خطط السلاطين العثمانيين لاستعادة الأندلس

في عام 1492 سقطت غرناطة في أيدي الإسبان، وانتهى بذلك الحكم الإسلامي للأندلس، ولقي مسلمو الأندلس مصرعهم أو شردوا في شمال إفريقيا، وأغرق سقوط الأندلس مسلمي العالم في مأتم وحداد. وكان ذلك في عهد السلطان بايزيد الثاني (1481-1512). وإذا كان هذا السلطان قد أكتفى بإرسال الأسطول العثماني لحماية المسلمين الفارين من جحيم الاضطهاد الاسباني، وإجلائهم إلى شمال إفريقيا؛ فإن السلاطين الكبار الذين جاءوا بعهده، وضعوا خططا استراتيجية لإعادة الأندلس إلى حظيرة الإسلام مجددا، ولم يتهربوا من واجبهم، إزاء نكبة إخوانهم المسلمين في الأندلس.

خطة السلطان سليم الأول (1512-1520)

كان اهتمام السلاطين العثمانيين كله موجهاً إلى أوربا، وكانوا يواصلون التوغل في أوربا الشرقية "ببأسٍ شديد وقوةٍ لا تردع"، في القرنين 14، 15، لأجل العبور منها إلى غرب أوروبا، ومنها إلى الأندلس، التي كان المسلمون بها يواجهون حرب إبادة جماعية من قبل النصارى الكاثوليك، الذين تكالبوا عليهم، بعد فتح القسطنطينية عام 1453م. وكان السلطان سليم الأول، يفكر منذ بداية حكمه في استعادة الأندلس. وكانت خطته اختصارا لتلك الخطة، فقط كانت تقضي بأن يستفتح فينسيا (البندقية)، وجنوا، ثم يجرد الجيش من هناك بحرا إلى الأندلس. وسعياً وراء هذا الهدف الطموح، أصدر هذا السلطان أوامره للقوات البحرية العثمانية، بأن تصنع مئة سفينة حربية، وأن تجهزها بأحدث المدافع والمعدات العسكرية. ولكن التحرشات والأعمال الاستفزازية التي كان الصفويون يقومون بها في أراضي الدولة العثمانية، واندلاع الثورات الشيعية في عقر دارها أدت لقيام السلطان سليم الأول بتغيير تلك الإستراتيجية، وبالتالي، تجريد الجيوش ضد الصفويين في الشرق، ثم ضد المماليك، بعد ذلك، لضم الشام ومصر والحجاز إلى دولته الصاعدة، ومن ثم الانشغال بالتصدي للبرتغاليين في البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي. وكل هذا وغيره جاء على حساب خطته لاستعادة الأندلس. وقد توفي السلطان سليم الأول سنة 1520، وهو يعد العدة لإعادة الزحف على الدولة الصفوية للقضاء عليها نهائياً، ومن ثم جمع كلمة المسلمين تحت راية واحدة وفي إطار خلافة واحدة، هي الخلافة العثمانية، وكان في الوقت نفسه، يجهز الأسطول العثماني، لطرد البرتغاليين من الهند.

خطة السلطان سليمان القانوني (1520-1566)

جاءت هذه الخطة في أعقاب ضم العثمانيين لشمال إفريقيا، وتأمينها من غارات الأساطيل الإسبانية والبرتغالية، وبعد إحباط حملات الأساطيل البرتغالية في المحيط الهندي، وبعد فتح اليمن وشرق إفريقيا، وتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة إسلامية، وبعد فتح بغداد وتبريز وتحرير العراق وأذربيجان من الصفويين، وبعد تحطيم أسطورة فرسان القديس يوحنا في رودس، وفتح هذه الجزيرة، وبالتالي، السيطرة شبه الكلية على البحر المتوسط، وبعد فتح بلجراد، ودق أبواب فيينا، ووصول الدولة العثمانية لأقصى اتساعها ولذروة قوتها، بحيث صارت أكبر وأقوى دولة في العالم على الإطلاق. فبعد كل تلك الإنجازات والفتوحات والانتصارات سمت بالسلطان سليمان القانوني نفسه إلى إعادة الأندلس كلها إلى حظيرة الإسلام. ولعله أراد بذلك أن يجعلها مسك الختام في حياته، لأنه كان حينذاك، قد تجاوز السبعين من عمره. وفي غضون ذلك، عادت إلى ذاكرة هذا السلطان خطة خير الدين بربروسا، القائد البحري المسلم الشهير، والذي توفي عام 1546، والذي اعتبر فتح تونس شرطاً لا بد منه، لإعادة افتتاح الاندلس. وذلك لأهمية موقع تونس المتوسط في حوض البحر المتوسط، وسيطرتها بالتالي، على الملاحة في هذا البحر، فضلاً عن قربها من الشواطئ الإسبانية والفرنسية والإيطالية. وكانت تونس، حينذاك تحت سيطرة الإمبراطورية الإسبانية. بيد أن هذا السلطان لم يلبث أن توفي عن عمر تجاوز الـ71 عاماً، بعد أن حكم المسلمين لأكثر من 46 عاماً، وخلفه في الحكم ابنه سليم الثاني، والذي لم يكن على مستوى أبيه من القوة، والحزم، والتفكير الإستراتيجي.

خطة السلطان سليم الثاني (1566-1574)

برغم تركيز العثمانيين في عهد هذا السلطان جهودهم للتخلص من الخطر الصفوي في المشرق، إلا أنهم ظلوا يقدمون المساعدات السرية للحركات البروتستانتية المناوئة للكاثوليكية في غرب أوروبا، ويزودون بالأسلحة الجيش الذي كان يجري الإعداد له من بقايا المسلمين في جنوب الأندلس، للثورة ضد الإسبان. بيد أن الصقور في دولته وعلى رأسهم الصدر الأعظم محمد باشا الصوقللي، ظلوا يضغطون بإصرار لتنفيذ خطة السلطان سليمان القانوني لاستعادة الأندلس، ولذلك قام هذا الصدر الأعظم في مارس 1568 بتعيين القائد البحري الشهير علج علي، والي طرابلس، واليا على الجزائر، وأمره بالاستعداد للهجوم على إسبانيا، فباشر علج علي من فوره بتكديس احتياطي المواد الغذائية والأسلحة والذخائر في منطقة مستغانم – وهران، ودوت صيحة الجهاد في أرجاء المغرب كلها، وتدفق المتطوعون للجهاد لاستعادة الأندلس من كل مكان. وخلال مدة يسيرة تم حشد قرابة 14 ألف رامٍ وفارس، و60 ألفاً من المجاهدين، وعدداً كبيراً من المدفعية، وكميات ضخمة من البارود. وفي غضون ذلك، كان الإعداد للثورة الشاملة في أوساط الموريسكيين في غرناطة وجبال البشرات، جارياً على قدم وساق، بعد أن كانت مأساتهم قد وصلت إلى ذروتها تحت نير محاكم التفتيش الكنسية، سيئة الصيت. وكان الوالي العثماني في الجزائر، علج علي، وبقية المجاهدين المتطوعين، يترقبون الشرارة الأولى لاندلاع تلك الثورة، لكي يعبروا إلى الأندلس عن طريق البحر، للقتال إلى جانب إخوانهم المسلمين هناك، وأخذ الثأر من الإسبان، وذلك بعد تأمين أماكن لإنزالهم على سواحل الأندلس الجنوبية الشرقية.

ثورة الموريسكيين في الأندلس

وفي ليلة عيد الميلاد، ديسمبر 1568، اندلعت ثورة الموريسكيين ضد الإسبان، في غرناطة واضطرمت في منطقة البشرات الجبلية، وفي بسطة والمرية ووادي آش، ووثبت جموع الموريسكيين الثوار على الحاميات العسكرية الإسبانية المتفرقة في تلك الأنحاء، ففتكوا بها، وصبوا جام غضبهم، بصفة خاصة، على رجال الكنيسة، وموظفي الحكومة، لكونهم كانوا سبب بلائهم ونكباتهم. وتوج زعماء الموريسكيين ثورتهم بإعلان استقلالهم، بزعامة أمير شاب منهم من أهل غرناطة، يدعى الدون فرناندو دي كردوبا فالور، فأطلق على نفسه اسم محمد بن أمية، لأنه كان من أعقابهم. وهكذا استعد الموريسكيون لخوض معركة الحياة والموت ضد الإمبراطورية الإسبانية. وما أن اندلعت هذه الثورة حتى سارع علج علي، والي الجزائر، أربعين مركباً محملاً بالسلاح والمتطوعين لتأييدها، وأرسل إلى ساحل ألمرية في جنوب شرقي الأندلس. لكنها لم تتمكن من الوصول، بسبب العواصف الشتوية. وفي يناير 1569 كرر علج علي المحاولة ففشلت للمرة الثانية. ولم تتمكن إلا ستة مراكب من الوصول إلى شاطئ ألمرية، وبالتالي، تفريغ ما على ظهرها من مدفعية وبارود، مع مجموعات صغيرة من المجاهدين المتطوعين. وقد بلغ مجموع من استطاع علج علي إرسالهم إلى إسبانيا إبّان تلك الثورة، قرابة 4000 مقاتل، كان فيهم بضع مئات من الإنكشارية، والذين عملوا كمدربين عسكريين لدى الموريسكيين. وبقي هذا الوالي العثماني المتحمس لاستعادة الأندلس يتابع أخبار تلك الثورة، ويترقب في الوقت نفسه وصول الأسطول العثماني، ووصول المدد من إسطنبول، لكي يباشر بنفسه قيادة الحرب في الأندلس.

التصعيد الإسباني ومصير الثورة

وفي ظل تفاقم ثورة الموريسكيين، ساد الذعر في مدريد، عاصمة إسبانيا، خوفا من وصول الأسطول العثماني، ففي أكتوبر 1569، وأثناء حوار مع رسول البابا، في بلاط فيليب الثاني (1555-1598)، أعلن المسئولون الإسبان، أنه "إذا تدخل العثمانيون مباشر في هذه الثورة، فإن إسبانيا ستعود إلى الإسلام مرة أخرى". وفي غضون ذلك، سارع هذا الملك، بإرسال القائد دون خوان النمساوي على رأس أفضل وحدات الجيش الإسباني المدججة بأقوى ترسانة أسلحة في العالم، حينذاك، وأمره أن يخمد الثورة، بأسرع ما يمكن، قبل أن يتمكن السلطان العثماني من تجميع جيوشه المنتشرة في البلقان. فقام هذا القائد الإسباني بأكبر حرب إبادة في التاريخ، فقد دك مدن المسلمين وقراهم دكاً، وجعل من الأطفال والنساء والشيوخ، دروعاً بشرية، لكي يجبر المجاهدين على الاستسلام. وبموازاة ذلك جرت محاولات سياسية خبيثة، لاختراق الثوار، ونجحوا فيها للأسف.

 

ولذلك، فقد تمكن دون خوان من سحق قوات المجاهدين الرئيسة، وتشريد من تبقى منها في الجبال. وذلك بعد المجازر الرهيبة التي ألحقها بالأهالي، ونتيجة للجوع والحصار الخانق. وأما النجدة العثمانية المرتقبة، فلم تصل أبداً. صحيح أن السلطان العثماني سحب جيشين من جيوشه الكبيرة من البلقان، لكنه لم يوجه أياً منهما للأندلس، وإنما وجه أحدهما إلى اليمن، والآخر إلى إستراخان. وترك الموريسكيون لوحدهم يقارعون الإمبراطورية الإسبانية العظمى، فكان طبيعيا أن تفشل الثورة. ولذلك أصيب علج علي والمجاهدون الأندلسيون والمغاربة بخيبة أمل كبيرة، ولم يهدأ غضبهم إلا بعد فتح العثمانيين لتونس وتحريرها من الإسبان.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة