رقيب عسكري وشعب يحاكم.. مصر في حكم العسكر

لم يكتف النظام المصري بتشديد قبضته الأمنية على كل حي داخل الجمهورية المصرية وخارجها، ولم يطمئن لإخفاء المعارضة ومحوها والتنكيل برموزها، واعتقال أفرادها، أو من يشتبه فيه بأنه جار لأحد المعارضين المحتملين. صحفيون ونشطاء وسياسيون وعسكريون ومواطنون يملؤون سجون مصر، والآلاف خارج الحدود في منفى اختياري، بديله زنزانة تضم بين جدرانها العشرات، وأحكام بالسجن والانتماء لجماعات إرهابية، وهناك حيث الظلام، يكون التنفس بحساب ونهايتك بغير حساب.

 

أقر عبد الفتاح السيسي، تعيين رقيبا عسكريا على كل محافظة، في خطوة جديدة ترسخ لحكم قمعي لم تعيشه مصر من قبل، وإيذانا بالوصول لاحقا إلى تعيين رقيبا على كل مواطن، وبذلك تكون الكلمات والهمسات والآراء والتحركات تحت سطوة الرقيب العسكري الذي يسمح أولا يسمح، يعطي أو يمنع، شيء شبيه بـ "القرين" – عفريت من الجن – ولكن بسلطات أوسع تصل إلى حد توجيه الاتهامات والدفع إلى ساحات المحاكم. يسعى النظام في مصر أن يجعل الجمهورية على غرار كوريا الشمالية، ولكن دون نهضة عسكرية تدفع دول عظمى للتفاوض حول ضرورة التخلي عن السلاح النووي "مثلا"، أو الصواريخ "البلاستيكية" – كما وصفها الرئيس العسكري- وكذلك دون شموخ وقوة الحاكم الذي لا يهاب ترامب ورفاقه.

 

الرقيب العسكري، جاء وفقا لتعديلات القانون رقم 165 لسنة 2020 القاضية بتعيين مستشار عسكري لكل محافظة ويكون المسؤول عن تعيينه وزير الدفاع شخصيا، بحسب ما نشرته الجريدة الرسمية، ووافق عليه مجلس النواب بأغلبية ساحقة، ضمن قرارات أخرى سحقت المواطنين ووافق عليها مجلس النواب دون اعتراض، حتى آخر لحظاته في المجلس في دور انعقاده الحالي. مهمة ذلك الرجل لا يستطيع مدني أن يفعلها فهي كمهنة رائد الفضاء، ولكن في مصر أي عسكري هو أسمى من نبي، قد يظنون ذلك، وهم مخطئون حقا، الرجل الذي سيختاره وزير الدفاع هو ممثل للوزارة وما أدراك، فهو كالمندوب السامي الذي استخدمته الإمبراطورية البريطانية كستارة للحكم غير المباشر.

 

الجميع منا يعلم أن مصر يحكمها نظام عسكري، ولا صوت فيها يعلو فوق صوت المعركة، تلك المعركة الوهمية التي نسجها الحاكم في مخيلته وبدأها قبل أن يحكم، أو بالأصح قبل أن يعتلي الحكم بشكل رسمي، فبدايته كانت بطلبه تفويض لمحاربة الإرهاب المحتمل، وتلك الكلمات كانت الأساس الذي بدأ به الحرب ضد المواطنين، ومنها تم تجريم المعارضة واعتقال الآلاف من المطالبين بالإصلاح.

ومن باب التواصل المجتمعي مع المواطنين وحل مشكلاتهم، والمساهمة في المتابعة الميدانية الدورية للخدمات المقدمة، والمشروعات الجاري تنفيذها، دخل المستشار العسكري، إلى سدة حكم كل المحافظات المصرية، وبذلك ينسب النجاح إلى المؤسسة العسكرية ورجالها الذين شغلوا أنفسهم بإرضاء المواطنين وحل أزماتهم!. أما الفشل فيتحمله المسؤول المدني (المحافظ) الذي لم يكن بالقدر الكافي من الكفاءة في خدمة الشعب لذلك أعطوه حاكما عسكريا يقوده ويقود المحافظة بمواطنيها، ويقيلوه في أول محطة تثبت فشلهم في إدارة الأمور.

 

"النجاح ينسب للعسكريين، والفشل للمدنيين"، عندما كتبت هذه الكلمات تذكرت زيارة الرئيس السيسي المصورة بـ"الصدفة"، لأحد مواقع الإنشاءات، وبعد أن وجد مخالفات في إجراءات السلامة للوقاية من فيروس كورونا، انفعل على الضابط المكلف وسأله قائلا: "فين المدني الي هنا"، باحثا عن شخص غير ذات قيمة ليوبخه ويصب جام غضبه عليه، فالمدني فقط يتحمل النتيجة عندما تتأزم الأمور وتفشل آليات التنفيذ، أما العسكري فهو صاحب كل نجاح.

 

ما بين ارتفاع الكهرباء وغلو أسعار تذاكر القطارات، وتحريك أسعار تذاكر المترو، تاه المواطن ولم يعد يهتم كثيرا بما يدور في أروقة السياسة، فكثير من البسطاء لم يهتم بحكاية المستشار العسكري، لأنه مشغول برغيف الخبز الذي فقد نحو 20 في المائة، من قيمته، ويتألم من ارتفاع تذاكر المترو التي ينفق عليها أكثر من نصف راتبه، ولكن ما خفف آلامه ودفعه للصبر، أن الحكومة شعرت به وأخبرته على لسان وزير النقل كامل الوزير، أن الرئيس السيسي نفسه دفع قيمة اشتراكه في مترو الأنفاق "مدى الحياة"، ورفض استلام الاشتراك قبل أن يسدد قيمته في خزينة الدولة، في رسالة للبسطاء "ادفع ولا تتذمر" فقد سبقك إلي الدفع فخامة الرئيس، وبسؤال بسيط لإدارة الاشتراكات عبر الهاتف، ستكتشف أنه لا وجود لما يسمى اشتراك مدى الحياة.

 

وبعد قرار مجلس إدارة الهيئة الوطنية للانتخابات برئاسة المستشار لاشين إبراهيم نائب رئيس محكمة النقض، بإحالة جميع الناخبين الذين تخلفوا عن التصويت في انتخابات مجلس الشيوخ، ويصل عددهم إلى 54 مليون مواطن، إلى النيابة العامة لاتخاذ شئونها، وتحصيل الغرامة المقررة سلفا، يتضح لنا جليا أن ذلك النظام لا يرى في المواطنين سوى مصدر دخل دون أي التزامات تجاهه وأسرته ومستقبل أجياله. بل يبحث بدقة عن آليات مبتكرة يجمع بها الأموال ويسدد من خلالها التزاماته الداخلية والخارجية وقروضه التي لا تتوقف، ومشاريعه التي تخص فئات محددة، لا تضم طبقات الشعب الكادحة.

 

أبرز وأحدث مثال على ذلك بخلاف، قرار اللجنة العليا للانتخابات، هو موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون، ينص على فرض غرامة سنوية على الراسبين في الجامعات المصرية والمعاهد، تصل إلى 12 ألف جنيه سنويا، وذلك مقابل الخدمات التعليمية ودخول الامتحانات في دور الإعادة، وغفل ذلك النظام الذي سيذكره التاريخ بكل شر، أن هناك أسر تستدين لإرسال أبنائها إلى الجامعة، وتنتظر العام تلو العام ليتحملوا معهم المسؤولية بعد تكبدت الكثير حتى يحمل الابن أو الابنة شهادة جامعية تساعد في مواجهة الحياة.

 

يبحث النظام عن موارد مالية يعزز بها ميزانيته، وينفض عن كاهله عبء ميزانية التعليم العالي، وغفل البحث عن آليات يطور بها المنظومة التعليمية في مصر، والتي احتلت مراتب متأخرة جدا في التصنيفات العالمية، جعل عديد من دول العالم، لا تعترف بشهادات خريجيها، الذين يجدون أنفسهم في معركة جديدة مع سوق العمل.

 

يبدو أن الأجيال القدمة ستدفع ثمنا باهظا أضعاف ما ندفعه الآن، فغياب الرؤية أصبح ممنهجا، ولم يعد هناك أمل في وجود حكومة قادرة على تخفيف معاناة المواطنين على الأقل خلال العقد المقبل، لا سيما وأن جميع المسؤولين يتبارون لرفع إيرادات الدولة على حساب البسطاء، والحجة في النهاية أن الدعم يرهق الميزانية.. ومن أين تأتي الحكومة بكل هذه الأموال، والإجابة بسيطة ولا تحتاج إلى تعقيدات فلسفية "ابحثوا عنها في جيوب المسؤولين".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة