التدخلات الغربية في احتجاجات بيلاروسيا تعمّق الخلاف مع موسكو

تتهم روسيا كل من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بالتحريض على "إشعال الثورة" في بيلاروسيا من أجل الإطاحة بالرئيس ألكسندر لوكاشينكو الذي يحكم البلاد منذ أكثر من ربع قرن. في المقابل ترى واشنطن أنّ التظاهرات التي تضجّ بها شوارع مينسك "ملهمة" وتدعو روسيا إلى احترام سيادة بيلاروسيا، وإلى وقف التعامل بقسوة مع المتظاهرين المعترضين على إعادة انتخاب لوكاشينكو.

 

هذا في الظاهر، لكن في الباطن يبدو أنّ الأمور ليست كذلك، خصوصاً مع ظهور مؤشرات لتدخلات إعلامية غربية، وضخّ إعلامي غربي يحرّض على تأجيج الاحتجاجات في الشارع. الاحتجاجات تهزّ بيلاروسيا منذ نحو شهرين، أي منذ أن رفضت مجموعات غير قليلة من الشعب البيلاروسي تصديق نتائج الانتخابات، التي قالت السلطات إن لوكاشينكو حصل فيها على أكثر من 80 في المائة من الأصوات.

 

المعلومات الروسية تكشف أنّ بولندا كانت من أوائل الدول الأوروبية التي دعت الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على السلطات البيلاروسية بسبب ما أسمته "انتخابات غير نزيهة" وكذلك "قمع الاحتجاجات" السلمية "بوحشية". وبالفعل، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيفرض عقوبات اقتصادية على 31 شخصاً من كبار المسؤولين في بيلاروسيا، بينهم وزير الداخلية ومسؤولون عن أعمال العنف والقمع وكذلك عن الانتخابات بسبب تشكيك الغرب في نزاهتها. كما تُوجَّه تُهماً إلى "حركة تضامن" بأنّها هي العقبة الرئيسية التي تمنع الشعب البيلاروسي من "التكيّف مع بناء الديمقراطية". آخر المتحدثين ضمن هذا السياق، كان عضو في البرلمان الأوروبي من بولندا، ويُدعى ياسيك ساريوس – فولسكي، دعا على الهواء عبر أثير الإذاعة البولندية إلى معاقبة روسيا على ما يحدث في بيلاروسيا.

ووراء هذه الإجراءات والتصريحات، يمكن للمرء أن يرى رغبة بولندا في طمس مشاركتها في اهتزاز الوضع في البلد المجاور، فضلاً عن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام المتركزة في بولندا في تنسيق الاحتجاجات في بيلاروسيا وهذا يُلخّص إلى حدّ بعيد نظرة بعض الأوروبيين إلى المشكلة في بيلاروسيا. وبرغم ذلك يقول الاتحاد الأوروبي إنه يدعم الحوار بين لوكاشينكو والمعارضة؛ وربما يفعل ذلك خشية من منح روسيا أي ذريعة لاتهامه بالتدخل في شؤون بيلاروسيا الداخلية. ولهذا يتحدث المسؤولون في الإتحاد بلهجة دبلوماسية من دون دعوة لوكاشينكو إلى الاستقالة حرصاً على عدم إثارة غضب موسكو، ومن بين هؤلاء المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، التي رفضت أيّ تدخل خارجي.

 

ومن بين الوسائل التي تحضّ على ذلك، قناة على تطبيق "تليغرام" اسمهاNexta Live  وتضمّ ما يزيد على 2 مليون متابع. هذه القناة تعمل كوسيط لتوجيه الاحتجاجات في بيلاروسيا ونقل أخبارها. وإلى جانب هذه القناة، هناك 3 أقنية أخرى على "تليغرام" أيضاً هي Nexta وفيها قرابة 900 ألف متابع، وتبث محتوى مماثلًا وتتبادل المنشورات مع الاولى، وهناك قناة Luxta المتخصصة في الهجاء السياسيين البيلاروسي وفيها قرابة 200 ألف مشارك، وكلها تُتّهم بـ"ارتباطها الوثيق بوسائل إعلام أميركية ومدعومة منها" بحسب مصادر روسية واسعة الاطلاع. وتكشف المعلومات أنّ مديري هذه القنوات هم من بيلاروسيا، لكنهم يعيشون في بولندا ويعملون في وسائل إعلام البولندية، وينتسبون إلى مؤسسة "إذاعة أوروبا الحرة" Radio Liberty/Radio Free Europeالتي أسستها الولايات المتحدة الاميركية، وهي تعود إلى الإدارة الاميركية مباشرة.

 

هذه الوسائط وغيرها الكثير تتهمها جهات رسمية في روسية بالوقوف خلف تأجيج الشارع والتحريض على الثورة من أجل تغيير الوضع السياسي على الأرض، حيث تركز هذه القنوات جهودها الرئيسية على جنوح الاحتجاجات صوب التطرف وإثارة الاشتباكات مع قوات الأمن، الأمر الذي يمكن أن يؤسس لوضع شروط مسبقة من أجل الموافقة على الخروج من الشوارع بعد ظهور الفوضى وفوات الأوان، على طريقة "الربيع العربي" في بعض الدول العربية، لكن وسط هذا كله، سؤال يطرح نفسه: لماذا تهتم الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ببيلاروسيا إلى هذا الحد؟

من خلال نظرة سريعة إلى الخارطة الأوروبية، تكتشف أن بيلاروسيا تقع على تماس من جهة الغرب مع دول في "حلف الناتو" وهي بولندا وليتوانيا ولاتفيا. أما من جهة الجنوب، فلبيلاروسيا حدود مع أوكرانيا، ومن ناحية الشرق تحدّها روسيا، وهي بدورها تنتمي إلى "منظمة اتفاقية الأمن المشترك" وتقودها روسيا التي تريد بقاء بيلاروسيا دولة مؤيدة لها بقوة، حتى لو جاء رئيس آخر بخلاف لوكاشينكو. لكن الأمر المهمّ أنّ تبقى وجهة أي نظام آخر صوب موسكو وليس نحو الغرب أو نحو الاتحاد الأوروبي أو "حلف الناتو".

 

الخارطة النفطية تخبرنا شأناً إضافياً آخراً. فخطوط النفط وأنابيب الغاز الروسية تمرّ من خلال الأراضي البيلاروسيا، لتصل إلى أوروبا. وقد شهدت هذه الخطوط سابقاً نزاعات بين موسكو ومينسك، حيث هدد لوكاشينكو بقطعها إذا لم تستأنف موسكو إمدادات الخام إلى بلاده، متهماً الكرملين باستخدام أسعار الطاقة كورقة ضغط. هذا المعطيان يكشفان سريعاً إهتمام واشنطن والاتحاد الأوروبي بما يحصل في شوارع مينسك. السبب الأول أمني يخص الولايات المتحدة وتمسكها بـ"حلف الناتو"، فيما الثاني إقتصادي يخصّ إستمرار إمداد دول الإتحاد الأوروبي بالنفط والغاز. لكن هل ستبقى موسكو متمسكة بلوكاشينكو على طول الخط؟

 

إشارات رسمية كثيرة خرجت بُعيد إعلان نتيجة الانتخابات التي فاز بها لوكاشينكو، وأظهرت عدم رضى الكرملين كثيراً عن نتيجة الانتخابات، لكن يبدو أنّ التغيير قد يكون محفوفاً بالمخاطر، خصوصاً إن حصل على وقع التدخلات الخارجية وصرخات المعترضين والفوضى في الشوارع!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة