أسئلة اجتماعية حول التطبيع والسلام مع إسرائيل

الخبر الأكثر تداولا هذه الأيام هو توقيع دولتين عربيتين خليجيتين اتفاقية تطبيع وسلام مع إسرائيل. هناك العديد من علامات الإستفهام حول ما جرى ويجري. غرضي هنا هو طرح، على شكل نقاط مقتضبة، ست أسئلة مركزية معنية بالمسألة الإجتماعية على وجه التحديد.

 

أولا: إن كان صحيحا، كما تدعي الأنظمة المطبعة، أن السلام مع إسرائيل يأتي تحقيقا لتطلعات الشعوب، سيما الأجيال الصاعدة، فلماذا إذا لم تستفت فيه على طريقة "بريكست" (الخروج من الإتحاد الأوروبي) عام ٢٠١٦ في بريطانيا؟ ألا يستدعي قرار بحجم التطبيع والسلام مع عدو لا تزال مناهجه التعليمية تسم العرب بأقبح الوسوم استفتاء جماهيريا واسعا يؤمنان له الشرعية والزخم اللازمين؟

 

ثانيا: أليس من حق الشعوب – إن كانوا، كما تدعون، مواطنين ومواطنات في دولة لها دستورها وقوانينها مرعية الإجراء – أن تفهم ذلك الترافق المنهجي بين التخريج الرسمي لقرارات التطبيع والسلام مع إسرائيل من ناحية واشتداد القبضة الحديدية التجسسية على حيوات الناس الخاصة وتفاعلاتهم وآرائهم وتعليقاتهم على مواقع التواصل الإجتماعي من ناحية أخرى؟ لماذا صرف المليارات على منظومات أمنية تقول العديد من التقارير الاستقصائية الصحفية أن هدفها هو حماية النظم السياسية وتشديد الرقابة على الداخل أكثر منه مواجهة التحديات الآتية من وراء الحدود؟ في المحصلة، هل تعترفون بحرية التعبير السياسي؟ هل يستطيع المواطن أن يكتب أو يغرد ضد اتفاقيات التطبيع من دون أن يخشى الملاحقة الأمنية بذريعة "التعرض لدولة صديقة (إسرائيل) تربطنا معها علاقات ومصالح متبادلة وتفاهمات مشتركة"؟

 

ثالثا: يحاجج العديد من الأكاديميين البارزين بأن السلام سيبني جسور تعاون بين الجامعات العربية والإسرائيلية لتبادل المعارف والخبرات والمساهمة في نهضة الأوطان العلمية والتكنولوجية. هذا مع العلم أن البعثات الخارجية إلى الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية (من  استراليا إلى كندا) لا تزال سارية ولم تتوقف منذ الستينيات. أين الطلبة الذين ابتعثتم؟ لماذا لا يسهمون ويشرفون هم على النهضة العلمية والتكنولوجية المنشودة؟ ثم ألا تكفيكم تقديمات جامعات الغرب العريقة حتى تلجأوا لإسرائيل وجامعاتها؟

رابعا: هل تعلمون أن في إسرائيل مجتمعا مدنيا ناشطا جدا، فيه جمعيات تساند القضية الفلسطينية، وفيه أيضا حضور أكاديمي وازن تهمه قضايا مثل المواطنة والعدالة الإجتماعية وتوثيق الانتهاكات الإنسانية والمحاسبة والشفافية وحقوق المرء السياسية والمدنية؟ ماذا لو أثمرت تلك التعاونات العلمية المشتركة التي ترتأون نخبا جديدة واعية متسلحة بأدوات نقدية تستخدمها للإضاءة على ممارساتكم، أنتم الأنظمة، ورفع الصوت للمطالبة بالديمقراطية التمثيلية والانتخابات والتصدي لمظاهر اللامساواة المجتمعية على كافة المستويات وتوسيع دائرة المشاركة في القرار السياسي، للمقيمين كما للمواطنين؟ هل ستقبلون بهذه النخب؟ هل ستحمونها، علما أن ذلك قد يؤدي مع الوقت إلى زعزعة نفوذكم؟ (ملاحظة: يغيب عن بال الحاكم العربي أن العلوم الوضعية ليست تكنولوجية فحسب، بل إن هناك علوما أدبية وتاريخية وإنسانية واجتماعية. لدى إسرائيل سجل حافل بالإنجازات في كلا الصنفين. أذكر هنا أنه أثناء إقامتي في مانشستر، بريطانيا، حضرت حفل توقيع كتاب لباحث أكاديمي لم أره سابقا ولم أتعرف عليه. الكتاب عبارة عن دراسة تاريخية-تربوية نقدية مفصلة للسردية الصهيونية حول هوية الفرد الفلسطيني. لم أستغرب قط عندما قيل لي لاحقا أن هذا الباحث الذي أصغيت إليه وهو يفند بدقة عالية ادعاءات وارتكابات الحركة الصهيونية هو في الحقيقة إسرائيلي، مقيم في إسرائيل. نصيحتي، إذا، هي أن لا تعولوا كثيرا على الجامعات الإسرائيلية والمجتمع العلمي الإسرائيلي!)

 

خامسا: لنضع دبي الكوزموبوليتانية والمنامة المتحررة نسبيا جانبا. هل سيكون باستطاعة السائح الإسرائيلي أن يتجول مع من يشاء وقتما يشاء أينما يشاء، دون تعرضه لمضايقات، إن لم يكن تعديات، من الأفراد العاديين؟ اللهم إلا إذا توعدتم المواطنين والمقيمين على السواء بعقوبة مالية خيالية، وربما السجن والقصاص، في حال أقدموا على ذلك، فإنهم لن يتقبلوا وجود هذا السائح بينهم ولن يتسامحوا مع بعض سلوكياته التي، في رأي شريحة عريضة (أعجبتك تلك الشريحة أم لم تعجبك)، تتنافى والعادات والقيم الدينية والاجتماعية والثقافية الموروثة. (ملاحظة: هنا أيضا يغيب عن بال الحاكم العربي أمر مهم للغاية، ألا وهو أن المجتمع الإسرائيلي، بعكس معظم وليس كل المجتمعات العربية، لا يزال يعاني من تبعات تأصل التنازعية العمودية بين شقيه العلماني-الإنسانوي والمتدين-الأصولي في تكوينه. الشق الأخير، برغم أنه يمثل أقلية عددية، له اليد الطولى في صناعة القرار السياسي – انظر، على سبيل المثال لا الحصر، مسألة المستوطنات غير المعترف بها دوليا. وهذا الشق، بالمناسبة، لا يغادر "أرضه" ولا يتسوح، مما يدفعني إلى التساؤل: هل التطبيع الذي وقع عليه هو تطبيع بين دول ومجتمعات بأكملها أو تطبيع بين علمانيتين، واحدة عربية ناشئة وأخرى إسرائيلية متأصلة؟!)

 

سادسا وأخيرا: هناك كلام يدور عن مخطط أميركي طويل المدى يهدف إلى توطين ملايين من الفلسطينيين (اللاجئين في دول الجوار بطبيعة الحال، ولكن أيضا سكان الضفة الغربية وقطاع غزة المهددين بالطرد) في أراضي الدول الخليجية. هل تدركون ما يمكن أن يترتب عن ذلك من تغييرات ديمغرافية وتحديات سياسية ومشاكل دمج واستيعاب وديناميات تفاعل اجتماعي وثقافي خطيرة قد تفضي إلى اختلالات بنيوية؟ هل درستم احتمالات ورود هكذا مخطط في ذهن صانع القرار الجيو-استراتيجي الأميركي، أم أنكم اكتفيتم بالتعميمات السطحية الاختزالية حول القضايا العالقة التي اشتملت عليها وثيقة "صفقة القرن"؟

هذه الأسئلة غيض من فيض. يجب طرحها ومحاولة الإجابة عنها بشكل جدي وعقلاني لاستشراف المآلات الاجتماعية لاتفاقيات التطبيع والسلام مع إسرائيل. إذ إننا غالبا ما ننشغل بالسياسي والاقتصادي على حساب الاجتماعي، ناسين أو متناسين التشابك العلائقي الحيوي الذي من خلاله ترتبط هذه المكونات ببعضها البعض. فالخطورة فيما يحدث، في رأيي، هو أن الاتفاقيات التي وقعت مؤخرا، بعكس اتفاقيتي السلام مع مصر (١٩٧٩) والأردن (١٩٩٤)، لا تتوخي التحييد بقدر ما تبغي إنهاء مفاعيل الصراع العربي-الإسرائيلي بكليته. باختصار، أمريكا تستعد للتوجه شرقا، نحو جنوب وأقصى شرق آسيا (روسيا والصين وجوارهما)، وهي لذلك تريد طي صفحة الشرق الأوسط نهائيا وسريعا، مهما كانت التكاليف الاجتماعية الباهظة التي ستتحملها الشعوب.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة