انفجار بيروت.. هل نفذت إسرائيل أرخص عملية أمنية في تاريخها؟

تخيل رئيس وزراء إسرائيل جالساً في مكتبه، يدخل عليه أحد مستشاريه ويعرض تقريراً أمنياً عن وجود ٢٧٠٠ طن من مواد قابلة للانفجار داخل المرفأ الأول والشريان الرئيسي للبنان "البلد المعادي". هل سيتجاهل هذا التقرير ويرميه في المهملات؟ أم سيحتفظ به لوقت الحاجة؟

 

تشير الوثائق التي بدأت تتسرب بعد انفجار بيروت الكارثي، أن كيانات الدولة اللبنانية بأفرعها الأمنية والسياسية والقضائية كانت على علم بوجود حمولة سفينة تحوي نحو ٢٧٥٠ طناً من نترات الأمونيوم منذ عام ٢٠١٤، وهي مواد تمت مصادرتها في باخرة غامضة تدعى Rhosus قيل إنها كانت تتجه إلى الموزمبيق وتعرضت لعطل في هيكلها، وعثر أثناء تعويمها على بضاعة تم نقلها وتخزينها في العنبر رقم ١٢ وحفظُها لحين البت في مصيرها، وصارت بحكم "البضاعة المحجوزة". وتذكر التقارير الرسمية المرفوعة إلى الجهات القضائية المختصة حرفياً "خطورة بقاء هذه الكمية على المكان الموجودة فيه وعلى العاملين هناك".

 

أكثر من ذلك، فهذه الحمولة كان يتم التذكير بها كل عام تقريباً وخلال تعاقب أربع رؤساء مختلفين للحكومة، ومديرَين للجمارك، وتثبت الوثائق مراسلات رسمية موجهة إلى عدد من قضاة الأمور المستعجلة للبت في إعادة تصدير هذه الحمولة أو التخلص منها. كل ذلك لم يحل دون إبقاء قنبلة نووية مصغرة في قلب العاصمة بيروت.

قنبلة نووية؟ هذا وصفٌ استخدمه أمين عام حزب الله حسن نصر الله، الذي كان يلمح إلى إمكانية ضرب إسرائيل في إطار حديثه عن "قوة الردع" في خطاب له عام ٢٠١٦، فقال: "بعض الصواريخ من عندنا بالإضافة إلى حاويات الأمونيا في ميناء حيفا نتيجتها نتيجة قنبلة نووية… بمنطقة يسكنها 800 ألف نسمة يُقتل منهم عشرات الآلاف". هذا التهديد كان كفيلاً بمسارعة إسرائيل إلى إغلاق خزان الأمونيا في حيفا وتسريح 800 عامل وخسارة مئات الملايين من الشيكل "بسبب خطورته المحتملة على السكان" وفقاً لتصريح المسؤولين. ولكن هل كانت هذه فكرة تلقفتها إسرائيل واحتفظت بها حتى حين؟!

 

لطالما حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مما أسماها "هيمنة حزب الله على مرافق الدولة اللبنانية" واستخدامها لإدخال شحنات أسلحة وصواريخ إلى لبنان، كما اتهم نتنياهو حزب الله في خطاب ألقاه في الأمم المتحدة عام ٢٠١٨ بتطوير وتخزين أسلحة قادرة على استهداف البنية التحتية الأساسية لإسرائيل وحدد مواقع في بيروت قال إن الحزب يستخدمها لتحويل "قذائف غير دقيقة" إلى صواريخ موجهة بدقة.

 

التصريحات اللبنانية الرسمية التي أعقبت انفجار بيروت لم تشر -حتى الآن- إلى حادثة مفتعلة، بل دارت جميعها في فلك الحديث عن "محاسبة المسؤولين والمقصرين"، كذلك فإن بيانا صادراً عن حزب الله وصف الحادثة "بالمأساة الوطنية الكبرى" و"الفاجعة الأليمة" ولم يلمح إلى أي عمل عدائي.

لكن السياق الزمني للحادثة ليس اعتيادياً، ففي الوقت الذي كانت تدوي فيه سماء بيروت وأرضها جراء الانفجار، كانت الصحف المحلية والعالمية تتداول خبراً ورد خلال اليوم عنوانه " نتنياهو يوجه رسالة أخيرة إلى حزب الله". ورد هذا الخبر في سياق الأحداث العسكرية الغامضة التي تدور في المناطق الحدودية اللبنانية – السورية- الفلسطينية، وبعدما أعلنت إسرائيل عن إفشالها عملية زرع عبوات من قبل عناصر حزب الله عند حدود الجولان منذ أيام قليلة. حيث قال نتنياهو "إن إسرائيل ستفعل كل شيء لحماية نفسها".

 

المعلومات الأولية لانفجار بيروت متضاربة حول الشرارة الأولى للحادثة، لكنها تشير إلى اندلاع حريق أولاً في المرفأ أدى بدوره إلى انفجار الكميات المخزنة من المواد القابلة للانفجار. وتحدثت الروايات الأمنية عن "عمل فرق فنية على إصلاح خلل في الباب وسد فجوة في حائط العنبر، وأنه أثناء العمل على الصيانة تطايرت شرارة وأدت الى اشتعال مفرقعات موجودة في العنبر نفسه أدت بدورها الى انفجار كميات الأمونيوم بما يوازي انفجار ١٨٠٠ طن من مادة الـTNT"! يقول الخبراء "إن نترات الأمونيوم عند تسخينها تتحلل بشكل غير متفجر إلى غازات بما في ذلك الأوكسجين، ثم تتحول للتفجير إذا جرى تفجير آخر بجانبها.."

 

الآن وأمام هذه المعطيات هل ما زالت فرضية "التفجير المفتعل" مستبعدة؟ فداحة هذه الكارثة التي شبهها محافظ بيروت بكارثة هيروشيما اليابانية، تكمن في خطورة الحادثة وسهولة تنفيذها في آن! ففي بلد مثل لبنان والذي تسرح فيه جميع أجهزة مخابرات الكرة الأرضية سيكون من السهل جدا على أي جهة افتعال حريق مثلا أو خلل تقني يؤدي بدوره إلى هذا التفجير المهول، فالعملية الأمنية هنا – إن صحت روايتها- لا تحتاج فرق عمليات خطيرة، ولا إنزالاً جوياً، ولا ضفادع بشرية ولا صواريخ موجهة.. كل ما تحتاجه شخص يمشي على قدمين وسط هذه الفوضى، يفتعل الحدث ويمضي في سبيله، ويترك الباقي لكفاءة أجهزة الدولة اللبنانية وسرعة تحركها ودقة تفاعلها مع الأحداث الخطيرة..

 

وإذا كانت إسرائيل معنية بضرب لبنان ضربة قاصمة، وشل حركة خروج ودخول الشحنات إليه، وتعطيل المرافق التي تعتقد أن حزب الله يستخدمها لجلب الأسلحة.. فما هي العملية الأكثر تأثيراً وقوة من ضرب مرفأ بيروت التاريخي ومسح معالمه وإخراجه عن الخدمة لسنوات؟!

وإذا كانت النية قد توفرت حقاً لدى إسرائيل لضرب حزب الله ومِن خلفه لبنان ضربة استراتيجية.. فما هو الأوفر ثمناً من الضغط على زر تفجير قنبلة شبه نووية، جهزتها لها الدولة اللبنانية -أكان ذلك عن غباء أو اختراق أو تقاعس- ووضعتها في خدمة من يبحث عن الخراب؟

 

ليس الفارق كبيراً، فالنتيجة الموجعة واحدة. ولن ننتظر يوماً من مجرم أن يعلن مسؤوليته عن قتل وإصابة آلاف المدنيين، كما أننا لن ننتظر نتائج تحقيق شفافة من دولة احتضنت قنبلة ناسفة لأكثر من ستة أعوام، ثم اكتفت بمشاهدتها تنفجر وتحرق بلداً بأكمله، وتعيده إلى عصر ما قبل وجود إسرائيل.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة