محمد قدري باشا أول من قنن الشريعة الإسلامية ووضع الدستور

يمثل محمد قدري باشا ١٨٢١- ١٨٨٦ قيمة مهمة في التاريخ العربي الحديث، فهو في مجال التشريع الحديث الرمز الأول لتحقيق النجاح في العمل الدائب من أجل تطوير التراث بما بتواءم مع طبيعة العصر وروحه، وقد أنجز هذا الهدف الكبير من خلال ما سمي تقنين مبادئ الشريعة الإسلامية ووضعها في صورة القانون والتشريعات الحديثة، ولم يكن هذا العمل بالسهل. وبالإضافة إلى هذا فقد كان نموذجاً فذاً للمشرعين الوطنيين الذين أسهموا في صياغة التشريعات المدنية، وقد تعاون مع شريف باشا في وضع أول دستور لمصر، ولاشك في أن قدري باشا كانت له يد طولي في صياغة مواد هذا الدستور الأول الذي جاء نتيجة لثورة الشعب ضد الاستبداد، وقد جمعت توجهاته الحاكمة لصياغاته بين الإيمان بالحرية، والإيمان بالتقدم، وكان هو نفسه صورة من صور رواد النهضة التي تجلت من قبله في أستاذه الشيخ رفاعة الطهطاوي.

نشأته وتكوينه

ولد محمد قدري باشا في ملوي بالمنيا سنة 1821 وكان والده قدري أغا أناضولياً، وكان أحد موظفي الدولة المرتبطين بمحمد على باشا، وتلقي تعليمه الأولي في مدرسة صغيرة بملوي، وفي هذه المدينة حفظ سور القرآن في الكتاب، وتلقي الدروس في المدرسة التي كان يطلق عليها اسم «مكتب ملوي» وكان تلاميذها يختارون من أبناء بعض السادة، ثم بعث به والده إلى القاهرة لاستكمال تعليمه فالتحق بمدرسة الألسن حين كان ناظرها رفاعة بك الطهطاوي، وأتم بها دراسته، فظهر نبوغه وميله إلى العلم والترجمة، وقد أتقن اللغة الفرنسية إتقاناً كاملاً إلى جانب إتقانه اللغة العربية، وبعد تخرجه عينه رفاعة بك الطهطاوي مدرساً مساعداً بالمدرسة.

هوايته لدراسة الشريعة

أحس محمد قدري في نفسه نزعة إلى دراسة علوم الفقه والمقارنة بين القوانين الأوروبية والشريعة الإسلامية، وأحس في نفسه حاجة إلى الاستزادة من علوم الشريعة في مدرستها الكبرى في الأزهر الشريف، فكان يحضر بعض دروس الفقه في الأزهر بعد تخرجه وعمله، وتتلمذ لكبار المشايخ الأزهريين في عصره، كما كان حريصاً على مطالعة كتب الشريعة، وأصبح نموذجا مبكرا لأمثالنا ممن يساعدهم السماع والاطلاع والدراسة الحرة على الإلمام بعلوم الشريعة إلماماً ذكياً وعميقا، وعلى دراسة الشريعة الإسلامية بعقلية جديدة تختلف عن عقلية أسلافه الذين كانوا يدرسونها من قبل أن يدرسوا أحوال القوانين الحديثة، ومفاهيمها، وأعانه هذا فيما بعد على تأليف كتبه الشهيرة التي قرب فيها أحكام الفقه الإسلامي من العقلية العصرية بعبارات بسيطة، وصياغات ذكية. اختير محمد قدري باشا سكرتيراً لشريف باشا الذي عين والياً على الشام بعد انتصارات إبراهيم باشا ابن محمد على في الشام، وفي أثناء إقامته في الشام سافر محمد قدري إلى الآستانة وأفاد من رحلاته كثيراً، وقد عهد إليه بعد عودته من الشام بتدريس اللغتين العربية والتركية بمدرسة الأمير مصطفي فاضل باشا، ثم اختاره الخديو إسماعيل مربياً لولي عهده أي للخديو توفيق، وعين بعد ذلك رئيساً لقلم الترجمة بديوان الخارجية.

سنحت لقدري باشا فرصة مبكرة لإثبات موهبته عندما كلف الخديو إسماعيل رفاعة الطهطاوي بترجمة قانون نابليون الذي اشتهر في عالم القانون باسم «الكود»

دراسته المقارنة للغات الثلاث

في أثناء اشتغاله بالتدريس ألف محمد قدري كتبا كثيرة قيمة في اللغة العربية وقواعدها ومفرداتها ومقارنتها بالفرنسية والتركية اللتين تمكن منهما حتى استطاع أن يؤلف بهما.

عقلية الجامعي الباحث

والواقع أن محمد قدري كان نموذجاً مبكراً للجامعي الباحث المكتمل التكوين، القادر على الإفادة من الاحتكاك الإيجابي بما لم يدرسه بفضل ما درسه، ومع أنه لم يدرس في معهد يحمل اسما جامعيا فإن مدرسة الألسن في ذاك الوقت كانت قد صاغت مناهجها بفضل رفاعة بك على طريقة تجعلها أشبه بجامعة صغيرة تضم دراسات متعددة تحت عنوان الترجمة، وتتفرع لتؤدي أدوار كليات الآداب والحقوق والتجارة والاقتصاد والعلوم السياسية في آن واحد! وقد نبغ من تلاميذ هذه المدرسة كثيرون يكفي أن يكون قدري نفسه واحداً منهم، ويكفي أن يكون منهم على سبيل المثال على الطرف الآخر: الرائد الحقيقي للمسرح المصري محمد عثمان جلال ١٨٢٨- ١٨٨٩ مترجم روايات موليير.

ترجمة قانون نابليون

وقد سنحت لقدري باشا فرصة مبكرة لإثبات موهبته عندما كلف الخديو إسماعيل رفاعة الطهطاوي بترجمة قانون نابليون الذي اشتهر في عالم القانون باسم «الكود»، لم يجد رفاعة أحدا يعاونه في الترجمة خيراً من تلميذه محمد قدري القانوني الضليع، وكان قد تولي قبل هذه الأثناء ترجمة عدد كبير من الأعمال القيمة مثل كتاب «معلومات جغرافية» الذي نشره سنة 1869.

ترجمة قوانين المحاكم المختلطة

في مرحلة تالية ثم تولي محمد قدري باشا ترجمة قوانين المحاكم المختلطة تمهيدا لوضع قوانين المحاكم الأهلية الجديدة التي أراد الخديو إسماعيل أن يجعلها مكملة للمحاكم المختلطة بعد أن وجد أن القضاء الشرعي الذي كان لايزال خاضعاً لنظام الدولة العثمانية لا يمكن أن يساير التفرنج الذي كان الخديو إسماعيل يسعى اليه بخطوات واسعة، وهكذا توصل الخديو إسماعيل إلى ذلك القرار الكارثي الذي جعل المحاكم الشرعية تقتصر على قضايا الأوقاف والأحوال الشخصية، وبدأ في العمل على إيجاد قضاء أهلي بعيد عن القضاء الشرعي.

عُني محمد قدري باشا في أثناء توليه وزارة الحقانية بوضع القوانين للمحاكم الأهلية (التي تم إنشاؤها سنة 1882)، وكان هو صاحب الدعوة إلى التمهيد لذلك العمل التشريعي الكارثي الذي كانت الحكومة المصرية قد بدأت تفكر فيه

مستشاراً في المحكمة المختلطة

عين محمد قدري باشا مستشاراً في محكمة الاستئناف المختلطة، وهو منصب كبير يجعله مساوياً للمستشارين الأجانب الذين استقدمهم الخديو إسماعيل من أوروبا لتولي مناصب القضاء في المحاكم المختلطة. هكذا فإنه منذ منتصف السبعينيات من القرن التاسع عشر (1875) عمل قدري مستشاراً بمحاكم الاستئناف المختلطة، وظل بمنصبه حتى اختاره الخديو توفيق وزيراً للحقانية في نظارة شريف باشا في سبتمبر 1881 (وهي التي تسمي بالوزارة الدستورية)، وظل يشغل هذا المنصب حتى نهاية عهد هذه الوزارة في فبراير 1882. دخل قدري باشا الوزارة مرة ثانية وزيراً للمعارف في مايو 1883 في أثناء وزارة شريف باشا الرابعة، وبقي إلى نهاية عهد هذه الوزارة في يناير 1884، وهي الوزارة التي استقالت احتجاجا على قرار الخديو توفيق باخلاء السودان لبريطانيا في أثناء ثوة المهدي.

قوانين للمحاكم الأهلية

عُني محمد قدري باشا في أثناء توليه وزارة الحقانية بوضع القوانين للمحاكم الأهلية (التي تم إنشاؤها سنة 1882)، وكان هو صاحب الدعوة إلى التمهيد لذلك العمل التشريعي الكارثي الذي كانت الحكومة المصرية قد بدأت تفكر فيه، بإيجاد الازدواجية بين المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية، كما وضع ترجمات للقانون المدني الفرنسي، وكذلك القانون الجنائي الفرنسي.  وكذلك وضع محمد قدري باشا بحوثاً في المقارنات بين أحكام الشرع والقانون المدني الفرنسي، واشترك بنفسه في وضع القانون المدني، وقانون تحقيق الجنايات، والقانون التجاري، ويذكر له أن لائحة ترتيب المحاكم الأهلية صدرت في عهده، وعندما أحيل إلى المعاش أصدر خلفه فخري باشا وزير الحقانية القوانين التي وضعها .

توجهاته الدستورية

لعل مواد الدستور الذي شارك محمد قدري باشا في وضعه ١٨٨٢ باسم اللائحة الأساسية تعطينا فكرة عن مدي إيمان بالديمقراطية، وقد سجل محمد قدري هذه المواد في لائحة مجلس النواب، وهي تمثل فكرة وإيمانه بالحرية في مواجهة الاستبداد، وإيمانه الحث بالوطنية التي جعلت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة.

ـ النواب مطلقو الحرية في إجراء وظائفهم وليسوا مرتبطين بأوامر أو تعليمات تصدر لهم تخل باستقلال آرائهم، ولا بود أو وعيد يوجه إليهم.

ـ لا يجوز التعرض للنواب بوجه عام، وإذا وقعت من أحدهم جناية أو جنحة مدة انعقاد المجلس فلا يجوز القبض عليه إلا بمقتضي إذن من المجلس.

ـ كل نائب يعتبر وكيلاً عن عموم الأمة المصرية لا عن الجهة التي انتخبته فقط.

ـ اللغة الرسمية التي تستعمل في المجلس هي اللغة العربية، وتحرير المحاضر والملحقات يكون بتلك اللغة.

ـ لا يسوغ لأحد النواب أن يستنيب عنه غيره لإبداء رأيه.

ـ يجوز لكل مصري أن يقدم للمجلس عرضا (المقصود هو ما نعرفه الآن باسم الاقتراح)، وهذا العرض يحال النظر فيه إلى لجنة من المجلس لتحكم بدرجة اعتباره وهل يقبل أم يرفض، وإذا كان العرض متعلقا بالحقوق الشخصية وتبين بالبحث أن مقدمه لم يسبق له تقديمه إلى المأمور (المقصود هو ما نعرفه الآن باسم االمسئول)، المتعلق به ذلك الطلب أو إلى اللجنة التابع لها ذلك المأمور، فإنه يرفض رأسا.

 كان الدكتور محمد حسين هيكل باشا أول مَنْ تحدث عن قدري باشا بما يستحقه من تقدير عميق، وذلك في كتابه «تراجم مصرية وغربية».

مواهبه الفنية

كان قدري باشا شاعراً، وقد ترك ديوان شعر مخطوطاً، وكان محبا للموسيقي كهواية، يشتغل بها ويستعين بها على أداء واجباته المرهقة المضنية. في أخريات أيامه فقد قدري باشا بصره الذي اشتهر بحدته بسبب كثرة تأليفه وإغراقه في المطالعة، وبذل الجهد الضخم في هذا السبيل، غير أن فقد بصره وإخفاق علاجه في النمسا لم يمنعه من الاستمرار في رسالة التأليف التي هيأ بها لأمته معيناً ضخماً من المعرفة القانونية واللغوية.

وفاته

توفي محمد قدري باشا في 20 نوفمبر سنة 1886.

تكريمه

كان الدكتور محمد حسين هيكل باشا أول مَنْ تحدث عن قدري باشا بما يستحقه من تقدير عميق، وذلك في كتابه «تراجم مصرية وغربية».

موسوعته ذات الكتب الثلاثة

● الأول: «مرشد الحيران في المعاملات الشرعية»، وهذا الكتاب يضم المواد القانونية في المعاملات المدنية والشرعية على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة، وقد أجازه شيخ الجامع الأزهر، واعترف به كبار علماء الشريعة بعد دراسات عميقة، وهوأول كتاب وضع الفقه في مواد قانونية، وهو ول كتبه الثلاثة الخالدة التي جمع فيها الشريعة الإسلامية، وصاغها في مواد على أسلوب «قانون بونابرت»، الذي كان قد شارك أستاذه رفاعة في ترجمته إلى اللغة العربية.

● الثاني: «الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية».

● الثالث: «قانون العدل والإنصاف في مشكلات الأوقاف».

آثاره الأخرى

● «معلومات جغرافية مصحوبة بنبذات تاريخية».

● «الدر المنتخب من لغات الفرنسيين والعثمانيين والعرب».

● «مفردات في علم النباتات».

● «الدر النفيس في لغات العرب والفرنسيس».

● «قطر أنداء الديم»، في الأدب.

وله من المخطوطات:

«تطبيق ما وجد في القانون المدني موافقا لمذهب أبي حنيفة».

«ديوان شعر».

«قانون الجنايات والحدود».



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة