التَطبيع وتشكيل "الشرق الأوسط الجديد"

منذ طرح مفهوم "الشرق الأوسط" وبدء تداوله السياسي والفكري بكثرة في خمسينيات القرن العشرين، بدأت المخططات الإسرائيلية ترسم ملامح ومعالم هذا الشرق وفق خطط وضعت بشكلٍ محكمٍ وتبنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وسعت إلى تطبيقها على أرض الواقع من خلال رعايتها لاتفاقيات عديدة بين العرب والإسرائيليين جاءت تحت مسمّيات "اتفاقيات سلام" كان الهدف منها هو فرض هوية جديدة على أبناء الأمة العربية تتلاشى فيها أو تضيع المرجعية العربية لصالح وعاء فضفاض تمت تسميته بـ "الشرق أوسط الكبير" أحياناً وبـ "الشرق الأوسط الجديد" أحياناً أخرى.

 

فمنذ توقيع اتفاق كامب ديفيد بين "إسرائيل" ومصر عام 1979، مروراً بتفاهمات أوسلو بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل عام 1993، إلى توقيع اتفاق وادي عربة بين الأردن و"إسرائيل" عام 1994، كانت ديباجة "الشرق الأوسط " (الجديد أو الكبير) حاضرة في كل هذه الاتفاقيات. ومع توقيع "اتفاقيات التطبيع" بين الإمارات والبحرين من جهة و"إسرائيل" من جهة أخرى في 15 سبتمبر/ أيلول 2020، ردّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصهره جاريد كوشنر الذي يشغل منصب كبير مستشاريه عبارة "الشرق الأوسط الجديد" في وصفهما للمشهد الذي سيتشكّل إثر توقيع هذه الاتفاقيات، ليكون التساؤل هنا، ما هي ملامح هذا "الشرق الأوسط الجديد" الذي يبشر دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر ببزوغ فجره؟

 

في الحقيقة كلام ترامب عن بزوغ فجر "شرق أوسط جديد" لا يمكن فهمه إلا على أنه تمهيد حوادث سابقة لحوادث قادمة واتفاقيات جديدة تشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية مصممة على إعادة تشكيل الخريطة الجغرافية لدول "الشرق الأوسط" (الجديد) بشكل يقيم قواعد جديدة، ويعيد تشكيل المنطقة بالشكل الذي ينسجم مع الأهداف الأميركية والإسرائيلية ويكون بديلاً عن الخريطة التي وضعتها القوى الكبرى (بريطانيا وفرنسا) في مطلع القرن العشرين.

نحن اليوم أمام تحولات وتغيرات تشهدها المنطقة تحت إصرار إسرائيلي وضغط أمريكي يسعى لحل الصراع في المنطقة ضمن تصوّر مختلف عما كانت تمارسه الإدارات الأمريكية السابقة،

ويمكن تلمس هذه الحوادث القادمة والاتفاقيات الجديدة من خلال مجموعة من الأحداث السابقة التي تتالت خلال السنوات القليلة الماضية بدءاً بمحاولات ترويض إيران وفرض العقوبات عليها وكذلك الانسحاب من الاتفاق النووي الذي وقعته الولايات المتحدة في ظل إدارة باراك أوباما، ومن ثم محاولة تقسيم العديد من الدول العربية تحت مسمى "الفدرلة" من خلال خلق الفوضى والاقتتال الداخلي الطائفي والمذهبي، إلى محاولة تصفية القضية الفلسطينية وإنهائها وفق رؤية ترامب للسلام التي جاءت تحت مسمّى "صفقة القرن" والتي أُعلِنَ عنها في مطلع هذا العام ، لتأتي الخطوة الإماراتية والبحرينية بتوقيع اتفاقيات التطبيع مع "إسرائيل" لتبدو أكثر انسجاماً مع هذه الصفقة، وتعمل على تكريسها من خلال فرضها لتنازلات جوهرية في قضايا الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي المركزية ، كالعاصمة القدس، وعودة اللاجئين، والحدود، والمستوطنات والسيادة.

 

وبالتالي يبدو أن فكرة بناء "شرق أوسط جديد" والتي تابعناها وقرأنا عنها في كل الأدبيات التي ترافقت مع انطلاق عملية السلام في تسعينيات القرن الماضي إلى وقتنا الراهن، بدأت تتحول إلى واقع على الأرض، وتأتي أُكلها مع بدء دومينو التطبيع العربي مع "إسرائيل" الذي بدأ بدولتين ومن المتوقع أن يطال العديد من الدول العربية الأخرى حسب تصريحات ترامب.

 

فنحن اليوم أمام تحولات وتغيرات تشهدها المنطقة تحت إصرار إسرائيلي وضغط أمريكي يسعى لحل الصراع في المنطقة ضمن تصوّر مختلف عما كانت تمارسه الإدارات الأمريكية السابقة، فالمتتبع لتطورات منطقة "الشرق الأوسط"، خلال السنوات القليلة الماضية، يدرك تماماً بأن إدارة ترامب قد بدأت فعلاً برسم ملامح هذا الشرق وفق خطة واضحة تقوم على قلب النظام العربي وتقويض أركانه ليتجاوز النظام الجغرافي ومرحلة القوميات والأيديولوجيات إلى مرحلة جديدة تسود فيها التكتلات والتجمعات الاقتصادية والمالية، التي تكون فيها "إسرائيل" القوة المهيمنة فيها نظراً لتفوقها التكنولوجي والاقتصادي، وبالتالي تتحقق الغاية الأساسية من الطرح وهو تحويل الوطن العربي الجامع بكل مكوناته الثقافية والسياسية والحضارية إلى واقع جغرافي مختلف غايته إضفاء الشرعية على "إسرائيل" في إطار هذا الإقليم الكبير.

 

فاتفاقيات التطبيع التي تم توقيعها بين الإمارات والبحرين من جهة و"إسرائيل" من جهة أخرى تمثّل تحولاً جيوسياسياً عميقاً في منطقة "الشرق الأوسط" بحسب مقاربة إدارة الرئيس ترامب، والتي تقوم على إعادة تشكيل وعي المنطقة وثقافتها بما يسمح بدمج "إسرائيل" فيها وتقبّل دورها في المنطقة، دون أي تغيير في سلوكها وسياساتها تجاه الفلسطينيين، وهو ما كان قد أشار إليه شمعون بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" والذي أكّد فيه ضرورة إقامة علاقات، يكون عمادها العلاقات الاقتصادية، مع بعض الدول العربية لتحقيق "السلام المزعوم" وقبول "إسرائيل" في المنطقة كما هي دون تغيير، وبالتالي تكون "إسرائيل" حسب ما أشار إليه بوعز بيسموط رئيس تحرير صحيفة "يسرائيل هيوم" قبل أيام قد حصلت على "الشرق الأوسط الجديد" الذي أرادته لكن ليس في سبتمبر 1993، وإنما في سبتمبر 2020.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة