مدارس التحدي.. الصمود من أجل طلب العلم

من المعلوم أن طلب العلم هو فريضة على كل مسلم ومسلمة خاصة في عصرنا هذا، العصرالذي يدفع بالإنسان لتسخير كل طاقاته لكي يكتسب مكانة مهمة في المجتمع ويحظى بالكثير من الامتيازات وأن يكون متعلما وملما بشتى المعارف والعلوم التي عرفتها البشرية منذ الأزل، ويعد ناجحا في حياته كل من استطاع بلوغ درجة علمية هامة أو مركز اجتماعي مرموق حتى أن قيمة الإنسان حاليا تتوقف على عدد الشهادات العلمية التي حصدها في حياته، وبالتالي باتت كل المجتمعات والشعوب تتنافس فيما بينها لكي تقدم الأفضل لأبنائها من مدارس ومناهج وكراسات وطرق التعليم والتقويم التربوي الذي ينبغي القيام به بشروط ومحددات تتناسب مع مقومات الثقافة المجتمعية ومستوى كل طالب مع مراعاة لاعتباراته النفسية والاجتماعية وغيرها.

 

ولا أحد يجادل أن معيار جودة التعليم اليوم صار هو من يحدد تقدم وتطور مجتمع على آخر؛ فإن أراد بلد أن ينتعش ويلحق بركب الحضارات المتقدمة أن يوجه كل استثماراته لميدان التعليم وخير مثال على ذلك دولة ماليزيا التي اتبعت أو ارتأت أنها لن تحقق أي تنمية إلا إذا أعطت الأولوية لمجال التعليم وبناء على ذلك قامت بتوجيه كل استثماراتها لقطاع التعليم وبذل كل المجهودات الممكنة بغية الرفع من جودته؛ ففي لقاء مع أحد مسؤولي الدولة في ماليزيا أكد فيه أن الطريقة التي تم اتباعها للنهوض بالبلد وتحقيق تنمية شاملة هي أن يستثمروا ويهتموا فقط بمجال التعليم والجوانب الأخرى سوف تتطور من تلقاء نفسها إذ تم الاهتمام بقطاع التعليم ومن ثم كانت النتيجة جد مرضية بفضل السياسة التي انتهجتها، فقد تم بناء المدارس والجامعات واستقطاب الطلبة من جميع بقاع العالم بل وصارت اليوم تنافس الدول الكبرى ليس في قطاع التعليم فقط بل في القطاعات الاقتصادية والزراعية وغيرها وباتت تحتل الرتب الأولى عالميا في إنتاج الكثير من المواد الغذائية والمواد الخام.. طبعا ماليزيا كما هو معروف بعد استقلالها لم تعاني من حروب لتعرقل مسيرتها ولا من ضغوطات خارجية ولا حتى من تهديدات أمنية فالدولة سهرت على تطوير مجال التعليم وتزويده بكل ما يلزم لإنجاح المنظومة التعليمية من توفير للمناهج والاجهزة الإلكترونية وكل ما قد يساعد في النهوض بقطاع التربية والتعليم، كما أن مدرسوها تفانوا في تنشئة جيل محب لوطنه ومتشبث بهويته وتم الاهتمام بحانبهم النفسي وتوفير ما يحتاجونه إليه وماليزيا ما هي إلا نموذج فقط فهناك عدة دول كانت في الحضيض وشهدت تقدما ملحوظا لأنها اهتمت بمجال التعليم .

 

و لكن ما يجب الانتباه إليه وبشدة أن هناك دول وبلدان وشعوب تسعى بدروها إلى النهوض بقطاع التعليم على خطى دولة ماليزيا وغيرها ولكن ما يمنعها هي الظروف الخارجية التي تعد أكبر من أن تواجهها أو تقف ضدها هذه الدول هي أيضا بطبيعة الحال تتطلع إلى تحقيق التنمية والازدهار المرغوبين في شتى المجالات وأهمها التعليم بل وتقوم هذه الشعوب نظرا لوعيها التام بأهمية التعليم بما لا يمكن تصوره من بذل الكثير من المجهودات المضنية؛ بحيث تقدم تضحيات تجعل كل من يتصف بذرة من الإنسانية يقف مشدوها بما تقوم به اتجاه أبنائها، وما يقوم به هؤلاء الأبناء أنفسهم كله من أجل النهوض ببلدهم ولعلمهم التام أن أعظم سلاح هو التعلم فبه فقط يمكن الوصول لنتائج مبهرة على جميع الأصعدة، ومن ثم فهم أي الدولة والشعب بأكمله وبمختلف شرائحه الاجتماعية وأخص بالذكر الأسر التي تضحي بحياة أبنائها في سبيل أن يتعلموا ويبلغوا مناهم، والأبناء أنفسهم الذين رغم التهديدات والحرب والعنف والبؤس الذي يحيط بهم من كل جانب قرروا تحدي كل الصعوبات واجتياز العراقيل المتعددة والمتنوعة فقط لأنهم غيورين على وطنهم ومتشبثين بوحدتهم وهويتهم، ثم لا يمكن غض الطرف عن المدرسات والأطر التعليمية الذين يتفانوا في عملهم ويضحون في ذلك بالغالي والنفيس بهدف تقديم المنفعة لوطنهم الحر الأبي ولأبنائه .

إن كل هذا جاء في الفيلم الوثائقي الذي عرض حديثا على قناة الجزيرة الوثائقية بعنوان "مدارس التحدي" الذي يدمي القلب ويكشف المستور ويسلط الضوء على معاناة المجتمع الفلسطيني الذي عانى ولازال يعاني الويلات، وكل الأجيال مذ بدء الاحتلال واجهت وتحملت الكثير كما يشهد على ذلك التاريخ المعاصر وكما جميع الدول كما جاء في الوثائقي فلسطين أيضا تحب العلم وتنشره بل وتضعه على رأس أولوياتها والكل يساهم في إنجاح قطاع التعليم رغم الوضع الذي يعيشونه والذي يمكن وصفه بالكارثي، بحيث أن منظر بناء مدرسة ودفع أموال طائلة ومحاولة تقريبها من أبناء القرى البعيدة وفرحة الأهالي والأطفال بهذا الإنجاز واستعدادهم للتعلم لا تكتمل مع الأسف لأنه يتم هدم المدرسة في اليوم الموالي ويضطر الأطفال إلى متابعة دراستهم بكل صمود في العراء نعم أطفال في عمر صغيرة يقطعون مسافات طويلة والطرق المحفوفة بالمخاطر من أجل الدراسة داخل خيمة مهترئة لا تحمي لا من لحيف الشمس الحارقة ولا من صقيع البرد

 

وهم مع كل ذلك صامدون ويقصدون مدرستهم بكل همة ونشاط لأنهم مؤمنين في قرارة أنفسهم أن خلاصهم وحريتهم لا يأتي إلا بالتعلم ناهيك عن المدرسات اللواتي يعانين من إهانات لا تعد ولا تحصى وعنف سواء كان رمزيا كالعنف اللفظي أو جسدي بالضرب وغيرها، إضافة إلى المضايقات التي يتعرضن لها والاعتداءات الكثيرة بحيث جاء على لسان إحداهن أنهن معرضات للخطر في كل وقت وحين حتى من السيارات العابرة في الشوارع والتي تعود للمستوطنين هناك تسعى لأن تدعسهن بكل برود كما والمضايقات التي يتعرضن لها عند نقط التفتيش، والمسافة الطويلة والطرق الوعرة لأن جيوش الاحتلال لا تسمح بمرور السيارات إلا تلك التي تعود للمستوطنين أما بالنسبة للأطفال فالأمر أكثر سوء وأكثر ما يستوجب التضامن اللامشروط مع أولائك الأبرياء إنهم صامدون ومحبون للتعلم رغم كل ما يحيط بهم من سوء وأخطار بحيث بات اللحاق بالمدرسة مغامرة لا تحتسب عواقبها ومحفوفة بالمخاطر؛ حيث يحدث غالبا ما يتم سقوط أجزاء من أسقف المدارس التي أكل عليه الدهر وشرب حتى لم تعد صالحة لشيء وقد يكمن الخطر في سقوط أجزاء من السقف على أحد المتعلمين

 

وأيضا قد يسرب الماء ويتسبب في ضياع عدة كراسات والكتب المدرسية هذا طبعا إن توفر سقف لأن هذا يتعلق بالمحظوظين، أما أصحاب الحظ العاثر فيدروسن في ظروف مأساوية كما أن أطفال المستوطنين يعرضونهم لشتى أنواع الإهانات كضربهم بالبيض أو الخضروات الفاسدة فهم بهذا يسعون جاهدين لأن يجعلو من الجيل القادم من الفلسطينيين جيلا أميا لا يفقه شيئا ولا يحسن سوى الرضوخ والاستسلام لأوامر اليهود الصهاينة؛ فهم واعون بأن المهمة ستكون أكثر صعوبة إذ تم تعليم الفلسطينيين بأحسن ما يكون وبالتالي محاولتهم هذه لطمس صورة التعليم في المجتمع لا تزيد الشعب الحر الأبي إلا إصرارا ومقاومة حتى آخر رمق من أجل التعلم ولو في أحلك الظروف علاوة على ذلك فبراءة الأطفال وزيهم المدرسي لا يشفعان لهم ولا يرأف قلب ذاك الجندي المدجج بالسلاح وغالبا ما لا يسمح لهم بالعبور من نقط التفتيش وقد يعنفهم إذ هم لم يرضخوا لطلبه .

 

رغم كل ذك وجب التركيز على واحدة من بين أهم نقط الضوء التي تشع من كل ذلك الواقع البئيس هي المدرسات هناك فعلا إن المدرسة الفلسطينية مثالا وقدوة للمدرس الناجح والمعلم المتفاني في أداء عمله كما يجب، المدرس الصديق الذي يرافق المتعلمين ويحل مشاكلهم ويبذل أقصى ما يستطيع من جهد لتعليم الأطفال وترسيخ المبادئ والقيم النبيلة التي يجب أن يحظى بها كل الطلاب، ثم زرع معنى التشبث بالوطنية وحب الوطن والتضحية من أجله بالغالي والنفيس، وأن التغلب على العدو لن يكون إلا إذا توفر سلاح واحد فقط وهو التعليم؛ فإذ هم تعلموا فسوف يدافعوا عن بلدهم ويسترجعوا حقوقهم بالقلم ورفع راية العلم عاليا والأجمل أن الأطفال وأهاليهم يقابلونهم بالمثل فتروي إحدى المدرسات كيف يتم الإشادة بمجهوداتها الجبارة من طرف متعلميها وكيف يتم تقديم الهدايا لها واستقبالها على أحسن ما يكون وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على حسن صنيعها معهم لأنها تسعى أن تفوز بمكانة بمكانة هامة في قلوبهم وتكون أما رؤوفة بيهم وصديقة وأخت تقاسمهم آلامهم وتخفف عنهم وطأة البؤس الذي يحيط بهم وتجعل من سوكاته هذه مع طلابها وإتقانها لعملها كحفنة سكر ضمن المرارة التي تقبع في كل مكان من تلك البقعة من البلاد التي نفديها وسنظل ندافع عنها ما حييناه ونحاول إيصال آلامها وآلام أطفالها وأطرها من جميع الميادين إلى العالم الذي رغم كل الدلائل التي تبرز بشاعة الحياة التي يعيشونها مزال يصر على التزام الصمت واللامبالاة .

 

إن فيلم "مدارس التحدي " من بين أعظم الدلائل التي توضح بجلاء مدى قهر وعناء الشعب الفلسطيني، وكيف أنهم يتم حرمانهم من أبسط حقوقهم كالحق في التعلم الذي بات مستعصيا ومحفوف بالمخاطر كله من أجل نشر الجهل بين الفئات الاجتماعية ومحاولة نسيان قضيتهم وتشويه ماضيهم البطولي بكل الطرق الممكنة سواء بهدم المدارس وإعاقة استصدار الرخص لبنائها أو بتغيير المناهج التعليمية بما يتناسب ومطالبهم الاحتلالية حتى تؤثر على عقول الأطفال، وتحيدهم عن هدفهم الأسمى المتمثل في تحرير بلدهم من أيدي الظلام ولكن هناك بصيص أمل يلوح في الأفق رغم كل هذا فكل ما تم رصده بالفيلم خاصة تلك النظرات اللامعة من الطلاب والمدرسات، وإصرارهم المتواصل كله يبين ويبرز بوضوح أن كل محاولات المحتل ستبوء بالفشل لا محالة بل وكل تلك الاضطهادات ستعدو وقودا للانطلاق وشحذ همتهم والتمسك بقضيتهم أكثر فأكثر فألف تحية للشعب الفلسطيني الأبي وإن شاء الله تعالى سينتصرون وسيحذون حذو الدول التي شهدت تقدما وتطورا بوتيرة سريعة وسيشهدون بزوغ فجر جديد يحمل الكثير من البشائر.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة