من الآلهة الباطلة.

 

فيمكننا إذاً القول بأن الله لم يعذب الإنسان في الدنيا بسبب اختياره الكفر لأن الله بعد أن هداه النجدين أعطاه الحق في الاختيار على أن يكون مسئولا عن اختياره مسئولية كاملة، فمن يُؤْمِن له الجنة ومن كفر فله النار، فطالما أن المخاطَبين يعامِلون الرسل بالمثل، أي أنهم يواجهون الحجة بالحجة ويقابلون الكلمة بالكلمة ولا يتعرضون لهم، فلا عذاب لهم في الدنيا، لكن ما حدث من كل الأمم التي نزل عليها عذاب الله وأُهلكت عن بكرة أبيها أنها تطاولت على رسل الله واعتدوا عليهم وعلى أتباعهم الذين اختاروا الإيمان بالله ورسوله، فسَخِروا منهم ولم يحترموا اختياراتهم وعدُّوها سفاهةً وخروجاً على الأعراف الموروثة مما يستدعي قتلهم أو تأديبهم، هنا كان على العناية الإلهية التدخل لوقف هذا التجبر والظلم ولحماية هؤلاء الضعفاء الذين مارسوا حقهم الطبيعي في الاختيار والإيمان بما يعتقدون، والآن دعونا نبرهن على هذا من خلال تتبع مصارع الأمم السابقة والمقدمات التي أدت الى هذه النهايات.

الأسباب المباشرة لهلاك الأمم السابقة

نبدأ بقوم نوح فهم أول من نزل عليهم عقاب من الله على الأرض بإغراقهم بالطوفان وكان نوح قد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة ولم ينزل عليهم عذاب الله إلا بعد أن تحولوا إلى العنف وهموا بقتله وكان تهديدهم الصريح له حيث قَالُوا " لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ".[الشعراء:١١٦]. وقوم هود كذلك نزل عليهم عقاب الله لما تجبروا في الأرض حيث خاطبهم نبيهم فقال: "وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ". [الشعراء:١٣٠]، فالتجير هو سبب المباشر لهلاكهم .

الله لا يعاقب الأمم جملة على محض كفرهم لكن يعاقِبهم فقط على إفسادهم في الأرض وظلمهم الناس بمنعهم من ممارسة حقهم الفطري في اختيار دينهم.

أما ثمود قوم صالح فلم يكتفوا برفض الإيمان واختيار الكفر بل عقروا الناقة وتآمروا على قتله هو وأهله، يقول القرآن عن خطتهم لاغتيال صالح وعائلته : "قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ".[النمل:٤٩]، ومدين قوم شعيب ظلموا وأشاعوا الفساد في المجتمع فيقول القرآن عن مظاهر هذا الفساد "وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ & وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا .."[الأعراف:٨٥-٨٦] بل أرادوا إخراجه من داره وقريته بالقوة فيحكي لنا القرآن :"قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ".[الأعراف:٨٨]. وزاد الأمر بالتلميح بإمكانية قتله حيث قالوا " يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ".[هود:٩١]

 

ونأتي إلى قوم لوط فنجد انهم لم يكن هلاكهم بسبب كفرهم بالله بل بسبب إفسادهم في القرية وتخطيطهم لإخراج لوط ومن معه من قريتهم فيخبرنا القرآن عن ذلك بقوله تعالى: "قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ".[الشعراء:١٦٧] ويقول تعالى "فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ".[النمل:٥٦]، ويأتي دور فرعون وجنوده في استحقاق عذاب الله في الدنيا بعد ما قتل أبناء الذين آمنوا، واستحيا نساءهم، وصلب رجالهم في جذوع النخل، بل طالب علنا باغتيال موسى، يقول الله تعالى عن ذلك: "فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ & وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ”.[غافر:٢٥-٢٦]. ونلاحظ أن هذا هو فرعون نفسه الذي أوصى الله به موسى في بداية الأمر أن يقول له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى فَلَو لم يعتدي على موسى ومن معه أو حتى سمح لهم بالرحيل عن مصر ما استحق الهلاك الدنيوي.

خصوصية حالة عيسى عليه السلام

وتنفرد حالة عيسى بخصوصية عن غيرها فلم ينزل على قومه العذاب رغم ما تعرض له عيسى لأن محاولة قتله لم يتواطأ عليها المجتمع ولم يجمع عليها أهل المدينة بل كانت مؤامرة قام بها أفراد أشبه ما تكون بمحاولة اغتيال فاشلة فلم يستحقوا العذاب الشامل المهلك كما هو الحال مع الأمم السابقةً.

الحقيقة الغائبة

مما سبق نتبين أن الله لا يعاقب الأمم جملة على محض كفرهم لكن يعاقِبهم فقط على إفسادهم في الأرض وظلمهم الناس بمنعهم من ممارسة حقهم الفطري في اختيار دينهم. يقول الله تعالى متحدثا عن مجمل الرسل :"كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ". [غافر:٥]. هذا عقاب الدنيا على محاولتهم قتل أو إخراج الرسول، أما عقاب الكفر بالله ففي الآخرة، تقول الآية التي بعدها :"وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ".[غافر:٦]. وقال أيضا :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم:٤٧]. فالانتقام فقط من الذين أجرموا وليس ممن كفر فقط ولم يرتكب جرماً في حق الله أو في حق رسله. أما الإسلام فقد جاءت الآيات والأحاديث والسيرة النبوية لتؤكد على ما ذكرناه، وهذا ما سنفرد له مقالاً إن شاء الله.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة