هل تكفي الديمقراطية لتجاوز الإستبداد كعقلية مسيطرة على النخب؟

blogs تونس

يحكى أن موظفا في مكان ما في الأرض كلف بمهام لينجزها من قبل رئيسه المباشر طبقا للوائح الوظيفية للمؤسسة التي ينتمي إليها. قام الموظف بكل المهام التي كلف بها بضمير حي وإيمان بقيمة العمل المتقن في تحقيق التقدم المنشود والتطور المأمول لمؤسسته التي يعتبرها وطنه. ولأنه يحب الوطن أحب المؤسسة وجاهد للرفع من شأنها. كان الموظف ينتظر تقديرا لعمله ولكن فوجئ بالطرد من وظيفته. وحين سأل عن الأسباب متظلِّمًا، كان الجواب الوحيد: الإدارة ليست ملزمة بالتوضيح وهي أعلم بالقوانين وهي ترى أنك مخل بوظيفتك لأنك تسببت في مشاكل مع بعض المواطنين.

 

في هذه اللحظة طرح الموظف على نفسه السؤال التالي: أية مشاكل؟ ومع أي مواطنين؟ وهنا عاد شريط أحداث وقائع الوظيفة فتبين له أن المقصود بالمواطنين جماعة نافذة تعامل معها بمنطق القانون لا منطق العلاقة والنفوذ على حساب القوانين لأن ذلك حسب فهمه هو ما يحقق العدالة. فالعدالة تتحقق في ظل المساواة أمام القانون. وكل إخلال بهذه المساواة منذر بخراب العمران. ففي النهاية أطرد لأن رئيسه المباشر يفضل مصلحته الشخصية وعلاقاته الخاصة على حساب المصلحة العامة ولا يعنيه القانون إلا حين يكون متطابقا مع تلك المصلحة والعلاقة. إن هذا الرئيس المباشر في العمل هو رمز للعقلية الاستبدادية التي تهدد كيان الأمة العربية وتنذر بزوالها. فالاستبداد عقلية قبل كل شيء وإذا ما غُيرت تلك العقلية انتهى الاستبداد من المجتمع.

 

إن تونس دولة ديمقراطية حسب التصنيفات الدولية وذلك منذ ثورة 2011 وما نتج عنها من دستور الجمهورية الثانية الذي كرس قيم الحرية والعدالة والمساواة واحترام الحقوق الأساسية للإنسان والحفاظ على كرامة وحرمة كافة أفراد المجتمع. ولكن هل انتفت العقلية الاستبدادية؟ إن الواقع اليوم يثبت أن تونس دولة ديمقراطية لنخب استبدادية في مستوى التفكير. فالخطاب المتداول في الفضاءات العامة بمجلس النواب أو الحسابات الشخصية لتلك النخب يكشف هيمنة النزعة الاستبدادية الإقصائية لديها. فالكم الهائل من العنف اللفظي والفكري فاحت روائحه في كامل تراب البلاد التونسية. وأصبحت تلك الرائحة كالغاز السام الذي ينتشر في البلاد مهددا وحدتها وكيانها ومنذر بخرابها.

الاستبداد عقلية تحتاج لسنين كي تزول. ولا يمكن التحرر من هذه العقلية إلا عبر إصلاح شامل للمنظومة التربوية يحقق المصالحة بين الخصوصية الثقافية الوطنية والقيم الكونية الإنسانية التي يشترك فيها كل البشر مهما اختلفت رؤاهم للعالم

إن الديمقراطية عقلية وليست مجرد دساتير تكتب لتبقى حبرا على ورق. وما يتعرض له الدستور التونسي من تنكيل من قبل النخب السياسية، تجلى بصفة خاصة في عدم التصويت على أعضاء المحكمة الدستورية من 2014 إلى اليوم يؤكد بما لا يدع مجال للشك أن العقلية الاستبدادية هي المسيطرة والمهيمنة على تلك النخب التي لن تتوانى عن الكيد لبعضها البعض بكل الوسائل والطرق القذرة. إنهم لا يريدون انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية لأنها الضمان لاستقرار النظام الديمقراطي في تونس. إنها نخب مكيافلية الغاية عندها تبرر الوسيلة. غايتها الوحيدة العودة بالشعب لمربع الاستبداد نكاية في بعضها البعض ولعدم قدرة البعض منها على اقناع الشعب بالتفويض له عبر الانتخاب. لذلك هي مستعدة للتحالف مع الشيطان من أجل الاستحواذ على السلطة بالقوة. فهؤلاء ارتموا في حضن الثورة المضادة التي تتلاعب بهم كما تشاء وتسلطهم على من تشاء. إن من فتح الباب لتغلغل الثورة المضادة في جسم الديمقراطية التونسية إنما هو تلك النخب البائسة التي لو أمطرت عليها الحرية لوضعت المظلات.

 

إن الاستبداد عقلية تحتاج لسنين كي تزول. ولا يمكن التحرر من هذه العقلية إلا عبر إصلاح شامل للمنظومة التربوية يحقق المصالحة بين الخصوصية الثقافية الوطنية والقيم الكونية الإنسانية التي يشترك فيها كل البشر مهما اختلفت رؤاهم للعالم. إن هذا الإصلاح ضرورة وحتمية اجتماعية وثقافية ومعرفية ودونه لا يمكن إلا أن نغرق في الاستبداد من جديد. لقد حان الوقت لنعلم الأجيال القادمة سبل الانفتاح على بعضها البعض وطرق انفتاحها على غير المختلف والشبيه في آن واحد. فالحرية ممارسة وليست مجرد خطابات نظرية نخبوية مغلقة تبقى شعارات مرفوعة لا يقابلها تحرر في مستوى الواقع الفعلي للشعوب. إن المستبد أيضا يتحدث عن الحرية والكرامة حين يخطب لشعبه ولكن أية حرية؟ وأية كرامة؟ إنها حرية النخب الحاكمة على حساب الشعب الذي ينظر إليه كخادم مطيع لتلك النخب وإذا ما توهم أن القانون مساواة كان مصيره الطرد. إن الإصلاح هو السبيل الوحيد لبناء مجتمع ديمقراطي تترسخ فيه قيم الحرية والكرامة وتسوده المثل العليا الأخلاقية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة