لماذا تعد "المحادثة" أصعب المهارات في تعلم العربية للناطقين بغيرها؟

من عيوب السّلاسل التّعليميّة

إنّ الأسلوبَ المُتَّبعَ عادةً في تعليم اللُّغةِ العربية هو الانتقال بالطالب بِسَلاسِلَ تَعليميّة خاصّة من مستوى إلى مستوى يَعْلُوه، بحيث يتعلَّم في المستوى الأول الحروفَ ويُتْقِنُها ويَتَعرَّف إلى كلمات مُفْرَدَة، ورويدًا رويدًا ينتقلُ إلى مستوى آخر بحيث يُصبحُ قادرًا على التَّعرُّف إلى العربيّة ومهاراتِها من حيث الاستماع والمحادثة والقراءة، ثم الكتابة والإنشاء. وغالبًا ما يَطْغَى الاهتمامُ بمهارات أُخْرى من اللُّغة على مهارة المحادثة، لا سيّما الاهتمام بإتقان قواعدِ اللُّغةِ والجانبِ الصَّرْفيّ.حتَّى إنَّ بعضَ السَّلاسلِ التعليميّة الخاصّة باللّغة العربيّة تجعل مُعظمَ المهارات في قالب شَكليّ واحد، مِمَّا يجعلها في نهاية المَطافِ تَصُبُّ في مصلحة مهارة واحدة على حساب غيرها.

 

وغالبًا ما تختلط الأمور بين المحادثة والقراءة، لاسيَّما حين يبدأ الأمر بترجمة المفردات وشرح الترّاكيب وقراءة حوار ثمّ الإجابة عن أسئلة تؤكِّدُ فَهْمَ الطّالب للحوار. وقد تَعْرُجُ التدريباتُ على حَثِّ الطالب على استعمال بعض القوالب اللّغوية، لكن هذا الاستعمال يغدو أَبْترَ من دون حوارٍ افْتِعالِيّ كامل، فالقدرة على التوظيف وخَلْقِ نَسيجٍ لُغوي لها هي التي تجعل هذه القوالب مُفعّلة في الحديث، وتُجرّئ المُتعلِّمَ على توظيفها واستعمالها، لاسيَّما أنَّ الصُّورة الحيَّة للُّغة هي الصوت. وهذا ما يؤكده تعريفُ ابن جِنّي للُّغة حين قال: هي "أصواتٌ يُعبِّرُ بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم"، فاللُّغة ظاهرةٌ إنسانيةٌ مُخْرَجُها الصَّوت.  إنَّ أهمِّية المحادثة تَكْمُنُ في أنَّها هي التي تُبَلْوِرُ المهاراتِ الأخرى وتُفْصِحُ عن جَدْوى ما قدّمَتْه للمُتعلِّم.

وأَجودُ شكلٍ للسَّلاسِل التَّعليميّة

هو أن تكون الوحدة التَّعليميّة في السَّلاسل المُعتَمَدَةِ كُلًّا واحدًا مُتماسِكًا، يجذبُ أطرافُه بعضَها ويَعْضُدُها، لا أن تهدف إلى خدمة مهارة واحدة على حساب غيرها. فبعضُ السَّلاسلِ تَهْتَمُّ بجانب النَّحْوِ والصَّرفِ، وتدريبِ الطَّالبِ على إتقانِ استعمالِ القواعدِ وفَهْمِها حين يُصادِفُها، وبعضُها تجعل جميع المهارات ترجع إلى تدعيم مهارة القراءة والفهم. والواجِبُ هو أن تكون المهاراتُ مُتداخِلةً مُنْسَجِمةً وإنْ تَفَرَّقتْ في صفحات، كَأَنْ تَنْضَوِي تحتَ موضوعٍ واحدٍ يُهِمُّ الطالبَ ويُعبِّرُ عن مُحِيطِه ورغباته.

الفرق بين الكِفايةِ اللُّغوية والأداء الكَلامِيّ

وبالحديث عن مهارة المحادثة لا بُدَّ قبلَ التَّطَرُّقِ إلى ما يُواجِهُ تعليمَ هذه المهارة من عَوائِق ومُشكلات، واقْتِراحِ حُلولٍ لها؛ من التَّمييز بين الكِفايةِ اللغوية والأداء الكَلامِيّ. هذا التَّفريقُ هو حَجَرُ الزَّاوِيةِ في نَظَرِيّة نعوم تشومسكي في اكتساب اللّغة المعتمدة على المذهب الفطري، فالكفاية اللغوية هي المعرفة الضِّمْنِيّة بقواعد اللُّغة، أَمَّا الأداءُ اللُّغَوِيّ فهو استعمالُ اللُّغةِ وتَفْعيلُها في مَواقِفِ الحياة.  بِمَعْنى أَنَّهُ يَجِبُ التَّفريقُ هنا بين الكَفاءةِ اللُّغويةِ المُتعلِّقَةِ بقواعد اللُّغةِ وصِحَّتِها، والكفاءَة التَّواصُلِيّة؛ وهي قُدْرَةُ المُتعلِّمِ على الفَهمِ بعد الاستماع والرَّدِّ بالمحادثة والتَّفاعُلِ مع المُقابِل. وهذا يعني بالضَّرورَةِ وُجودَ المُكافِئ اللُّغويِّ المُتَمَثِّلِ بمُحاوِرٍ ومُتَحدِّثٍ يُعينُ المُتَعَلِّمَ على توظيفِ ما تَعلَّمَهُ واستعمالِه وتَفعِيلِه، بحيث لا تَبقى المعلوماتُ في حالة السُّبات وهي حالة يحتاج الانطلاق منها إلى مراحل زمنية تجعل قوة البَدِيهةَ والحافِظة تَرُدّانِ من دون الرُّجوعِ إلى مَصْفوفةِ اللُّغة النَّحْويّة والصَّرْفيّة، اتِّكاءً على المُمارسَةِ والخِبْرةِ المُتَحَصّلةِ منها.

أعسرُ مهارةٍ في تعلُّم العربيّة لِغَيرِ النّاطِقِينَ بها

بعد الخِبرةِ والاطِّلاعِ نجدُ أنّ المحادثةَ هي أَعْسَرُ مهارة على الطالبِ الأجنبيّ حين يَتَعَلَّمُ اللغةَ العربية، وغالبًا ما يعود سبب ذلك إلى أنَّ في طريقة تدريسها ثغرةً لمّا تُسَدّ كما ينبغي، مما يجعل نتائجها غير مكتملة. والأمر مرتبط بالطالب ومهاراته الشخصية وثقافته والبيئة التعليمية التي نشأ فيها أيضًا. ومن أسباب قصور الطلاب عن امتلاكها أنها لا تَتَطَرَّقُ غالبًا في السَّلاسل التّعليميّة المدروسة إلى واقع الحياة وأساليب التَّواصل اللَّازِمة، بل تجعل ميدانها غالبًا مواضيع لا تهمُّ الطّالب ولا تُفيدُه في الحياة العمليّة، أو تكون المواضيع تاريخيّة بعيدة عن احتياج الطّالب للّغة الجديدة في الحياة.

 

وإنّ من أكبر المُشكلاتِ التي تُواجِه الطّلابَ –أَحيانًا- في تَعَلُّمِ مهارة المحادثة عدمُ كفاءة المدرّسين في مجال التّدريب على المحادثة. فهذه المهارة تتطلَّب صبرًا كبيرًا من الأستاذ، وأسلوبًا يُقَرِّبُ المسافات بين المُعلِّمِ والطالب، حتى يغدو التدريب أشبه بعلاقة صداقة تربط بين المتعلِّمين وأستاذهم، أَضِفْ إلى ما سبق أنَّ مهارة المحادثة تحتاج إلى جهود مُضاعفة خارج الوقت الصَّفِّي، فإنْ لم تتحوَّل اللّغة الجديدة المُتعلَّمةُ إلى أسلوب في التّفكير والتّعبير بين الطّالب ونفسه في نَجْواه الدّاخليّة، وإن لم يحاول في بعض الأحيان التّفكيرَ بها في المواقف التي تعترضه، ومُمارسَتَها مع محيطه فستبقى قُدرتُه قاصرة، ولن يُتقِنَها بِطَلاقة، ومَحظوظٌ ذاك الطّالب الذي يستطيع مُمارسةَ اللّغة مع أهلها الأَصْلِيِّين.

ما الحَلُّ؟

ومن الحُلولِ المُقْتَرَحَةِ أن تكون دروسُ المحادثةِ في مواضيعها مُنْصَبّةً على المحيط والاهتمامات التي تَضُمُّ معظم فئاتِ المُتعلِّمينَ تحتها؛ وهي التَّعبيرُ عن النَّفْسِ وعن المحيط والرغبات والأفكار والمشاعر والسّؤال في حالات متعددة، وفي اختيار الموضوعات لا بد من مُراعاةِ الثَّقافةِ والبيئة والمَنْشأ والاهتمامات والمَشاربِ المختلفة للطّلاب، وفي أثناء إجراء التّدريبات اللّغوية لا بد من الانتباه إلى العوامل النّفسيّة واختلاف الشّخصيات بين الطّلاب واختلاف قدراتهم وسرعة البديهة لديهم، ولا بد من تحريض كلِّ طالب بِحَسَبِ طَبعِه ومُيولِهِ، لذا ينبغي أن يُحيط المعلم بأساليب التَّحْفيزِ المُعتمِدة على آليات علم النّفسِ الشّخصي.

كيف نُطوِّر مهارة المحادثة؟

نُطوِّرها بالأنشطة والألعاب اللُّغوية مع مُراعاة سَويّاتِ الطُّلَّابِ، ولابُدَّ من لَفْتِ الانتباه إلى أنَّ عمليّات تعليم اللُّغات الجديدة تختلف عن عمليات تعليم العلوم الأخرى، وتحتاج إلى أساليب خاصّة، وخير وسيلة تُكتَسَب اللُّغة بها هي الاكتساب اللا واعي؛ بمعنى أن يتعلّمها المرءُ وهو مُستمتع وغارق بغيرها في حُضُورِها، وهذا بكلماتٍ أُخْرى ما يُطْلَقُ عليه اسمُ التعلُّم باللَّعب من غير دِراية، بحيث تُكتَسبُ اللُّغةُ بتلقائيّة، ومن أهمِّ فوائد التّعلّم باللّعب أنه يُنمّي الذّاكرة ويُوسّع أُفُقَ التّفكير والخيال، ويُحَفّزُ العقل على الفهم والإدراك، ناهيك من تعزيز الثّقة بالنّفس، ودَفْعِ المتعلِّمين للمحاولة والاعتماد على الذَّات وتفعيل الطَّاقات التي يحتاجون إليها.

 

ولا يَخْفَى على أحد ما في أسلوب اللَّعب من مهارات تدعم العمل الجماعي وتُشجِّعُ عليه وتُنظّمه وتترك أَثَرَها في شخصيّة الأفراد المُشارِكين، وتُعزِّزُ انتماءَهم للجماعة واحترامَهم للقواعد والقوانين، كما أنّ أسلوب التّعلّم باللّعب يُخفِّفُ من حِدّة الشّعور بِثِقَلِ المعلومات الجديدة والحاجة إلى تكرارها وحفظها وتخزينها وتوظيفها واستعمالها، فَيَنْجَلِي بذلك التَّوَتُّر والخوف في أثناء عمليّة التّعليم. ويفتح المجال للخجولين أو الانطوائِيِّين، إذ يشعرون بالانتماء إلى الفريق والرّغبة بالمشاركة والتّعبير، أمّا الطّلّاب الذين يتمتّعون أساسًا بالثّقة بالنّفس فإنّ هذا الأسلوب يمنحهم فرصةً لِصَقْلِ مهاراتهم وتطويرها واكتساب طَلاقة لغوية تُشعِرهم بالرّضى عن أنفسهم وما يبذلونَه من جهودٍ تعود عليهم بنتائجَ ملحوظةٍ.

 

إنّ الطّالبَ الذي يحفظُ القواعد ويُتْقِنُ الإعرابَ لكنّه يعجزُ عن التَّعبيرِ عن مُرادِه بِلِسانِه لا يُعَدُّ أنَّه امتلك اللّغةَ، ولو امتلك ناصيةَ آلاتِها من علوم النّحو والصّرف والبلاغة. ومَنْ يَنطلِقُ لِسانُه بالعربيّة حديثًا وتعبيرًا ومحاورةً هو مَنْ يَصُحّ أن نَصِفَه بأنّه أتقن العربيّة، وكما رُوِيَ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّما العربيّة اللّسان".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة