هيروشيما في بيروت!.. يا ستّ الدنيا قومي من تحت الردم!

اهتزت بيروت واهتز معها لبنان ومحيطه بانفجار هائل، على غرار انفجاري هيروشيما وناكازاكي الشهيرين، أصاب أكبر مرافئ لبنان وأحد أهم مرافئ البحر الأبيض المتوسط، فأحدث الانفجار خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وجعل من بيروت مدينة منكوبة، وكأن قدر "ست الدنيا"، كما سمّاها الشاعر نزار قباني، كأن قدرها أن تعبر من جائحة إلى جائحة، ومن نكبة إلى نكبة، وألا تُتْرَكَ لتلتقط أنفاسها بين ضربة وأختها، وبين كارثة وأختها. إنّها فاجعة من أقسى الفواجع ومأساة من أوجع المآسي تمر بها عروس العرب وواحة حرياتهم ودار نشرهم ومنبر كلمتهم الحرة ومأوى كل المضطهدين والمطاردين في دنيا العروبة.

 

وكأني بالشاعر الأيقونة محمود درويش يعود إلى الحياة مرة أخرى ليكرر كلمات "مديح الظل العالي"، ملحمته الخالدة التي سطّرها في حب بيروت وإيفائها جزءًا من حقها في احتضان الثورة الفلسطينية: "بيروت قلعتنا، بيروت دمعتنا.. بيروت لا.. قد أخسر الدنيا نعم.. لكني أقول الآن لا.. هي آخر الطلقات لا.. هي ما تبقى من حطام الروح.. لا". فلمن تراها تقول اليوم بيروت "لا" بعد هذا الانفجار الكارثة؟ إلى صدر مَن توجّه بيروت آخر الطلقات؟ وهل تبقى في "ست الدنيا" أي شيء من حطام الروح لكي تعود به إلى الحياة؟

 

لا تهمّ كيفية الانفجار وملابساته، بالرغم من فداحته العظمى، وبالرغم مما تكبده اللبنانيون من خسائر أليمة في الأرواح والممتلكات. فسواء كان الانفجار ناجمًا عن هجوم صاروخي من جهات عدوّة للبنان، أو أنه كان ناتجًا عن حادث غير متعمد جاء حصيلة الإهمال وسوء التدبير والفساد على كافة صعد الدولة، فإن هذا لا يغيّر شيئًا من المسؤولية، ولا يخفف أو يزيد من ثبوت التهمة على المتهم الأساسي والرئيسي والوحيد.

الانفجار جاء نتيجة استخدام مرفأ بيروت، ذي الطابع المدني والتجاري، لتخزين ما أظن أنه مواد متفجرة لصالح جهات خارجة عن السيطرة الرسمية للدولة اللبنانية.

 

لذلك، وبغضّ النظر عن الطريقة التي حصل بها الانفجار، فإن المسؤول الرئيسي والأساسي والوحيد هو التنظيم المسيطر على الدولة اللبنانية والمهيمن على كل قطاعاتها ومعابرها وحدودها ومداخلها ومخارجها وهو "حزب الله" وحلفاؤه.

 

وجاء هذا الانفجار الهائل ليضيف مصيبة جديدة إلى جملة مصائب لبنان. فهذا البلد الصغير المنكوب بالأزمة السياسية والاقتصادية العميقة منذ تولي ميشال عون لرئاسة الجمهورية. فمن تدهور قيمة العملة الوطنية والغلاء الفاحش في الأسعار ونهب مدخرات اللبنانيين في المصارف، إلى فساد الطبقة السياسية ونهبها للمال العام ولأموال المودعين في المصارف، مرورا بفضائح العنصرية والطبقية وسحق المهمشين والمستضعفين، صار لبنان أرضا منكوبة أخلاقيا يسحق فيها القوي الضعيف، ويأكل الغني فيها الفقير، ولا حرمة فيها لشريعة أو ذمة أو قانون. إنها دويلة ميليشيا السلاح التي اختطفت الدولة وعاثت فيها فسادا وأفقرت المواطنين وأذلتهم وداست على كراماتهم.

تأتي هذه النكبة البيروتية الجديدة لتدق نواقيس الإنذار ولتدعو جميع قوى الشعب الكادح إلى استعادة ما كانت قد شرعت به في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، إنها تدعوهم لاستكمال الثورة التي كانت تطالب بإزاحة الطاقم السياسي المسيطر على البلاد وبإجراء إصلاحات جذرية تحاكم السياسيين الفاسدين وتستعيد الأموال العامة المنهوبة، وتنتشل الدولة من قبضة الدويلة. فهذا الانفجار العظيم كانت له إرهاصاته ومقدماته التي طالما حذّر منها الحكماء والعقلاء، والتي طالما أصرت الزمرة الحاكمة أن تمتنع عن أخذ هذه التحذيرات على محمل الجد.

 

بيروت، التي كانت دائما ساحة لحرية التعبير ومنبرا لكل الشعراء والمفكرين والأدباء وأهل القلم، احتفلت هذا العام بعيد جيشها بحفل أنشدت فيها أغنية ماجدة الرومي "يا ست الدنيا يا بيروت"، التي ألّفها الشاعر السوري الكبير نزار قباني، فاضطرت أن تكون شاهدة مكرهة على حذف مبضع رقابة المنظومة الحاكمة لعبارة: "إن الثورة تولد من رحم الأحزان". فجاء هذا الانفجار ليقول لهذه المنظومة الحاكمة الفاسدة، القائمة على الزواج الآثم بين ميليشيا حزب الله وأمراء الحرب، ليقول لهذه المنظومة شيئا مما قاله محمود درويش: "بيروت لا.. بيروت قلعتنا.. بيروت دمعتنا.. لا.. لا.. لا". ولتردد مع نزار قباني: "يا ست الدنيا يا بيروت.. قومي من تحت الردم.. كزهرة لوز في نيسان".



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة