رسائل أمريكا لسياسي لبنان

مع إدراج الولايات المتحدة الأمريكية اسم كل من الوزيرين السابقين علي حسن الخليل المقرب من نبيه بري، ويوسف فنيانوس مستشار سليمان فرنجية رئيس تيار المردة، في قائمة العقوبات الأمريكية، يبدو أن الولايات المتحدة بدأت التمهيد لمرحلة جديدة في المشهد السياسي اللبناني لم يتضح مساره بعد، حيث حملت هذه العقوبات مجموعة من الرسائل السياسية التي ألقت بظلالها على المشهد السياسي اللبناني ليس الداخلي فقط وإنما الخارجي أيضاً باعتبارها تملك مجموعة من المفاعيل السياسية التي تتعدى إطارها القانوني والمالي.

 

القراءة الأولية لهذه العقوبات تشير إلى أنها تحمل رسالة تهديد مباشرة لكل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية، مفادها بأن تحالفهما مع "حزب الله" سيضعهما في دائرة الاستهداف المباشر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وما إدراج اسم الوزيرين اللذين يعتبران من الصف الثاني في الطبقة السياسية اللبنانية إلا تمهيد لعقوبات جديدة قد تطال أسماء من الصف الأول في هذه الطبقة، كما أنها تحمل رسالة تهديد لحفاء حزب الله الآخرين، وتحديداً للرئيس اللبناني ميشيل عون ولرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، مفادها أن استمرار التحالف مع "حزب الله" ودعمه سياسياً سيجعل العقوبات تطال مقربين منهم، وقد تضعهم لاحقاً على لائحة العقوبات الأمريكية، فإدراج اسم الوزير المسيحي الأسبق يوسف فنيانوس في قائمة العقوبات، يشير إلى أنه لا محسوبيات في تطبيق العقوبات، وبأنها ستطال أي شخص من أي دين أو طائفة أو مذهب.

 

وبالتالي العقوبات هذه المرة لم تقتصر على الطرف الشيعي، بل طاولت أيضاً طرفاً مسيحياً وهي من المرات القليلة التي يحصل فيها تطبيق العقوبات على أكثر من شخص من طوائف متعددة في لبنان، وفي هذا الصدد أشار العديد من المحللين أنّ عدم إدراج اسم الوزير السابق جبران باسيل في قائمة العقوبات لم يكن بسبب عدم توفر الدلائل والمعطيات عن تورطه في علاقات وصفقات مشبوهة مع "حزب الله"، بل كان فرصة أخيرة له ولرئيس الجمهورية ميشيل عون لاستدراك ما يمكن استدراكه قبل فرض عقوبات على أسماء جديدة، وهو ما أكده أحد المسؤولين الأمريكيين الذي قال: " بأن هذه العقوبات ينبغي أن تكون تحذراً، فالولايات المتحدة لن تتردد في معاقبة أي شخص أو كيان يدعم الأنشطة الإرهابية غير المشروعة لـ حزب الله أو يجعلها ممكنة".

على الصعيد الخارجي، فإن هذه العقوبات تحمل العديد من الرسائل، إلا أن أهمها على الإطلاق هو توجيه رسالة للدول الأوروبية مفادها أن الولايات المتحدة، عكس الدول الأوروبية، لا يمكن أن تفصل بين الجناحين العسكري والسياسي لـ "حزب الله"

من جهة أخرى يكتسب إدراج اسم هذين الوزيرين السابقين في هذا الوقت بالذات رمزية سياسية واضحة، فتوقيت العقوبات جاء في منتصف مهلة الأسبوعين التي أعطاها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للبنانيين لتأليف الحكومة، التي يشهد تأليفها سجالاً سياسياً حول عدد الحقائب الوزارية وتوزيعها، وخاصةً فيما يتعلق بالوزارات السيادية، ومنها وزارة المالية، التي يصر الشيعة وتحديداً "حركة أمل" على الاحتفاظ بها ضمن حصتهم في لبنان لضمان توقيع وزير المالية إلى جانب توقيعي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على القرارات الحكومية التي تتطلب إنفاقاً مادياً، وبالتالي جاء فرض العقوبات على علي حسن الخليل وزير المالية الأسبق، و الرجل الثاني في حركة أمل بعد نبيه بري لتوجيه رسالة مفادها بضرورة عدم التمسك بحقيبة المالية، فالولايات المتحدة الأمريكية لن تدع لـ "حزب الله" أي طريقة للتهرب من العقوبات ومن لعب دور سياسي كبير يؤثر على قرارات السلطات بمساعدة حلفائه، كما حصل سابقاً عندما كان لوزير المالية الأسبق علي حسن الخليل دوراً واضحاً بتسهيل ترشيح نواب "حزب الله"  في الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت عام 2018، عندما سمح لمرشحي الحزب بفتح حسابات مصرفية بوزارة المالية، بعد رفض المصارف فتح حسابات لمرشحي الحزب خوفاً من العقوبات الأمريكية التي كانت ستشمل أي مصرف يساعد الحزب ومرشحيه.

 

أما على الصعيد الخارجي، فإن هذه العقوبات تحمل العديد من الرسائل، إلا أن أهمها على الإطلاق هو توجيه رسالة للدول الأوروبية مفادها أن الولايات المتحدة، عكس الدول الأوروبية، لا يمكن أن تفصل بين الجناحين العسكري والسياسي لـ "حزب الله"، فالحزب بجناحيه العسكري والسياسي يعتبر منظمة إرهابية مصنفة على قوائم الإرهاب، ويجب التعامل معه على هذا الأساس، ومن هذه النقطة بالذات يمكن الحديث عن أهمية هذه العقوبات التي جاءت تحت بند قانون مكافحة الإرهاب "باتريوت آكت" الصادر بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، الأمر الذي يشكل تهديداً مباشراً لكل طرف يتعامل مع هذه الأسماء في الداخل اللبناني وفي الخارج، وبالتالي فإن فرض العقوبات على وزيرين سابقين في هذا الوقت بالذات يرسم منعطفاً جديداً لطريقة تعامل إدارة الرئيس ترامب مع الوضع اللبناني وتحديداً مع "حزب الله" وداعميه، فهذه العقوبات تعتبر رسالة من الإدارة الأميركية تجاه جميع داعمي حزب الله وحلفائه قد يتبعها فرض عقوبات على أسماء أخرى، وهذا ما أكده ديفيد شينكر مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى الذي قال "إنّ حزمة عقوبات جديدة ستصدر قريباً جداً، وستستهدف شخصيات لبنانية".

 

فهذه العقوبات تعكس بالمجمل استراتيجية أمريكية قديمة – جديدة تهدف إلى مزيد من التصعيد ضد "حزب الله" في لبنان من خلال خنق كُل من يدور في فلكه ودفع القوى السياسية إلى قطع اتصالاتها بالحزب للوصول إلى تشكيل حكومة جديدة بعيداً عن سيطرة الحزب وتأثيراته في قرارات السلطات المختلفة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة