العمران والفنون في الأندلس في عصر الولاة

Omran Abdullah - رثى ابن شهيد الأندلسي جامع قرطبة الذي تحول لكاتدرائية قائلاً فلمثل قرطبة يقل بكاء من يبكي بعين دمعها متفجر (غيتي/الفرنسية) - معدل: مراثي العرب وتقاليد الرثاء والندب في المشرق العربي.. قديماً وحديثًا

يبدأ عصر الولاة في الأندلس، من تاريخ مغادرة القائدين الفاتحين موسى بن نصير وطارق بن زياد لهذه الولاية، بعد اكتمال الفتح، وذهابهما إلى الشام، وذلك في ذي الحجة سنة 95هـ، وينتهي بميلاد الدولة الأموية على يد الفتى الأموي الطريد عبد الرحمن بن معاوية، المعروف بالداخل، وذلك في يوم عيد الأضحى سنة 138هـ، حيث امتد هذا العصر لمدة 42 عاما.

أبرز الانجازات في عصر الولاة

وبرغم أن هذا العصر كان مرحلة انتقالية، من العهد القديم، وهو عهد سيطرة القوط الغربيين، إلى العهد الجديد، وهو عهد سيادة الفتح الإسلامي، فقد حدثت فيه، إنجازات كبيرة، ومتعددة، وذلك قبل اندلاع الفتن الأهلية بين المسلمين، في الثلث الأخير منه، كالفتنة بين العرب والبربر، والفتنة بين الشاميين والبلديين، والفتنة بين المضرية واليمانية.

 

1. فقد افتتح المسلمون الأندلس خلال هذه الفترة من أقصاها إلى أقصاها، وافتتحوا بنبلونة في أقصى شمالي جليقية، ولم يبق إلا الصخرة، التي تركوها احتقارا لشأن من تحصن بها. واستمرت عمليات الجهاد لنشر الإسلام، في العمق الأوروبي، فافتتحت نربونة، من أرض الفرنجة، وصارت قاعدة للفتوحات خلف جبال البرت، وكسب المسلمون خلال هذه الفترة، انتصارات كبيرة تضيف صفحات كثيرة، إلى سجل الفتوح الإسلامية.

 

2. تصدى المسلمون الفاتحون، لإرساء قواعد الإدارة السليمة، وقاموا بالإصلاحات الضرورية، وأعادوا للبلاد وحدتها التنظيمية، في خطوطها العريضة، بعد أن تلاشت مع انهيار السلطة القوطية، وانشئت شبكة إدارية، على أسس عسكرية مناسبة، تشمل الجزيرة كلها تقريبا.

حديقة على الطراز الأندلسي تزين العاصمة برلين

3. اتسم هذا العصر بتحسّن الحالة الاجتماعية، والاقتصادية، لسكان هذه الولاية، والذين كانوا في حالة مزرية تحت سيطرة القوط والكنيسة الكاثوليكية، فإنهم احتفظوا بمعظم أملاكهم، بل أصبح لهم الحق في التصرف فيها بالبيع، وهو حق كان محرما عليهم أيام القوط. وكان هذا العصر نقطة البداية في عملية غرس الحضارة العربية الإسلامية، في هذا القطر الواسع.

 

4. ظهرت خلال هذا العصر شخصيات أوتيت نظرا سليما في مسائل الحكم والإدارة والتعمير واستطاعت بحكمتها وإخلاصها للإسلام، أن تبني الدول، وتوسع العمران، وتهيئ أرضية سياسية خصبة لمن يأتي بعدها. ومن تلك الشخصيات السمح بن مالك الخولاني، وعنبسة بن سحيم الكلبي، وعبد الرحمن الغافقي، وعقبة بن الحجاج السلولي.

مساجد الأندلس في عصر الولاة

وكانت المساجد من أهم المنشآت العمرانية في هذا العصر، فقد كان أول شيء أقامه موسى بن نصير لدى عبوره إلى الأندلس، في رمضان 93هـ، مسجد الرايات، في الجزيرة الخضراء، وذلك في المكان الذي اجتمعت فيه رايات القوم للتشاور. ثم تتابع إنشاء المساجد، بعد اكتمال الفتح، فكان منها مسجد قرطبة، حيث شاطر المسلمون الفاتحون النصارى فيها، كنيستهم العظمي، فبنوا في شطرهم مسجداً جامعا متواضعا، تولى التابعيان الجليلان حنش الصنعاني، وأبوعبد الرحمن الحُبلي، تأسيسه وتجديده بالبناء وتقويم محرابه بأيديهم، وبقي الشطر الآخر للنصارى، قبل أن يقوم الأمير عبد الرحمن الداخل (138-172)، باستملاك الكنيسة كلها، بتعويض دفعه للنصارى، وبالتالي، إقامة مسجده الجامع محلها. وهو الجامع الذي تحول إلى أعظم جامع في العالم الإسلامي. ومسجد إلبيرة الجامع، بجنوب الأندلس، وهو من تأسيس التابعي حنش الصنعاني، وقد أعاد الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (238-273)، بناءه على تأسيسه الأول، سنة 250ه.

 

وكان لهذا المسجد نشاط علمي واسع، حتى عهد الفتنة، وخراب إلبيرة، في نهاية الخلافة الأموية بالأندلس. ومسجد سرقسطة الكبير، بشمالي الأندلس، وكان حنش الصنعاني، هو الذي أسسه، ونصب محرابه، وهو الجامع الذي عُرف، باسم "الجامع الأبيض"، وقد أعاد الأمير محمد، تجديد بنائه وتوسيعه على تأسيسه الأول أيضا. وظل هذا المسجد من أهم المنارات الإسلامية في سرقسطة، حتى سقوط علم دولة الإسلام عنها. وفي سرقسطة مات حنش الصنعاني، الذي يصفه البعض بمهندس المساجد في الغرب الإسلامي، سنة100هـ/ 718. ومسجد رفينة في أشبيلية، وهو من تأسيس عبد العزيز بن موسى بن نصير، أول ولاة الأندلس (95-97هـ). غير أن المساجد التي أنشأت في هذه الفترة المبكرة، تميزت بالبساطة والبعد عن التعقيد، لكون هذه الفترة، كانت فترة تأسيس وفتوحات. وكانت، بجانب وظيفتها كمكان للعبادة، أماكن للتعليم، وبخاصة علوم الشريعة وعلم اللغة، وكانت نواة للمدارس الأندلسية.

midan - الأندلس

تشييد قنطرة قرطبة وترميم أسوارها الغربية

ومن الأعمال العمرانية البارزة في هذا العصر، إعادة تشييد قنطرة قرطبة، على نهر الوادي الكبير، تلك القنطرة، التي امتدت كجسر بين الضفة الشمالية للنهر، حيث العاصمة قرطبة، وبين ضفته الجنوبية المعروفة بالربض، وقد بادر المسلمون بإعادة تشييدها من حجارة سور المدينة، نظرا لأهميتها الحيوية في الربط بين شمال الأندلس وجنوبه. وكان ذلك في ولاية السمح بن مالك الخولاني (100-102هـ)، بعد مشاورة الخليفة عمر بن عبد العزيز. وكانت هذه القنطرة أول منشأة عمرانية يقيمها المسلمون في الأندلس، بعد الفتح، فكانت، بالتالي، أول حدث معماري في تاريخ العمارة الإسلامية بالأندلس، وكانت المنشأة العمرانية المدنية الوحيدة التي أنشئت في عصر الولاة، وكانت، ولا تزال، أحد المعالم البارزة في قرطبة، وكانت من العوامل الهامة في التطور الحضاري والعمراني، الذي شهدته الحاضرة الأندلسية، طوال عصرها الإسلامي، وكانت شاهدا على العديد من الأحداث الاجتماعية والسياسية، التي حدثت في قرطبة.

 

وقد ارتبط اسمها باسم بانيها الأول بعد الفتح الإسلامي، وهو السمح بن مالك الخولاني. وهي لم تكن وسيلة للعبور السريع والآمن والفعال، فحسب، وإنما تطورت وظيفتها مع تعاقب الإصلاحات عليها، وكانت من الجمال والبهاء، بحيث صارت متنزها لأهل قرطبة. كما قام السمح بن مالك، بترميم الثغرات التي كانت في سور قرطبة الغربي، وذلك باستخدام مادة اللبن أو الآجر، الذي يصنع عن طريق حرق الطين، وكان استخدامها في البناء شائعا حينذاك، حتى في بناء وترميم الأسوار، وإن كانت أقل متانة من الحجر.

القلاع الحصون والأبراج

ومن أهمها قلعة أيوب في جنوبي سرقسطة، والتي تنسب لأيوب بن حبيب اللخمي أمير الأندلس، سنة 97هـ. وقال المسشترق الفرنسي رينو: جاء في كتب العرب كلام على الأربطة والمراقب التي شادها الأمير عقبة بن الحجاج السلولي، في جنوب فرنسة، سنة 734. وقد ذكر أيزيدور الباجي، أن السمح بن مالك الخولاني، الذي تولى قبل عقبة، إمارة الأندلس، بنى جانبا من هذه الأبراج. لكن رينو استدرك: ولكننا لا نعلم لماذا ينسبون هذه الأبراج كلها للعرب ولماذا لا يجوز أن يكون أهل البلاد أنفسهم هم الذين بنوها، أو بنوا بعضها. وعلق أرسلان على رينو فقال: يجوز أن يكون الأفرنج قد بنوا شيئا من هذه الأبراج في سواحلهم، ولكن مما لا مشاحة فيه أن الأبراج التي في جميع سواحل الأندلس.. كانت من بناء العرب وإن عادة إيقاد النيران في الأبراج إيذانا بالحرب ومدا للصريخ، إنما هي عادة في الغالب عربية. وكان العرب في أوائل الفتح الإسلامي نشروا هذا النمط من الأبراج النارية من الإسكندرية إلى طنجة، فكانت إذا وقعت واقعة ذات بال، أوقدت النيران من طنجة، ولا تزال من برج إلى برج، حتى يبلغ ذلك الإسكندرية، في الليلة الواحدة. وتحدث أرسلان عن بلدة يقال لها القصر، في جبال البرت، ثم قال: ولا تزال في هذه البلدة آثار من زمن العرب، وقد قرأت أنه في القرن التاسع، كان للعرب مسلحة في هذه البلدة، ومنها كانوا يحرسون معابر جبال البرانس، وكانوا قد جعلوا محارس على القمم المشرفة على تلك المعابر، وهي أبراج، كل منها يقابل أخاه، فإذا أحسوا عدوا، أوقدوا النيران، من برج إلى برج.

تعريب النقـود أو السكة

ومن مظاهر انتشار التعريب والفنون في الأندلس، في هذا العصر، تعريب النقود أو السكة. ويمكن القول أن ضرب النقود، على الطراز العربي الإسلامي، قد استكملت في ولاية السمح بن مالك، وذلك بعد أن كان القائد موسى بن نصير، قد دشن هذه العملية، بعد الفتح، بضرب عملة ذهبية وأخرى برونزية في دار السكة القوطية بطليطلة، لصرف رواتب الجند. وقد ظهر في عهد السمح، أول دينار عربي معرّب بالأندلس. وكانت النقود قبل ذلك، تظهر منقوشة بحروف لا تينية، وتحمل بقايا شارات مسيحية، فكان يشار إلى دار السك على وجه القطعة بحروف لا تينية SPAN. فتم التخلص من ذلك نهائيا. "وقد كانت أولى القطع النقدية الإسلامية المسكوكة في اسبانيا، في السنوات الأولى للفتح.. مكتوبة باللاتينية أولا عام 93هـ، وكذلك عام 94هـ، ثم أصبحت بلغتين عام 98هـ، وأخيرا أصبحت بالعربية، ابتداء من 102هـ، ويظهر الاسمان المتنازعان في الكتابة المزدوجة اللغة "سبانيا" في النص اللاتيني و" الأندلس" بالعربية، ليدلا على الواقع نفسه، ثم تغلبت الأخيرة، أي الأندلس، بعد ذلك، بصفة نهائية". " وقد اتفق مؤرخو الفنون استناداً إلى ما وصل إليهم، من العملات النقدية الأندلسية، أنها اتجهت إلى التعريب الكامل، منذ سنة 102ه، شأنها في ذلك شأن السكة المضروبة، في أفريقية. وقد ظهر أول دينار عربي معرب سنة 102هـ، في ولاية السمح بن مالك الخولاني".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة