شكرا أردوغان بمناسبة دعمك للصومال تسع سنوات ‬

قبل ثمانية سنوات كانت لي مداخلة هاتفية في برنامج نقطة حوار في بي بي سي العربية، والذي كان يناقش حول دعم مؤتمر لندن للصومال آنذاك أمنيا واقتصاديا ، وطرحت في ذاك الوقت أن مشاكل الصومال الجمة في طريقها إلى الحل مادام أن صديقا جديدا (تركيا) دخل في الأفق، وطبعا هذا الذي صار فمنذ رجوع تركيا الأناضولية إلى الصومال، (وهي التي ساعدت قديما، المجاهد الكبير السيد محمد عبدالله حسن المقاوم ضد احتلال الإنجليز لشمال الصومال ببداية التسعينات)، ونحن بخير ولم نرى منه كغيره من العرب والغرب إلا المصالحة والتنمية والتقدم، وحتى لا يظن القارئ أنني أكيل المدح علي تركيا هكذا جزافا دعني أشرح أكثر وأقول

 

لقد توجهت تركيا إلى الصومال بقوة عقب موجة الجفاف التي ضربت الصومال، وتجرأ السيد رجب طيب أردوغان بزيارة إلى العاصمة مقديشو، 18 أغسطس / آب 2011، حين كان يشغل منصب رئيس الوزراء وأصبح أكبر زعيم مسلم غير أفريقي يزور البلد، بعد انسحاب الأمريكان من الصومال 1994، وأدت هذه الزيارة التاريخية المهمة للصومال تطورا جديدا نحو كسر حاجز الخوف من زيارات العالم لها، فقد كانت تفزع الدول وتهتز وتهرب بأقصى سرعة إذا سمعت شيئا اسمه الصومال، فحتى الهيئات الإغاثة الدولية كانت تمتنع الذهاب اليها وسميت من قبل الصوماليين (هيئات الفنادق)، وهي عبارة عن إقامتهم في فنادق كينيا المجاورة، حتى تدفقت سفارات عربية على البلد مرة واحدة وأخرى أوربية وأفريقية، لعلها تجد في تربة العاصمة مقديشو مقرا تسكن فيه، لا لمساعدة الصومال ولكن لمنافسة الضيف الجديد (تركيا) على الصومال

 

ولكن أنقرة لم تعط أهمية لهم وبدأت باستئناف استراتيجيتها طويلة المدى، لأنها لم تأتى لمشاحنة أحد ولكن جاءت أولا لمساعدة المتضررين من الجفاف، وثانيا بتأهيل البنية التحتية وإعادة الإعمار للبلد وفعلا قدمت بمساعدة تقدر 500 مليون دولار منذ2011، وبدأت ببناء المدارس،  والجامعات، وقدمت للطلاب منحا دراسية استفاد منها أكثر من ألفي طالب من معاهد، وأكاديميات، وجامعات تركية، حتى أصبحوا شعلة مضيئة في أرض الوطن

 

تركيا ساعدت أيضا ببناء المستشفيات، خاصة مستشفى "ديكفير" المعروف  بكامل التجهيزات كما وأصبحت  طليعة الدول التي ترسل طائرات عسكرية ومدنية وتنقل جرحى التفجيرات  لتلقي علاج السريع اللازم، أنقرة أعادت بترميم كلا من مطار وميناء العاصمة مقديشو، وتأهيل العاملين فيها، حتى أصبح من أكبر المطارات في القرن الأفريقي، وبدأت خطوط الطيران التركية تسيير رحلاتها من تركيا إلى الصومال يوميا وشجعت خطوطا دولية أخرى مثل خطوط الطيران الإثيوبي، والكيني، والقطري، والجيبوتي وصار مطار مقديشو ينظم أكثر من أربعين رحلة جوية في الداخل والخارج

تركيا أقامت قاعدة عسكرية في مقديشو  لتدريب القوات المسلحة الصومالية وهي أكبر مركز تدريبي للأتراك خارج أراضيهم بغية تكوين جيش قوي ومنضبط حيث تخرج منها حتى الآن آلاف من الجنود لكي يكونوا جاهزين لإستلام زمام أمن البلاد بعد سنة من انسحاب القوات الأفريقية إن شاء الله، تركيا هي أول دولة بعد الصين ساعدت الصومال بمستلزمات طبية لمواجهة فيروس كورونا وزودته بأجهزة تنفس من صناعتها المحلية، تركيا قدمت أرواحها لمساعدة الصومال فقد استشهد عشرات المهندسين والمتطوعين منهم بسبب التفجيرات العبثية في مقديشو وبسببها خطفوا قلوب وحنان الشعب الصومالي كما وستظل الأجيال القادمة تتذكر هذه الدماء الطاهرة

 

في كل هذا الدعم الإنساني والإسلامي لا ننكر أن الأتراك لهم مصالحهم مع  الصومال للعبور إلى القارة الافريقية  ولكي يستثمروا في البلد غني المعادن والذهب الأسود وهذا من حقهم  على قول الآية  القرآنية {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم}، فمن باب الأولى أن يسمح للإخوة الأتراك بالاستثمار في كل المجالات التي يبغونها برحب الصدر الصوماليين، وما الضير أن يستفيدوا ويفيدو

 

ولكن مع ذلك  لا نلتفت إلى غيرة بعض العرب الجيران ومعارضتهم نحو استقرار  الأتراك في الصومال، وربما استثمارهم في مجالات عدة أعظمها تنقيب النفط في بحاره، وزعمهم أنهم محتلون آراضينا ومستغلون معاناتنا، ولكن السؤال المهم في نفس الوقت ماذا فعلت العرب تجاهنا خلال العقود الثلاثة الماضية غير التفرج من بعيد، ورمينا بكل أنواع الفشل والعيوب بل وتسمية إعلامه كل فشل حصل في دنيا العالم "بالصوملة"،

 

 وَلا بُدَّ مِن شَكوى إِلى ذي مُروءَةٍ ….. يُواسيكَ أَو يُسليكَ أَو يَتَوَجَّعُ

 

في الختام لا يسعنا إلا أن نشكر للجهود التي بذلتها تركيا وقائدها فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان فشكرا لتركيا ولا ننسى ما قدمتموه لنا من دعم معنوي ومادي، فبوجودكم تحسنت الصومال وانتعشت أسواقه وأصبح الصومالي يشعر بإنسانيته نعم كيف ننسى وأنتم ضحيتم بأنفسكم وأجهدتم بدنكم لكي ننجح ونزدهر شكرا لكم يا شرفاء

 

قال الشاعر الحطيئة:

أَقِلّوا عَلَيهِم لا أَبا لِأَبيكُمُ. .. مِنَ اللَومِ أَو سُدّوا المَكانَ الَّذي سَدّوا

أولَئِكَ قَومٌ إِن بَنَوا أَحسَنوا البُنى .. وَإِن عاهَدوا أَوفَوا وَإِن عَقَدوا شَدّوا

وَإِن كانَتِ النُعمى عَلَيهِم جَزَوا بِها .. وَإِن أَنعَموا لا كَدَّروها وَلا كَدّوا



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة