ما آخر مقال قرأته؟

عادة لا يطرح هكذا سؤال؛ فالغالب سؤال: ما آخر كتاب قرأته؟ وفي عصر الصورة والميديا: ما آخر الأفلام والمرئيات التي شاهدتها وتابعتها؟ ولا يسأل عن المقالات التي يقرؤها المرء نوعا أو كمّا، ربما لأن المقال أو المقالة حجمه أصغر من أن يسأل عنه، لدرجة أن القارئ لن يتذكره.

 

خلال مراحل العمر المختلفة قرأت عددا كبيرا من المقالات المختلفة، لكتبة متنوعين في أفكارهم وجنسياتهم وطبيعة المواضيع التي يكتبون عنها، وفي أيام انتعاش الصحافة الورقية كنت حريصا على قراءة مقالات كتبة بعينهم، وكنت أنتظر مقالات دورية لبعض الكتبة، إما بدافع الإعجاب والتمتع بالأسلوب أو التأثر بالأفكار، التي قد تجدها تعبر عما يدور في داخلك، وإما لوجود معلومات في تلك المقالات، ومع تطور التقنيات وتراجع الصحافة الورقية، ووجود المواقع الإلكترونية، فقد واصلت هذه القراءات بفارق إضافة كتبة إلى قائمة القراءة، وحذف آخرين ربما، مع قراءة مقالات ربما يلفت نظرك عنوانها، أو هذا العنوان هو من اهتماماتك.

 

ويضاف إلى عملية البحث والتصفح للمقالات على الشبكة العنكبوتية، ما يصلك من مقالات مختلفة تملأ صندوق الوارد في بريدك الإلكتروني(الإيميل) وحافظات المراسلات في مواقع التواصل، وهذا يجعل أمامك تلالا من المقالات المختلفة، والتي قد لا تجد وقتا لقراءة معظمها، ولذا حرصت على الغربلة؛ فهناك ما أحذفه دون أن أكلف نفسي مجرد قراءة أول سطر منه، وهناك ما أقوم بقراءته بطريقة سريعة أو تلخيصية (قراءة المقدمة وبضعة أسطر من الوسط وقراءة آخر فقرة) وهناك ما أحرص على قراءته باهتمام وتمعن كلمة كلمة وقد أعيد قراءته أكثر من مرة، وقد أتأخر وأعمد إلى التأجيل مما يزيد تراكم المقالات أمامي.

وأعلم أن هناك من لا يقرأ المقالات إطلاقا لأنه يرى أن قراءة الكتب مجدية أكثر؛ ولكن لم لا تقرأ الكتب والمقالات؟ خاصة أن هناك مقالات سكب فيها الكاتب عصارة أفكار مجموعة من الكتب لتخرج هكذا، ولكن هناك مقالات كثيرة في هذا الزمن، تطفح بمعلومات تناقض أبسط الحقائق، وتفيض منها أخطاء إملائية ونحوية تصيب قارئها بغيظ وغضب، فهذا يزهّد القارئ بقراءة المقالات، ولكن في زمننا فإن كثيرا من الكتب لا تسلم من هذه الآفات، وهناك كتب أشعر بالندم لإضاعة وقتي في قراءتها، يتخلله استهجان أنها وجدت دار نشر تطبعها.

 

ولكن هل العلاقة بين الكتب والمقالات انفصالية بالضرورة؟ كلا بالطبع فهناك كتب قيمة هي أساسا مقالات نشرت في صحف أو مجلات ثم قام الكاتب بتجميعها في كتاب تجميعا بناء على الذائقة أو المواضيع أو كيفما اتفق، وهذا حال أمثال مصطفى لطفي المنفلوطي(ت 1924م) ومصطفى صادق الرافعي(ت 1937م) وغيرهما، ولكن أنت أمام مقالات أمثال هؤلاء تدخل مدرسة كاملة، حيث لا مكان لعوج في الإملاء، ولا محل للّحن المنفر، وتدخل عالما يسوده الجمال والخيال والفرح والحزن والغضب والحب، وتفتح نوافذ التفكير، مع توظيف ذكي رائع للملعومات المختلفة؛ الدينية والتاريخية والاجتماعية، فتلك مقالات رائعة، زادها التموضع بين دفتي كتاب روعة…وقلّما تجد مثل بعض من روعتها في هذا الزمن.

 

وقد تجد كتابا هو عبارة عن مقالة طويلة، طبعت صفحاتها الكثيرة تحت وسم كتاب منشور، وهذا النمط موجود عند الكتبة من الأمم الأخرى أكثر من العرب، أو هكذا يبدو لي، ولو سألتني ما آخر مقال قرأت؟ يمكنك أن تجد الإجابة ذاتها لسؤال(ما آخر كتاب قرأته؟) أي المقالات المجموعة بين دفتي كتاب يحمل عنوانا ما، وبالمناسبة فإن بعض الكتبة قد يكتب مقالات لا ينشرها في صحف أو مواقع بل يخرجها دفعة واحدة في كتاب، ولكن هذا لا يخرج عن فكرة شكل الكتاب الذي هو عبارة عن مجموعة مقالات قصيرة أو متوسطة وأحيانا طويلة نسبيا.

 

لو سألتني فإنني في الأسبوعين الماضيين فرغت من قراءة كتابين من هذه الشاكلة وهما (بصبحة كوب من الشاي) الصادر عن دار(كتّاب للنشر والتوزيع) (ط1، 2014) للطبيب والكاتب والمهتم بشؤون عالم القراءة والتنمية البشرية (د.ساجد العبدلي) من الكويت؛ حيث يرى الكاتب أنه(ليس هناك أجمل من كوب شاي تتناوله بصحبة من تحب) كما هي ترويسة غلاف الكتاب المذكور، وقد أوضح الكاتب عشقه الشديد وعلاقته الوطيدة مع الشاي، لدرجة أن آخر فصول الكتاب هو استعراض لتاريخ الشاي وتصنيعه وعدة أمور ومعلومات مرتبطة بهذا النبات/المشروب، علما بأن العبد الفقير ليس من عشاق الشاي ويشربه بكميات قليلة غير يومية عادة، كما أن ارتباط الكتاب والكتابة والقراءة بالقهوة أكثر من الشاي، مع أن هناك من يقول متهكمّا يمكنك أن تقرأ أو تكتب وأنت تحتسي كوبا من المرق أو اللبن الرائب…ولكن هذه أذواق وأرى في القهوة أفضلية على الشاي خاصة مع عوالم القراءة والكتابة، بعكس صاحبنا د.ساجد العبدلي، وبعيدا عن الشاي، فإن مقالات الكتاب كتبت بطريقة مبسطة وعالجت عدة أمور من وجهة نظر متفكرة متعمقة من الكاتب، وظهر اعتزاز الكاتب بثقافته الإسلامية، وقدم مجموعة مختلفة من النصائح والأفكار الممزوجة بخواطره وخلاصة تجاربه الثرية، وهو يحتسي أكواب الشاي.

أما الكتاب الثاني فهو (حبر على ورق) للكاتب اللبناني(مارون عبود، ت1962م) وللصدفة فقد كنت في صفحات الكتاب الأخيرة حين وقعت فاجعة انفجار مرفأ بيروت؛ ومارون عبود هو من أولئك الكتبة غير المتغرّبين من العرب غير المسلمين، ويقال أنه أطلق على ولده اسم(محمد) وهذا شيء ليس واردا عند غير المسلمين، وقد حملت مقالات الكتاب نقدا لأحوال المجتمع وثقافته وعاداته، مع نقد لاذع لأحوال الحياة السياسية في لبنان، لدرجة تجعلك تقول:ما أشبه اليوم بالأمس، وقد وجه نقدا وعتبا على قلة الاهتمام في زمنه بالمناطق خارج العاصمة بيروت، وانتقد النواب والحكومة…وإن كان الكتاب قد حمل في بعض مقالاته ما يتناقض مع عقيدتي الإسلامية، ولكنه غالبا كان يستحضر قصصا من الأدب العربي في عصور ازدهاره ومرويات إسلامية من مصادرها.

 

لكل ذوقه ومزاجه واهتماماته، وبالتالي أنا حذر من دعوتك إلى قراءة الكتابين أعلاه، ولكن أنا واثق أنك ستجد في كل منهما على الأقل مقالا فأكثر مما تهتم به ومما سيعجبك، فإن رغبت فدونك الفهرس، إذا لم تكن تريد أن تفعل ما فعلته أنا بقراءة الكتابين من أول صفحة حتى آخر صفحة، وأعلم أن حديثي أعلاه يبدو خارج العصر ومعاكسة لمزاج غالبية الناس، الذين يميلون إلى التغريدات القصيرة على تويتر أو المنشورات ذات السطر والسطرين على فيسبوك، وقد استغنوا بها عن المقالات بله الكتب، وطغت الصورة والميديا على النصوص المرقومة لما لها من جاذبية لا تقاوم، وما فيها من راحة مقارنة مع صار يُرى سطورا كئيبة، يمكن أن يستغني المرء عن عشرات الآلاف منها بمقطع فيديو.

 

ولن أزعم أنني لم أتأثر بهذه الظاهرة، وأنني بعيد عن الكسل والفتور تجاه قراءة الكتب والمقالات، ولكن الأمر ليس متعة –في هذا الظرف والزمن-بقدر ما هو مجاهدة وترويض للنفس…ولعل في الكتابين المذكورين ومقالات بعض الكتبة ما يخفف غلواء العزوف عن المرقومات، ولنتذكر أننا في عصر الوجبات السريعة لا نستغني أبدا عن الطعام المطبوخ ولو أعجبتنا الأولى أياما وشهورا…هذا غذاء الجسد فما بال غذاء الروح والعقل والفكر؟.. وأنتهي بالعنوان/السؤال: ما آخر مقال قرأته؟!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة