"تمكين الفقراء".. منهج وفكر.. نتائج وآثار

التمكين هو الترجمة الحرفية للكلمة Empowerment وهو مصطلح يعني زيادة القدرة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من القدرات للأفراد والمجتمعات على اتخاذ خيارات وتحويلها إلى إجراءات ونتائج، مما يساهم في تكوين الأصول وتحسين كفاءة ونزاهة السياق التنظيمي والمؤسسي الذي يحكم استخدام هذه الأصول. ووفق التعريفات التي قدمها العلماء في مجال التمكين فهي عملية محددة ومستمرة تتمركز في المجتمع المحلي، تنطوي على الاحترام المتبادل والتفكير النقدي والرعاية والمشاركة الجماعية، التي من خلالها يكون الناس الذين يفتقرون لنصيب متساو من الموارد؛ يكسبون قدرا أكبر من الوصول إلى تلك الموارد والسيطرة عليها. وبالتالي فإن التمكين هو عملية الحصول على الفرص الأساسية للمهمشين، إما مباشرة أو من خلال مساعدة الآخرين. ويشمل التمكين أيضا تشجيع وتطوير المهارات من أجل التمكين الكامل والفعال. هذه الشروحات للمفهوم وفق تعريف وفهم روبرت آدمز (Robert Adams 2008). وينظر رابابورت (Rappaport 1984) إلى التمكين على أنه العملية الآلية التي من خلالها يكتسب الناس والمنظمات والمجتمعات السيادة على حياتهم.

 

تعدد المفكرون الذين كرسوا جهودهم من أجل تمكين الفقراء والمستضعفين حول العالم، وقد تناول بعضهم العملية بشكل العام وربط بين مفهوم التمكين والنهج القائم على حقوق الإنسان (Human Rights-Based Approach) وبعضهم تناول قضايا تفصيلية او قطاعات محددة وساهم في جهود حقيقية لتمكين الفقراء. وفيما يلي بعض النماذج في مجالات التعليم والاقتصاد والإدارة.

تمكين الفقراء بالحصول على المسكن الملائم

اشتهر المعماري المصري حسن فتحي (1900 – 1989) بطرازه المعماري الفريد المستمد من العمارة الريفية النوبية المبنية بالطوب اللبن ومن البيوت والقصور بالقاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعثماني. وتعد قرية القرنة التي تقطنها 3200 أسرة من أشهر إنجازاته في تاريخ البناء الشعبي الذي أسسه وعرف على نطاق واسع بعمارة الفقراء. وانطلاقا من مقولته الشهيرة "شخص لا يستطيع بناء منزله ولكن عشرة أشخاص يستطيعون بناء عشرة منازل لهم" قام بتدريب السكان المحليين على صنع المواد الخاصة بهم وبناء المباني الخاصة بهم أيضا من خلال التشارك والمساعدة. اتسعت شهرته عام 1973 عندما حصل على لقب "Architecture for the poor" (معماري الفقراء)، وقالت جوجل أن حسن فتحي كان مهتما ببناء المجتمعات أكثر من تشييد المباني، وكان رائدا في تقديم نماذج لمباني تحترم تقاليد الأماكن وتراعي جميع مناحي الحياة.

تمكين الفقراء بالتعلم

يرى باولو فريري (1921-1997) المعلم البرازيلي وصاحب النظريات ذات التأثير الكبير في مجال التعليم أن التعليم سبيل للثورة على القهر، والوصول إلى الحرية وتمكين المقهورين من مقدراتهم، ويرتكز منهجه في تحقيق ذلك على “الحوار” الذي يتبادل فيه المعلم والمتعلم أدوارهما؛ فيتعلم كل منهما من الآخر، ويصبح موضوع الحوار الذي يدور في الغالب حول أوضاع المتعلمين المقهورين الحياتية هو المدخل إلى تعليمهم. وهذا المنهج على النقيض من المنهج الذي أسماه فريري بالتعليم البنكي ( (Banking Educationالذي ينتقده فريري لأنه يعتبر المتعلمين (الطلاب) في المدارس هم مجرد حسابات بنكية يتم إيداع المعرفة في أذهانهم من قِبل المعلمين. ويرى أن هذا النظام هو عبارة عن هبات من المعرفة يمنحها العارفون (المعلمون) إلى الجهلة (الطلاب). وضع فريري تصورا لعلاقة التعليم البنكي بين المعلم والمتعلم تتمثل في عشرة سلوكيات (خاطئة) وطبائع تحكم البيئة التعليمية يجب تغييرها ومن أهمها، الأستاذ يُعلّم والطلبة يتلقون، والأستاذ يعرف ويفكر والطلاب لا يعرفون ولا يفكرون، والأستاذ يقرر والطالب يذعن.

وفي مقابل ذلك يدعو إلى احترام ما يعرفه المتعلم، واحراتم استقلالية المتعلم، ونقل المعرفة، والاعتماد على المخاطرة والفضول، والانفتاح على التعليم ورعاية الطلاب ومراعاة مصالحهم، وذلك بالارتكاز على مبدأ الحوار في تبادل الأدوار بين المعلم والمتعلم لتفادي الخروج بقوالب مكررة من البشر تحمل نفس الطبائع وتكرس الوضع القائم ولا تسعى إلى تغييره. وهذا يتطلب أن تقوم عملية التعليم على أساس المنهج الحواري الذي يشجع فضول ورغبة المتعلم في المعرفة، والتساؤل الفضولي، والتفاعل الحقيقي بين المعلم والمتعلم، وممارسة التفكير النقدي في فهم الواقع والاستقلالية في اتخاذ القرار. هذه الأفكار جاءت نتيجة تجربة فريدة عاشها فريري كانت بداية اهتمامه بالفقراء وساعدته على تكوين رؤيته للتعليم التي شكلت هذا التأثير العالمي الكبير.

اقتصاد الفقراء والقروض المجهرية

زار البروفيسور محمد يونس (1940_ إلى الآن) أستاذ الاقتصاد السابق في جامعة شيتاجونج في بنغلاديش، ومؤسس بنك غرامين والحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2006، زار الأسر الأكثر فقرا في قرية جوربا قرب جامعته عام 1976، وخمّن أن القروض الصغيرة قادرة على إحداث فرق كبير في حياة الفقراء، حيث وجد مجموعة من النساء يصنعن أثاثا من الخيزران من خلال قروض ربوية يعود نفعها على المُقرضين وتكون عوائد النساء محدودة، ولم تكن البنوك ترغب في توفير قروض صغيرة بفوائد معقولة للفقراء خوفا من المخاطرة المرتفعة حسب تقديرهم في التعامل مع الفقراء الذين لا يمتلكون الأصول ولا الضمانات.

 

بذل محمد يونس جهودا مضنية في إقناع البنوك بفكرة إقراض الفقراء قروضا صغيرة، ولكن هذه المقترحات قوبلت بالسخرية ورفض وضع أي نظام لإقراض الفقراء لارتفاع المخاطرة وبزعم أن الفقراء ليسوا أهلا للإقراض. ولكن محمد يونس بقي مصرا على فكرته وعلى جدارة الفقراء بالاقتراض والعمل والسداد، حتى استطاع إنشاء بنك جرامين في عام 1979 في بنغلاديش، واستطاع توفير نموذج فاعل لإقراض الفقراء قروضا متناهية الصغر مكنتهم من إدارة اعمال صغيرة وفرت لهم دخلا مقبولا. وعمل على توفير الضمانات من خلال مبدأ "مجموعات التضامن" التي يضمن الفقراء من خلالها بعضهم بعضا. إصرار يونس هذا نابع من سلوك والدته "صفية خاتون" التي لم ترد سائلاً فقيرًا وقف ببابها، وتعلّم منها أن الإنسان لا بد أن تكون له رسالة في الحياة. حصل محمد يونس على جائزة نوبل للسلام سنة 2006، مناصفةً مع بنك غرامين، لما بذلوه من جهود لخلق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وحصل أيضا على أكثر من 50 شهادة دكتوراه فخرية والعديد من الجوائز الأخرى.

مآخذ واعتبارات على بعض المناهج

تذكر هذه النماذج التي ساهمت في تمكن الفقراء في مجالات التعليم والمسكن والاقتصاد كنماذج قدمت أفكارا ونماذج عملية وأظهرت نتائج وآثارا واقعية وملموسة، بغض النظر عن تقييمها من وجهات نظر ارتباطها الفكري أو العقائدي، فمبدأ الإقراض الربوي مرفوض حسب الشريعة الإسلامية مثلا، بالرغم من توفر أدوات التمويل الإسلامي التي توفير بديلا مناسبا، مما يعني أن هذه الأفكار تحمل الكثير من الإيجابيات لو تم العمل عليها وفق التعاليم المقبولة للمجتمعات والأفراد، وليس من الضروري تطبيقها كما جاءت حرفيا.

تمكين الفقراء في الشريعة والتاريخ الإسلامي

يزخر التاريخ الإسلامي في كل عصوره بالنماذج التي أثرت الفكر وطبقت نماذج عملية في تمكين الفقراء وسد حاجاتهم. فقد شرع الإسلام الزكاة ووضح مصارفها الثمانية وحث على إطعام المسكين ومفهوم الثروة في الإسلام وتشريع الزكاة والصدقات يقوم على أساس وفرة الموارد وليس ندرتها. وجاهد أبو بكر في تثبيت الزكاة في حروب المرتدين ومانعي الزكاة، وأرسى دعائمها عدل عمر بن الخطاب، وطبقها عمر بن عبد العزيز بصورة فريدة حتى فاضت الأموال ولم تجد من يأخذها. وكان الصحابي عبد الرحمن بن عوف قدوة في ريادة الأعمال وتمكين الفقراء حيث قيل عنه (كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا).

عصر التمكين

ويرى مارشال مكلوهان أن تطوير وسائل الإعلام الإلكترونية وتنامي الإعلام الاجتماعي والإعلام الجديد، يساعد في تمكين الفئات الأقل حظا بشكل كبير، فهو يرى أن "أشكال الوعي الإلكترونية" الجديدة المعززة بتكنولوجيا المعلومات من شأنها تمكين المواطنين على اختلاف فئاتهم ووظائفهم من خلال نشر كميات هائلة من المعلومات بدلا من الاحتفاظ بها في يد عدد محدود من الأفراد. إنه "عصر التمكين "الذي يطالب فيه الناس بحقوقهم ويصلون إلى غاياتهم بسهولة أكثر من أي وقت مضى.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة