لبنان وجهنم الحرب الأهلية المؤجلة

"لبنان ذاهب إلى جهنم." هكذا قال رئيس الجمهورية ميشال عون في معرض رده على سؤال "لوين رايحين؟" وهو السؤال الذي بات يقض مضاجع اللبنانيين، أقله منذ اندلاع حراك السابع عشر من تشرين الأول عام ٢٠١٩. ولكن، كما في كل شأن، يختلف اللبنانيون أيما اختلاف في تشخيصهم للواقع. حتى هذه "الجهنم" التي لم نكن بحاجة إلى خطاب استسلامي من رأس السلطات الدستورية في البلاد ليذكرنا بها، إذ إنها لم تفارقنا يوما، (حتى هذه) نتنازع على كيفية تحليلها.

 

فالبعض يرى أن الفراغ الحكومي سيكون جهنما (جهنم سياسية). والبعض يرى أن الأزمة المعيشية التي ستتفاقم حتما مع نفاذ احتياطي المصرف المركزي ورفع الدعم عن المواد والسلع الأساسية في الأشهر المقبلة هي جهنم (جهنم سوسيو-اقتصادية، إن جاز التعبير). والبعض الثالث الذي ما فتئ يصدع رؤوسنا بالمعادلات الجيو-استراتيجية يرى في خارطة التفاهمات الإقليمية التي ستفرزها نتائج الانتخابات الأميركية المقبلة جهنما موصوفة (جهنم كيانية). لكل جهنمه، ولكل جهنم منظرون ومنذرون.

 

ولكن المستغرب في هذه المعمعة هو استبعاد "جهنم" بمعانيها الحرفية المباشرة، أي جهنم الدماء والحديد والنار، جهنم تجدد الحرب الأهلية. هل هو نوع من الحياء مع الواقع أن يتجنب المحلل السياسي اللبناني، على سبيل المثال، الخوض في احتمالات نشوب حرب أهلية، مفضلا عوضا عن ذلك الحديث، دائما في سياق عرضي، عن "اهتزازات وتوترات أمنية وعودة للاغتيالات قد تشهدها بعض المناطق"؟ وإن كان الأمر كذلك، فلماذا ينسى أو يتناسى هؤلاء أن الحرب الأهلية اللبنانية الأخيرة (١٩٧٥-١٩٩٠) لم تبدأ فجأة. لم تكن حدثا منظورا توقعته الناس وحضرت له.

 

بل إن الصحيح، بالنظر إلى هذه الحرب من زاوية علمية اجتماعية، أنها كانت بمثابة لحظة تفجر عنيف لكثافة تراكمات بنيوية متمثلة، من بين أشياء أخرى، بهشاشة القواعد التأسيسية للكيان اللبناني وتفاقم الصراعات الهوياتية الثقافوية بين اللبنانيين وانكشاف وفشل الدولة المارونية المهيمنة واستدخال العناصر الخارجية (سوريا وإسرائيل والولايات المتحدة والثورة الفلسطينية المسلحة، ولاحقا إيران). ثم منذ متى لم تكن الحرب الأهلية الشاملة سوى دعوة مستترة موضوعية (موضوعية من حيث جوازها العقلاني، لا الأخلاقي) لاستكمال العملية السياسية بطرق أخرى؟ أليست الحوادث الأمنية المتنقلة التي شهدها لبنان مؤخرا، من بعلبك إلى صيدا فالطريق الجديدة في بيروت، مقدمة لما هو أكبر، تماما كما كانت حوادث أعوام ١٩٧٠-١٩٧٤ مقدمة طبيعية لحرب الأعوام الخمسة عشر التي دمرت وأحرقت كل شيئ؟

طعنا، إذا، في المحاذير النسقية المفروضة راهنا، إما ذاتيا أو عن طريق الإيعاز، أميل إلى الظن بأن الحرب الأهلية بنسختها الثانية، وإن طال تأجيلها، قد – "قد" للتقليل هنا – تقع يوما ما للأسباب التالية:

 

أولا، انعدام الموانع الأخلاقية الإنسانية: في لبنان زعامات طائفية غير معنية لا من قريب ولا من بعيد بتحسين شروط حياة وعطاء وصمود وارتقاء الفرد اللبناني، سياسيا ومدنيا ومعيشيا واقتصاديا. سيسهل عليها عند أقرب فرصة توظيفه في مشاريعها التسلطية والتغلبية بكل استحقار واسترخاص.

 

ثانيا، الكراهية المتبادلة والاندفاعة الحماسية عند القواعد الحزبية الشبابية: للأسف الشديد، هناك من يغذي بالطائفية والذكورية وأفكار الرجولة الفحولية البالية عقول شباب الأحزاب اللبنانية، خاصة التقليدية منها. فبالرغم من أن غالبية وازنة من هؤلاء الشباب، "الغاضبين،" هم في الحقيقة من أبناء التسعينيات اللبنانية، أي أن الحرب الأهلية فاتتهم، إلا أنهم يظهرون حماسة بدائية مرعبة لإزهاق الدم. ولكن لا عجب. لم يجد هؤلاء من يخبرهم عن الحرب؛ دولتهم متقاعصة، كتبهم المدرسية أكل عليها الدهر وشرب، جامعاتهم مقسومة بين تحزبية وتكسبية نيو-كولونيالية (لا أهداف تربوية تتوخاها) وذووهم يتمنعون عن سابق إصرار وتصميم بحجة "عدم نكأ الجراح" (لم نسمع ذلك لا من الألمان ولا من الجنوب-أفريقيين ولا من الروانديين الذين تصالحوا أو أقله كدوا للتصالح مع ماضيهم المرير. فقط في لبنان!) أما عن الفقر والعوز وفجوات التنمية واللامساواة واللاعدالة وما تحدثه هذه الظواهر من ترد في المستويات الحياتية والعلمية والمهنية والثقافية، فحدث ولا حرج.

 

ثالثا، بروز طروحات إعادة تأسيس النظام السياسي: ماتت الصيغة اللبنانية. هذا لسان حال زعامات طائفية وقيادات سياسية ومرجعيات روحية بارزة. لا أعرف كيف يعطي هؤلاء لأنفسهم حق إماتة الصيغ والمواثيق والدساتير، كأنهم أنصاف آلهة أو أنبياء. زد على ذلك أنهم جوادون، من أهل البذل التنظيري منقطع النظير. فلا يمر يوم على اللبنانيين إلا ويطلع عليهم من يبشرهم بطرح قديم-جديد ("الحياد الناشط،" "المثالثة،" "التوقيع الثالث،" "المؤتمر التأسيسي،" "الفيديرالية،" "اللامركزية الإدارية الموسعة") يعدهم بغد أفضل. بعض الطروحات حسن بلا شك، ولكن المشكلة تكمن في ضراوة التضاد العضوي بينها. كلها تباشير موت، بطريقة أو بأخرى. كلها تدعي معرفة الواقع وتسبغ على أصحابها جدارة بصيرية وشرعية "ميثاقية" للعمل على رسم ملامح المئوية الثانية للبنان. والأخطر من هذا وذاك أنها أخلاقوية. دعونا لا ننسى أن هتلر غزا أوروبا وهو يحاضر بالأخلاق العريقة للآريين، وأن ترومان الأميركي ضرب هيروشيما بقنبلة نووية كي ينهي الحرب العالمية ويؤسس لسلطة جديدة وغد أفضل!

 

رابعا، الكارثة المعيشية: ليست أزمة فحسب، بل كارثة بكل ما للكلمة من معنى. الدراسات الصادرة حديثا عن مؤسسات "الأمم المتحدة" ومراكز أبحاث محلية تبشرنا بازدياد مضطرد في أعداد العاطلين عن العمل وذوي الدخل المحدود والعائلات الأكثر فقرا. ما خلا أقلية، من أصحاب الثراء (الفاحش)، الجميع يعاني ويكابد بينما تنصرف الزعامات الطائفية، تحديدا تلك الدائرة في فلك مشاريع إقليمية توسعية، إلى محاولة استحداث قوانين جديدة لإدارة الشطرنج السياسي اللبناني. فإذا ما وقعت الواقعة وجاءت الأوامر بتحويل الدولارات السائبة في الأسواق السوداء اليوم إلى تمويل "المجهود الحربي،" من سيحمي الشباب العاطل عن العمل من إغراءات المال والتدريب على حمل السلاح والمكانة وربما الوعود بنفوذ طائفي أو سياسي أو إداري ما في لبنان ما-بعد-الحرب؟ ألم يحدث ذلك من قبل؟

 

خامسا وأخيرا، وفرة السلاح والمتربصين: أبتسم ابتسامة صفراء كلما سمعت زعيما أو نائبا أو محللا سياسيا يقول إن الحرب الأهلية مستحيلة لأن الزمن تبدل. فلا إمكانيات مادية اليوم لشراء السلاح النوعي وتجنيد وتدريب المقاتلين ووضع ومتابعة تنفيذ الخطط الميدانية، سياسيا وعسكريا! يبدو أن هؤلاء لم تصلهم أخبار سوريا وليبيا واليمن منذ عام ٢٠١١. على من يضحكون؟ يعلم القاصي والداني أن هناك ما لا يعد ولا يحصى من شركات أسلحة متطورة وشبكات ارتزاق ترعاها دول أو منظمات عابرة للحدود أو رجال أعمال متنفذون تنتظر على أحر من الجمر خراب أي بقعة من بقاع الأرض. في الحروب، خاصة الأهلية منها، تمطر السماء عتادا ورجالا. (هذا مع العلم أن الأحزاب اللبنانية التقليدية لديها من فرق الكشافة والوقود البشري الشعبي ما يكفي – انظر النقاط أعلاه.) يؤتى بهم من كل حدب وصوب كي يشاركوا، عن معرفة أو جهالة، في صناعة الموت. ثم إن المتربصين بلبنان كثر، وعلى رأس القائمة إسرائيل التي يحكمها ائتلاف واسع من اليمينيين التدخليين المتطرفين.

 

بالعودة إلى الخوف العارم من الذهاب إلى جهنم في لبنان، لن يفشل عاقل في تقدير إمكانيات الانزلاق الفعلي نحو حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، وتكون أفظع ظلما وأشد إيلاما من سابقتها، في حال تحققت هذه الأسباب مجتمعة. قد يقول قائل: ولكن أيام الحرب الأهلية كانت أكثر يسرا. ما نعيشه اليوم لم نعهده من قبل. هذا الكلام صحيح، نسبيا، ولكنه لا يجب أن يؤخذ على محمل المقارنة الجدية بين ويلات السلم، مهما كانت قاسية، وويلات الحرب التي تخلف أثرا كارثيا دون أن تغير شيئا. ولنا في حرب الأعوام الخمسة عشر التي رسخت، بدلا من أن تقتلع، جذور التحاصصية الطائفية في التربة اللبنانية خير مثال.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة