كيف ساهم الماضي في أدلجة العقل العربي؟

كيف قبلنا أن نكون فريسة للزمن، لا شيء يسمو في أوطاننا العربية، لا شئ يكبر في هذه الأرض، إلا عمر المواطن وجبل أحزانه، كنا أطفالا، كنا سعداء وسذجا، اختصرنا العالم في أسوار مدرستنا وساحة الحي العتيق، لم يهزم الحزن الذي يطبق على أنفاس الوطن حلما طفوليا وأمنية تتجدد كل صباح، كبرنا، وأصبحنا كجبل تتهاوى أحجاره، وهو يقف شامخا، لا يهمه في الحكاية إلا وصية تسكن أعماق تاريخه، مت واقفا.

 

من الذي أوصل الطريق إلى هنا، كسروك يا صاحبي، تركوك كرواية تثقل كاهل الرف بعد أن قرأت، وسكنت مملكة النسيان، لهم في الدرب شوارع، وفي الروح ظلال تجوب جوانحها كأشباح تتفقد الأطلال، هذه سيمفونية تتردد داخلك، كلما رأيت حاضرا يلتحف السواد، الحنين إلى الماضي، الهروب إلى زمن الطفولة، إلى الجنة الوردية التي تلجأ لها هروبا من واقع يعاند طموحاتك، قد لا تعرف ربما أن ذلك الخيط الذي يشدك إلى الخلف، يتحول شيئا فشيئا إلى اضطرب نفسي، وأن النشوة التي تغرق فيها أثناء تصفحك لصفحات الماضي هي شكل من أشكال الاكتئاب، النوستالجيا.

 

رحلة إلى مرافئ الذكريات، نحو أحداث يقينية تسكننا بأدق تفاصيلها، قد يكون الحنين إلى الماضي صفة إنسانية، وليست حكرا على الفرد العربي، لكن ولأن الأنظمة العربية ولدت جميعها من ضلع أعوج، حولوا الماضي إلى المحطة التي يندم الإنسان أنه لم يتوقف فيها مطولا، وحولوا معه مجتمعاتنا إلى مستشفيات للأمراض العقلية، فبعد أن ورثنا تواليا عن أجدادنا أحلامهم الموقوفة التنفيذ، أصبحت فترة الطفولة هي الصفحة البيضاء الوحيدة، في كتاب الأجيال العربية المتعاقبة، واستحضار الماضي هو استحضار لأشياء جميلة سرقتها الحياة منا.

أصبحت الحملات الإعلانية تعتمد على علاقة الإنسان بالماضي، للترويج للمنتجات التجارية، وأصبحت النوستالجيا ركيزة في خطوات الاتصال الإقناعي، وأساسا في تصميم الحملات الإعلامية، فالحنين إلى الماضي يوجه سلوكاتك واختياراتك

النوستالجيا عندنا نحن العرب لها بعد سياسي وحضاري، بدأ من إدمان الأطلال، ونظم الشعر فيها، وتطور ليجعل منها متلازمة للتاريخ، فنحن أمة الماضي إلى أبعد الحدود، يريدون منك أن تنظر خلفك، وأن تبقى حبيس السراب، أن لا ترى حاضرك، وأن لا تتطلع لمستقبلك، يريدونك رهينة لفعل كان، النوستالجيا رغم أن الكلمة تحمل في ذاتها بذرة السلبية، استطاعت أن تؤسس لنفسها مكانا في أرواح البشر، وأن ترسم الماضي في شكل قرص الأسبرين، الذي يطفئ الوجع الحاد الذي يكاد أن يفتك بأدمغتهم، وقد عملت الأنظمة العربية على مدار عقود على ترسيخ حب الماضي في ذهنيات شعوبها، وطوعت الذاكرة خدمة لأغراض سياسية.

 

هل يمكن أن تساهم النوستالجيا في تثبيت نظام الحكم؟ وكيف يمكن أن يلعب الماضي والذكريات الفردية دورا سياسيا؟

إن الارتباط بالماضي يبعد الإنسان عن الحاضر بكل آلامه ومآسيه، ويولد عنده درجة من الرضا والقبول للواقع بشكل تلقائيا وغير إرادي، وهنا تكمن خطورة النوستالجيا، عندما تصبح جرعة لأدلجة العقل والتحكم فيه، ويصبح معها نطاق التفكير والتجديد عند الإنسان صورة أخرى لتصوراته الماضية، والتي هي في الأصل تصورات موروثة ومنقولة، فحتى الذكريات التي نظن أنها ملكية خاصة، هي نتاج سياسي واجتماعي وثقافي، لها إطارها الزماني والمكاني التي حدثت فيه.

 

لهذا أصبحت الحملات الإعلانية تعتمد على علاقة الإنسان بالماضي، للترويج للمنتجات التجارية، وأصبحت النوستالجيا ركيزة في خطوات الاتصال الإقناعي، وأساسا في تصميم الحملات الإعلامية، فالحنين إلى الماضي يوجه سلوكاتك واختياراتك، ودراسة نفسية بسيطة لذاكرة جيلا من الأجيال، تكفي لأن تحول الماضي إلى أداة للتحكم في الأفراد، ولتسيير المجتمعات، ورسم انتماءاتها الفكرية ومعتقداتها، فالاعتماد على النوستالجيا لإقناع الإنسان بمنتج تجاري أو مشروع فكري أو حتى شخصية سياسية، هي غوص في مكامن النفس البشرية، ونبش في رغبات الإنسان وميولاته، ومن يعرف ماضيك يسهل عليه فهم حاضرك وتوجيه مستقبلك، ويسهل عليه أيضا صناعة طائفتك الفكرية والأيديولوجية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة