كلمات السر الكفيلة بفهم الانقلابات العسكرية السورية الأولى

تبدأ الانقلابات العسكرية السورية بانقلاب حسني الزعيم وهو انقلاب أمريكي 100% حتى وإن كان بعض الذين عاشوا وذاقوا ويلاته لم يعرفوا هذا، وظلوا هم وأنصارهم يجهلون هذه الحقيقة حتى مماتهم وحتى ما بعد مماتهم، وعلى الرغم من قسوة هذا الانقلاب في سلوكه وتوجهاته وتصريحاته فإنه كان يلقى الترحيب السعودي والترحيب المصري لسبب واحد مشترك وهو كراهية الهاشميين في الأردن والعراق، وهو سبب غريب لكنه كان موجودا .

الخلاف المصري الهاشمي

أما فيما يتعلق بالنظام المصري في ذلك الوقت فقد كان هناك سببان جوهريان وإن كانا في الحقيقة تافهين جدا، وكان أحثهما أقوى في أثره بكثير من أقدمهما، فقد كان هناك خلاف جديد نشأ نتيجة ما يسمى الآن بالخطاب الإعلامي المصري عن حرب 1948 وهو خطاب تقليدي مصري قديم الأدوات والحيلة كان حريصا على إلقاء التبعة على الملك عبد الله لا لأنه اتفق مع اليهود كما تروج الأدبيات الناصرية فيما بعد، وإنما لأنه قبل بالهدنة الثانية بعدما رأى ما رأى من تطورات الحرب. وكان الملك عبد الله يمثل شماعة، والمصريون إذا فشلوا في شيء فنهم يبحثون عن الشماعات فضلا عن انهم يحبون الشماعات على الدوام حتى وإن كانت هذه الشماعة داخلية فما بالك اذا كانت فيما بدا لهم خارجية ..

 

أما الخلاف القديم الموجود من قبل هذا الخلاف الجديد فيتمثل في أنه كان هناك تربص مكتوم بين الساسة المصريين وبين نوري السعيد باشا الذي كان لأسباب متعددة يعتقد أنه أفضل من الساسة المصريين، وأكفأ وأقدر، سواء فيما يتعلق بإدارة الملف البريطاني أو إدارة الملف العربي من خلال الجامعة العربية أو في التعامل مع الميراث العثماني. وبهذا التربص والتوجس الذي غدّته مخابرات الولايات المتحدة الأمريكية عند المصريين أصبح هناك ما يشبه القطيعة السيكولوجية مع العراق، كما أصبحت هناك ضغينة لا تصل الى حد القطيعة مع الأردن بعد أن تحدث الملك عبد الله صراحة عن ضيقه من الإعلام المصري وكان يسمي هذا الإعلام بالاسم القديم الذي هو ربما أصدق تعبيراً "الدعاية المصرية"، ومن الجدير بالذكر أن صحفيين مصريين عديدين سمعوا من الملك عبد الله شكواه من دون اكتراث. وأما فيما يتعلق بالنظام السعودي فقد كان هناك ميل سوري يصل الى أكثر من ٩٠٪ على مستوى النخبة إلى التعاون والتنسيق والاتحاد مع العراق والأردن بأكثر بكثير جداً من مجرد القبول بأي دور سعودي، هذا فضلا بالطبع عن العلاقات الوثيقة التي لم تكن معروفة بالقدر الكافي عن التعاون المخابراتي السعودي الأمريكي.

كيف استقبل الساسة حسني الزعيم

وبهذا جاء حسني الزعيم مخيبا لآمال الساسة السوريين المتصلين بالعراق والأردن، بل ومعاديا لهم، حتى أنه بكل وضوح وصراحة تعامل معهم بأقسى قدر من القسوة بينما أفسح المجال لمن هم أقل صلة بتهديد المجتمعين المتصلين بالعراق والأردن وذلك من قبيل شكري القوتلي الذي كان تعريفه المهموس به أنه سعودي الهوى وذلك من قبيل شخصيات تكنوقراطية مثل محسن البرازي الذي فيما بعد أعدم مع حسني الزعيم عند قيام سامي الحناوي بانقلابه الذي هو الانقلاب الثاني والذي هو انقلاب انجليزي بشر به نوري السعيد قبل وقوعه بأسبوع وتحققت بشارة نوري السعيد على نحو ما وصفها بكل دقة، نعرف أن الأمريكيين لا يطيقون صبراً مهما تظاهروا بالصبر ولهذا فإنهم سرعان ما قاموا بانقلاب أمريكي على الانقلاب الإنجليزي، وهو ما يعرف بالانقلاب الثالث الذي هو انقلاب أديب الشيشكلي الأول، ولاحظ أننا نقول (الأول) لأن أديب الشيشكلي قام بانقلابين أولهما هو ثالث الانقلابات العسكرية وثانيهما هو الانقلاب الخامس.. والفارق بين الانقلابين كبير جداً.

كيف برر الشيشكلي انقلابيه الأول والثاني

برّر العقيد أديب الشيشكلي انقلابه الأول ببيان أذاعته إذاعة دمشق في 19 ديسمبر 1949 وقال فيه إنه ثبت أن رئيس الأركان الرئيس سامي الحناوي وعديله السيد أسعد طلس يتآمران على النظام الجمهوري وأنهما لم يستمعا لنُصحه. وقد مكّنه هذا الانقلاب الأول من أن يرأس الأركان العامة وأن يخلق سلطة مزدوجة موازية لسلطة الرئيس هاشم الأتاسي، وقد كان العقيد أديب الشيشكلي رئيسا لما سُمي مجلس العقداء ثم حل هذا المجلس وكوّن المجلس العسكري الأعلى، قبل أن يمضي عامان على انقلاب العقيد أديب الشيشكلي الأول في ديسمبر 1949 كان هو نفسه يقوم بانقلابه الثاني في 28 نوفمبر 1951 حيث اعتقل الدكتور معروف الدواليبي رئيس الوزراء وزجّ به في السجن مع معظم الوزراء، وهنا انتبه رئيس الجمهورية الرئيس هاشم الأتاسي إلى أنه هو المقصود بالإزاحة بهذا الانقلاب الجديد فتقدّم باستقالته في 24 ديسمبر 1951 ومرة أخرى لم يتقدم العقيد أديب الشيشكلي مباشرة ليحل محل الرئيس هاشم الأتاسي لكنه أحل الرئيس فوزي سلو محله. وإن كان قد أعلن نفسه متوليا رئاسة الدولة باعتباره رئيس الأركان العامة ورئيس المجلس العسكري الأعلى وذلك ليوم واحد هو 2 ديسمبر 1951، وفي اليوم التالي أسندت رياسة الجمهورية للرئيس فوزي السلو 1905- 1972 الذي ظل يشغلها حتى رأى العقيد أديب الشيشكلي أن يتولى الرياسة بنفسه فتولاها بعد استفتاء في 10 يوليو 1952 قبل ثورة مصر بأسبوعين.

نظرية رأس الذئب الطائر

لكن المهم هنا أن انقلاب الشيشكلي الثاني انتهى في 1954 في الوقت الذي كان من الممكن للانقلاب العسكري المصري الذي بدأ في 23 يوليو 1952 أن ينتهي هو الآخر لو أنه خالف التوجيهات الأمريكية على نحو ما خالفها أديب الشيشكلي فاستحق أن تتخلى أمريكا عنه وأن تعود الديموقراطية إلى سوريا في الوقت الذي فقدت فيه مصر مظهر التعددية الديموقراطية ولمدة طويلة ١٩٥٤- ١٩٧٦ وذلك عندما قام الرئيس جمال عبد الناصر بانقلاب ابريل 1954 الذي حسم الأمور تماما وانهى ما ترتب على يوليو 1952 ومارس 1954 وكرّر ما حدث في فبراير 1954 حين استولى عبد الناصر للمرة الأولى على رئاسة الوزارة والحكم وأبعد محمد نجيب وبهذا يمكن لنا حتى من قبل أن نفهم أديب الشيشكلي أن نفهم الصورة الأكمل وهي ما حدث في مصر في الانقلابات العسكرية

– أولا  في يوليو 1952 حركة برئاسة اللواء محمد نجيب ومعه جمال عبد الناصر

– ثانيا في فبراير 1954 عبد الناصر يُبعد محمد نجيب في حركة عسكرية مفاجئة

– ثالثا في مارس 1954 بناء على تحرك الجماهير السودانية والمصرية

يعود محمد نجيب ويتراجع عبد الناصر

– رابعا في أبريل 1954 عبد الناصر يُبعد محمد نجيب جزئيا مع حفظ ماء وجهه.

– خامسا في نوفمبر 1954 عبد الناصر يسجن محمد نجيب ويُبعده عن الصورة نهائيا

أما الشيشكلي فأنه بسبب اعتداله في الطغيان توقف عند الخطوة الثالثة ولم يحقق الخطوة الرابعة ولا الخطوة الخامسة.

عادت الى سوريا حتى لا تعود الى مصر

وهكذا عادت الديموقراطية لسوريا في ١٩٥٤ في الوقت الذي فقدتها مصر، وقد عادت الديموقراطية الى سوريا تخويفا لعبد الناصر وليس حبا في سوريا الاتاسي او القوتلي، إذ لم يكن الأمر مهما للولايات المتحدة الأمريكية من الوجهة السورية وإنما كان في غاية الأهمية من الوجهة المصرية حيث كان مصير الشيشكلي ماثلا أمام أعين جمال عبد الناصر يدله بوضوح على أن أيّ تراجع عن الطغيان ولو بخطوة واحدة سيقوده إلى فقدان كل شيء والهرب والهجرة والمطاردة مثل أديب الشيشكلي وهذا هو سر كل الخطوات التراجيدية التي كان عبد الناصر يمارسها باقتدار وإخلاص لنفسه، من دون أن تكون لها مبررات ظاهرة أمام أعين المراقبين الذين يحللون النصوص وحدها دون أن يحللوا إشارات المرور والتحذير.

استفادة عبد الناصر من تجربة الشيشكلي

ولعلي أكرر هنا ما كنت قد ذكرته في حديثي عن أن أداء العقيد الشيشكلي كان بمثابة المصباح المنير الذى استهدت به المرحلة الأولى (وما تلاها) من مسيرة الرئيس جمال عبد الناصر مع السلطة ، حتى إن الرئيس محمد نجيب نفسه شبه الوضع الذي أراد الرئيس عبد الناصر وزملاؤه الشبان تحجيمه فيه في فترة من الفترات بقوله إنهم يريدون أن يجعلوه مثل الرئيس فوزي سلو، وقد ظل الرئيس عبد الناصر حريصا على ألا يستلم السلطة مباشرة وألا يكون رئيسا للجمهورية إلا بعد أن يُصفّي السياسيين ويتخلص منهم بالتدريج والتوريط والإذلال، وقد فعل هذا بمهارة بالغة يندر وجودها، ومن إحقاق الحق أن نقول إن الرئيس جمال عبد الناصر تفوق على الرئيس الشيشكلي في هذه الجزئية الانقلابية ثم تفوق عليه بعد ذلك في كل شيء سلطوي مكنه من الاستمرار .



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة