المقدمة النثرية.. أدب القوة اللفظية

إنَّ الأدبَ العربي هو خير ما يستعين به متعلمٌ على تحصيل العلوم؛ إذ هو مفتاح الرموز الخفية، وسبيل الكنوز المطوية، وآية تحصيل المعاني، ومحل رسم المباني، به تُرفع الأمور، وعليه يستند القدور؛ يحيي الفكرة المقبورة، وينظم الحروف المنثورة، فينشئ العبارة المصورة، ويظهر المعنى المخفي، فيصير الطاعن في الحيرة مقضي، ولعمري ما أضعف ما يخطه أدعياء هذه الحقبة المنكوبة، فإن جله إلى الابتذال أقرب، وعن البيان أبعد، وفي الركاكة أرصف، كأن هؤلاء البغاث، قد تحينوا اللحظة التي يخبو فيها ثمار النقد الأدبي -فما يكون له في الساحة من جندي ولا نصير- حتى يستنسروا بأرض الأدب، ليذلوا عزيز قواعدها، ويبخثوا حق أصولها، ويخرجوا عن مناهجها، حتى بات ما يطفو على السطح جميعه إلى الضعف منسوب، ومن الغريب منضوب، وعن الأصيل مبعود.

 

والقصد من أدب القوة لا يقف عند استشراف المعاني السامية، واستنشاء المقاصد العالية، وامتثال المبادئ النبيلة، وتحقيق الأفكار العظيمة، التي تنصر قضية الأمة على الفرد، بل يعاف ذلك إلى ما وراء الملكة المثبوتة، والصنعة المتقنة، فيقدم العناية بالمكتوب ظاهرًا تقديم العناية بالجوهر، حتى يخلص وقد بات في مقدرته المزج بين القيم الشعورية، والتعبيرية مزجًا مُفلقًا، في قالب متفرد، لا هجنة تشينه، ولا غتمة تعتريه، بل قوة تزيده في الثبات، وترفعه في القدر، كأنه جلمود صخر ينحدر من علٍ، وفي ذلك كتب العتابي: "الألفاظ أجساد، والمعاني أرواح، وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا قدمت منها مؤخرًا، أو أخرت منها مقدمًا، أفسدت الصورة وغيرت المعنى؛ كما لو حُول رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل، لتحوَّلت الخلقة، وتغيرت الحلية"، بيد أن سبل تحقيق هذه القوة مختلفة، اختلاف الأيام، متباعدة تباعد الشرق عن الغرب، ويزيد على ذلك ما تضيفه هذه الحقبة، فتصبح لا مختلفة متباعدة فحسب، بل متنافرة متناحرة، قد يطحن الشائع الفريد فيها.

 

وبعدما ثبت من تاريخ الأدب وحوادثه أن المعاني مشتركة بين العقلاء؛ فربما وقع لمتأخر ما وقع في نفس المتقدم، بعدما ارتوت نفسه من باب التهذيب، والاستقبال، وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعاني بينهم، فإنما يتفاضل الأدباء في الألفاظ ورصفها، وتأليفها ونظمها؛ إذ يختلفون في تصريف المبنى وقواعده التعبيرية، اختلاف ما يدور في نفوسهم، ولربما كانت تلك مزية الأدب على سائر العلوم، وفي هذا المعنى كتب صاحب الظلال: "ولحسن حظ الإنسانية التي لا تملك من العالم المادي المحسوس إلا حيزًا ضئيلًا محدودًا أن في استطاعتها أن تملك من العوالم الشعورية آمادًا وأنماطًا لا عداد لها، وكلما ولد أديب عظيم ولد معه كون عظيم، لأنه سيترك للإنسانية في أدبه نموذجًا من الكون لم يسبق أن رآه إنسان"، ومن المبتده أن نسوق في هذه الناحية -استنادًا إلى هيكل رئيف خوري في دراسته الأدبية- ما يجب أن يقف عليه الأديب، ويعاوده بالدربة والفهم؛ فأدرب منك ساعة أقدر على الإذاعة.

للشعر لفظه الذي يشغل العقل بعمق المعنى وتصريحه، وهو في اختلاف من النثر وألفاظه التي تقدر المكانة العقلية، في بحث الأسباب، وقراءة النتائج

إن الألفاظ أصوات معبرة، لها مدلولات وأعمار، ومنها ما يكون محقق المدلول عند المُطَّلع، وهو الواضح المأنوس، ومنها ما هو ضده، ذلك الغريب المستوحش، بيد أن الأديب يستمد قوته في الأدب العربي، من اختيار اللفظة المناسبة لمقدار طبقة المخاطب وقوته في المنطق، والشاهد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كتب إلى أهل فارس، تخير السهل والواضح، ولمَّا كتب إلى قوم من العرب، فخم اللفظ، وانتقى منه الغريب؛ إذ علم قوتهم على فهمه، وكثرة سماعهم لمثله، ولا يعاب الأديب إن لجأ إلى الغريب اختصاصًا، وعمد إليه في الصنعة إبرازًا، ما دامت اللفظة سليمة البناء، لها في الدلالة ما ليس لغيرها من تحقيق المعنى، بل يجب على الأديب أن يلم بالغريب إلمامه بالمأنوس، أترى إن وقف على لفظة فأعجزته!

 

وللألفاظ أعمار، تزدهر وتروج في عصر، ثم تخبو وتندفن في آخر، وقد تُبعث في جديد، لتحمل مدلولًا مختلفًا، لكنها وإن ماتت عن بلوغ ألسنة عصرها، فإنها لا بد وأن تكون في نفس الأديب محفورة، وعلى لسانه مذكورة، وفي بيانه مرسومة، وليس حسنًا أن تبقى الألفاظ في المعاجم مأسورة، وعن العيون مغبورة، وفي النسيان مقبورة، فإن الإغراق في الواضح والمأنوس يقود صاحبه إلى تكرار ما لاكته الألسنة طويلًا، وخطته الأقلام كثيرًا، وبنيت عليه الصور مرارًا، واشتملته السطور تكرارًا، ويفضي ذلك ولا شك إلى الابتذال الذي ينقض على الأسلوب ليفرغه، ويلامس النظم ليفككه، فيصبح الأديب واحد من صيارفة الكلام المعسلط، المعتسف عن التساوق، والتراصف.

 

يعاف منهجنا ذلك إلى ما وراء الملكة المثبوتة، والصنعة المتقنة، فيقدم العناية بالمكتوب ظاهرًا تقديم العناية بالجوهر، حتى يخلص وقد بات في مقدرته المزج بين القيم الشعورية، والتعبيرية مزجًا مُفلقًا، في قالب متفرد، لا هجنة تشينه، ولا غتمة تعتريه، بل قوة تزيده في الثبات، وترفعه في القدر، كأنه جلمود صخر ينحدر من علٍ.

 

أما اختصاص الألفاظ، فهو ضرورة يستنشئها الذوق الأدبي في كل عصر من العصور، ذلك أن للشعر لفظه الذي يشغل العقل بعمق المعنى وتصريحه، وهو في اختلاف من النثر وألفاظه التي تقدر المكانة العقلية، في بحث الأسباب، وقراءة النتائج، وهي على كل مزية خاصة، ترفع الأديب درجة، وتبعده عن سيف النقاد درجات، وللألفاظ ما يفوق الاختصاص، ذلك هو الجو الذي تحدثه في نفس المطلع، وبرتبط ذلك وثيقًا بمنزلة المعنى من حيث القوة والضعف؛ إذ تتفاوت قدرة الألفاظ على تهيئة النفس لاستقبال المعنى، وقدره.

للأديب أن يحفظ ترتيب مفرداته، ويحسن نظم جمله، فلا يقدم متأخرًا، ولا يؤخر متقدمًا، وأن يقسط في استخدام البديع اللفظي، وبمقدار يسير، كالسجع وهو تقييد النثر بالقوافي

وتفضيل لفظة مشابهة على أخرى، رغم تقاربهما في المعنى منزلة لا يبلغها الأديب إلا بحذق الممارسة، وبها يسمو أديب على أديب، وقد يتفق للكاتب بلوغ هذه المنزلة، إن أطال التأمل في بناء اللفظة الواحدة، مستندًا إلى أصول اللغة، مستنيرًا بما يبتدهه عقله، كالربط بين الصوت والوصف، وللأديب أن يراعي الألفاظ من حيث الوزن في باب المعنى لا من حيث الخطأ والصواب بالنسبة للصرف فقط، فالمعنى في "أعشبت" الأرض لا يناهزه في "اعشوشبت" قوة ومبالغة، غير أن الألفاظ منفردة لا تبني أدبًا، ولا تصير صورًا تسمو بالمعني إلا إذا كانت داخلة مقالة منثورة، أو قصيدة منظومة، أو رسالة محكمة، أو خطبة مطولة، ولكن كما يرى صاحب الظلال، قد يستقل لفظ واحد -لا عبارة كاملة- برسم صورة شاخصة، وتلك خطوة تقربنا من قوة اللفظ، وأثره تارة بجرسه الذي يلقيه في الأذن وتارة بظله في الخيال.

 

ومن هنا تتكشف ضرورة التزويج بين الألفاظ وجودته، من حيث القدرة على إبراز جمال التوقيع الموسيقي، الذي يرفع المعني في رأس المتفكر، ويسبكه أفضل سبك، وفي هذا كتب ضياء الدين -ابن الاثير- في مثله السائر: "إذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها صائرة إلى مستقرها حالَّة في مركزها متصلة بسلكها، بل وجدتها قلقة في موضعها نافرة عن مكانها، فلا تُكرهها على اغتصاب الأماكن والنزول في غير أوطانها"، وللأديب أن يحفظ ترتيب مفرداته، ويحسن نظم جمله، فلا يقدم متأخرًا، ولا يؤخر متقدمًا، وأن يقسط في استخدام البديع اللفظي، وبمقدار يسير، كالسجع وهو تقييد النثر بالقوافي، إن لزم مقداره، وحفظ أدواره، ولم يزد زيادة الفائض، أطرب وأظهر، وإن الضد أثقل وأعيا، فإنه من زاد بديعه عن معناه، كان الزيف طريقه ومولاه؛ ذلك أنه يُشده العقل، ويُبهر العين، ولا يغذي فكرًا، أو يروي عاطفة.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة