محور الاعتدال ومقارعة الشعوب

على مدى عقدين أو يزيد وتحديدا بعد عودة مصر إلى الحاضنة العربية إثر قطيعة أحدثتها اتفاقية السلام بين مصر والكيان المحتل، استطاع حسني مبارك إعادة الجامعة العربية إلى القاهرة بعد فترة عقوبة قضتها في تونس جراء الاتفاقية سالفة الذكر، كما استطاع مبارك أن يدشن ما عرف لاحقا بمحور الاعتدال العربي، ضم في عضويته كل من السعودية والإمارات وباقي دول الخليج بالإضافة إلى الأردن والمغرب، وعمل هذا المحور على التهدئة بكل معانيها، تهدئة الصراعات وتهدئة الشعارات وتهدئة الشعوب وتهدئة العداوات،

 

ولكل مما ذكرنا معني، نوجزه.. فقد عمل على تهدئة الصراعات البينية سواء لأعضائه أو مع أعضائه وغيرهم ممن رفض الانضمام للمحور، لاسيما بعد خطيئة صدام حسين باجتياح الكويت، كما عمل على تهدئة الشعارات مثل القومية التي كانت تستدعى في مناسبات بعينها خشية أن تتأجج في قلوب شعوب المحور، وهو ما لا يحمد عقباه على قادة المحور ومنهم من كان يحاربه، وأخيرا تهدئة العداوات مع الاحتلال الإسرائيلي، وترتيب اتفاقيات سلام لدول الطوق على شاكلة الاتفاقية التي أبرمها السادات مع بيجن، وهو ما انخرطت فيه الأردن عضو المحور ولم تقبله كل من لبنان وسوريا.

 

وهنا تأججت العداوة بين محور "الاعتدال" العربي وبين محور "المقاومة والممانعة" ومع تحفظي على المصطلح لكن المهنية تحتم علينا استخدام المصطلحات المعمول بها وما جاء في أدبيات كل محور وصفا لنفسه، ومحور المقاومة والممانعة هو ذلك المحور الذي وصف نفسه رافضا لأي تطبيع أو مهادنة مع العدو الإسرائيلي وقبل بالسلاح لغة للرد على المحتل، فخاض بالوكالة "حزب الله" معارك مولت من قبل دول المحور ماليا وعتادا وذخيرة وتدريبا، عملت على دعم المقاومة الفلسطينية في غزة بعد أن خرجت منظمة التحرير من المحور قابلة بأسلو شرعة ومنهاجا، ولا ننكر أن هذا المحور وجد شعبية لا بأس بها في الأمة العربية لاسيما وأن الأمة كانت حديث عهد بناصرية حنجورية، وخاب ظنها في السادات ومن تبعه بإحسان من حكام العرب في عهد مبارك.

نشأ محور الاعتدال العربي بالنتيجة لمجابهة محور المقاومة والممانعة، فالاعتدال بالأساس هو اعتدال المواقف مع الكيان المحتل في فلسطين، وعدم منازعته "حقا" أخذه بالقوة من أصحابه الأصليين، ولنا في ماما أمريكا القدوة والمثل، فالفلسطينيون ليسوا أكرم على الله من الهنود الحمر، ودمهم ليس أغلى وأرضهم ليست أطهر، فعلينا أن نتراضى فيما بيننا ونقبل بما قسمه العم كلينتون لنا في أوسلو وبارك الله فيما رزق، ومن هنا يأتي الاعتدال، فليس من المروءة ولا شيم العرب أن يخذلوا ضيوفا جاءوا من أصقاع الأرض ويردوهم خائبين (اعدلوا هو أقرب للتقوى) ولأن قادتنا متقون، ولا نزكيهم على الله فهو يعلم سرائرهم ويعلم مستقرهم، فقد تمحوروا مع الاعتدال في إقراء الضيف وقاوموا من يقاومه، وهم في ذلك مستمرون وعلى العهد متمسكون ولتنظر حال حماس مع محور الاعتدال بالترغيب تارة وبالترهيب تارة.

 

بعد ثورات الربيع العربي تحول محور الاعتدال عن محور المقاومة تحولا استراتيجيا، ذلك أن مفكري محور الاعتدال في تل أبيب أيقنوا أن الخطر الحقيقي ليس في سوريا التي لم تطلق رصاصة واحدة على جيش الكيان المحتل طول أربعين عاما، وجولانه محتل، ولا في إيران التي تتخذ من القضية الفلسطينية رداءا تتدثر به لتداري به سوءاتها، لكن الخطر الحقيقي هو الشعوب العربية التي انتفضت، ليوجه محور الاعتدال كل جهوده لإسقاط ثورات الربيع العربي، ولا يزال، لأن هذه الشعوب المنتفضة والمحملة بروح التحرر والواعية لأس الصراع والمدركة لمفرداته وأدواته والتي باتت لا تنخدع بخطابات ناصر الحنجورية ولا تمتمات القذافي ولا ثأثأت الأسد عن العروبة والقومية، الشعوب المنتفضة هي الخطر الوجودي الأكبر على محور الاعتدال.

 

سطر الرائع ثروت أباظة في قصته القصيرة (شيء من الخوف) مشهدًا من أروع مشاهد النهاية في الروايات الأدبية لنصرته الحق بالدعوة إلى الثورة من أجل استعادة ما سلبته القوة الغاشمة، إذ يردد الشيخ إبراهيم جملته الشهيرة "جواز عتريس من فؤادة باطل" فتهتف من خلفه الجموع، ليسقط جبروت عتريس "بطل الرواية" أمام الغضب الشعبي العارم، لقد هتفت الجماهير العربية في 2011 ضد عتاريس العرب، وعلى الرغم من أن "اعتدال" نقل عداوته من محور المقاومة المزعوم، إلى عداوة الشعوب التي هتفت، إلا أن تلك الجماهير التي آمنت بثورتها للانعتاق من الاحتلال بأشكاله وأدواته، لن تقبل بعد اليوم من يتخادم مع المحتل من أجل أن يبقى ويقدم في ذلك دم الشعوب ومقدراتها قربانا على مذبح العدو الصهيوني وداعميه، فلقد أسقطت الثورات ورقة التوت وأصبح زواجكم بالسلطة باطلا ولو طال.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة