"عربي – عبري".. ما لا عين رأت بعد!

لعلّي مثل كثيرين، ممن اعترتهم دهشة آنية وهم يشاهدون الإصدارات (الفنية) الإماراتية الإسرائيلية المنفردة أو المشتركة، عشية الإعلان عن توقيع الاتفاق أو التحالف، أو سمّه ما شئت، ذلك أن إفرازات تلك العلاقة المبهمة بين الجانبين تقول أشياء كثيرة تتجاوز المسمّيات، وما أغنية (عربي – عبري) إلا إحدى إفرازاتها الموسيقية الأكثر قبحا!، ما يجري بين يدي هذا الاتفاق يدفعنا تلقائياً لإنشاء مقارنة في أذهاننا بينه وبين الاتفاقات السابقة، وخصوصاً التي وُقعت بين كيان الاحتلال وكلّ من مصر والأردن، قبل أن تأتي المبادرة العربية (وهي مبادرة استسلامية أيضا) لتحظر عقد أي اتفاق تطبيعي جديد قبل حلّ القضية الفلسطينية على أساس حلّ الدولتين.

 

ولسنا ندري اليوم أَهُو من بركات أم لعنات الاتفاقات الأخيرة الموقعة مع كيان الاحتلال أننا صرنا نرى ما وُقّع منها سابقا أهونَ شرّاً وأخفّ وطئا، فقد كانت الاتفاقات الغابرة مشفوعة بالخجل – إلى حدّ ما – ولذلك كانت تستدعي من منابر إعلام تلك الأنظمة استغراقاً في التبرير، واسترضاءً لأصحاب الحق – أي الشعب الفلسطيني والأمة – وسوق كثير من الحجج بين يدي فعلتهم المنكرة.

 

ليس معنى ذلك أنها كانت اتفاقات مشرّفة، فكلها عنوانها الخضوع، وبلا حصاد سياسي، بل إنها شرّعت نوافذ الأمة على الاختراق الصهيوني لمجالاتها المختلفة، غير أن الخطاب الرسميّ لتلك الأنظمة ومعه قنوات إعلامها ظلّ يجتهد في إظهار الانحياز لمظلومية الفلسطينيين، ويسارع عند وقوع عدوان صهيوني إلى إدانته، صحيح أنها كانت إدانات كلامية لا تقدّم ولا تؤخر، لكن الخطاب العام لم يتورط في الإسفاف الذي تورطت فيه الأنظمة الخليجية المطبّعة مؤخراً بتبرئة الصهاينة وتجميل قبائحهم، وإنكار الحق الفلسطيني، واتهام المقاومة الفلسطينية بالمبادرة إلى استفزاز المحتلين!

 ما من بلد أو نظام يشكّل فيئاً موثوقاً من الهجير لأصحاب المظلوميات، وحين يفتّش المرء عن مَفْزَع للمواساة، لا يجد غير تلك الثلة التي ما فتئت قابضة على جمر زنادها، تغالب حصارها، وتشاغل عدوّها

تتصرف هذه الأنظمة خلال جريها المحموم في مضمار التطبيع كمن يحاول تعويض كل ما فاته من وقت وهو بمنأى عن (بركات) مسالمة الصهاينة، فإذا بلوثة التطبيع تطبع كل شيء، وتخلّف بصماتها في الخطاب والممارسة، وفي تبديل أماكن العداء وكنه الأعداء، أي تبدو كأنها ملزمة باتخاذ عدو بديل لها عن العدو التاريخي للأمة، وهذا العدو الجديد هو الفلسطيني، فيما يبدو أنها محاولة للارتياح من عناء التبرير، أو وضع حدّ حاسم لكل سياسات المرحلة السابقة التي كان يرشح منها دعمٌ شحيح للفلسطينيين، متبوعاً بالمنّ والأذى!

 

وهكذا حلّ العدو الفلسطيني مكان العدو الصهيوني، لتلك الأنظمة، وهو ما ألجَأ كثيراً من المتابعين للتحسر على أيام (التطبيع الجميل) إن صحّ التعبير، والوصف هنا للتهكم، وليس لإقراره في معناه، ذلك أن ثمة فروقاً واضحة (في السلوك المعلن على الأقل) بين مطبّعي الأمس ومطبّعي اليوم من عرّابي محور الاستسلام العربي الجديد، مثل هذه المقارنة التي يضطر لها المرء تُذكّر بالمقارنات بين المستبدين، فكلّهم بادي الظلم، بيّن الإجرام، لكنّ هنالك منهم مَن يُبقي منفساً ضئيلاً وهزيلاً لشعبه كي يتكلم معارضا، وهناك من يعاجل كل مظهر اعتراض أو رفض بالقتل والاعتقال والنفي.

 

أما النموذج المثالي أو المقترب من المثالية في أدنى درجاتها فما زال غائباً على جميع الصعد، ولعلّ هذا من أشقّ ما رُزئت به أمتنا العربية، فما من بلد أو نظام يشكّل فيئاً موثوقاً من الهجير لأصحاب المظلوميات، وحين يفتّش المرء عن مَفْزَع للمواساة، لا يجد غير تلك الثلة التي ما فتئت قابضة على جمر زنادها، تغالب حصارها، وتشاغل عدوّها، وتسابق الزمن في نهوضها، على أمل أن تغدو ذات يوم ندّاً لعدوّها الغاصب، وقد عزّ النصير وغاب الظهير.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة