عبد الفتاح الشيخ الأستاذ الصارم الذي أنجز لجامعة الأزهر هياكلها ودعائمها

مكانته في تاريخ أمته

نشأت جامعة الأزهر الأولى نشأتها الأولى منذ أكثر من ألف عام، وفي 1930 نشأت جامعة الأزهر نشأتها ذات الكليات أي بالمعنى الحديث الذي يقتضي نشأة عدد من الكليات الجامعية وتمايز التخصصات فيما بينها وهو ما حدث في عهد الامامين المراغي والظواهري، وفي 1961 نشأت جامعة الازهر نشأتها المتعصرنة أي المرتبطة بالتوسع في ميادين علومها والامتداد الطبيعي إلى العلوم الحديثة كلها من خلال جامعة عصرية واسعة لا تقف عند حدود الكليات الأزهرية التقليدية (1961) وتولى امرها في اول عهدها كل من الشيخين محمد البهي وأحمد حسن الباقوري، ثم كانت النشأة الأخيرة والاكتمالية التي تتضمن نشأة السور الذي يحيط بجامعة الأزهر وأبواب هذا السور التي تسمح بالعبور اليها ومنها كما يؤطر وجودها المادي والمعنوي وشراكتها في المجتمع ونظمه وقوانينه وهيئاته ثم نشأة الهياكل الداعمة لهذا السور من داخله، وقد تمت هذه النشأة على يد الدكتورين محمد السعدي فرهود (1983 ــ 1987) وعبد الفتاح الشيخ ١٩٨٧-١٩٩٥ ومثلت إنجازا كبيار تم على يد هذين الدكتور اللذين وهبا نفسيهما لهذه المهمة فكان أولهما (فرهود) ناجحا نجاحا ساحقا في الحضور والاتساع ووالتنظيم والاكتمال وكان ثانيهما (الشيخ) حريصا على أداء دوره الصارم والأصعب في معطياته ومحاذيره من الادوار السابقة غير هياب ولا مجامل. كان السند الأول للشيخ عبد الفتاح الشيخ في إنجازه الذي تحقق وتكرس هو الشيخ جاد الحق على جاد الحق ١٩١٧ -١٩٩٦ وهو رجل قضاء وقانون لا يقل استقامة عن الدكتور عبد الفتاح الشيخ إن لم يكن يفقه بمراحل في فهم القانون والالتزام به.

 

قصّ على من هو في مكانة الابن من الشيخ جاد الحق على جاد الحق سر اختيار الشيخ للدكتور عبد الفتاح الشيخ إذ انه كان قد سأله عن السبب في لحظة صفاء، فقال له إنه وهو شيخ للأزهر مسئول عن الجامعة وغير الجامعة كان يحيل كثيرا من الأوراق والمشكلات والشكاوى والمذكرات إلى اقطاب المجتمع الأزهري في ذلك الوقت فكان الزمن الذي يستغرقه كل منهم حتى يرد على ما حول إليه يتفاوت تبعا لطبائعهم وانشغالهم إلا شخصا واحداً فقط هو عميد كلية الشريعة الدكتور عبد الفتاح الشيخ الذي لم يكن رده يستغرق أكثر من 24 ساعة على اقصى تقدير، وكان رده مهما كان مضمونه يأتي واضحاً شافيا غير محتمل للقيل والقال وكثرة السؤال. وهكذا فإن الشيخ جاد الحق على جاد الحق اختار هذا العميد لهذا المنصب، وكان موفقا جدا في هذا الاختيار لأن معياره فيه كان معياراً سليماً وصادقاً وقادراً على تفريق من يصلح للإدارة العليا في مثل هذا المنصب ممن هو أقل صلاحية. كان الدكتورعبد الفتاح الشيخ أستاذا ابن أستاذ فقد كان والده من علماء الأزهر وأساتذة جامعته المعمرين وإن لم يشتهر هذا الأمر بالقدر الكافي ومن الطريف أنه عاش حتى شهد عهد رياسة ابنه للجامعة .

نشأته وصعوده

ولد الدكتورعبد الفتاح الشيخ في مدينة طنطا في 8 مارس 1938 وتلقى تعليما دينيا تقليديا ومتميّزاً على يد والده وزملاء والده وتلامذة والده، ونجح في أن يحصل على الشهادة العليا في سن الخامسة والعشرين وهو اصغر سن للحصول على الشهادة في ذلك الوقت، وقد تخرج في كلية الشريعة في 1963 وسرعان ما أتم حصوله على شهادتي الماجستير والدكتوراه فانتهى من الشهادتين بعد 6 سنوات من تخرجه أي في 1969 وأصبح مؤهلا للترقي السريع في وظائف الأستاذية، كما أصبح مرشحا ليتولى المناصب العليا في الجامعة الأزهرية، وهكذا فإنه بعد 10 سنوات من حصوله على الدكتوراه أصبح عميداً لكلية الشريعة في طنطا، وبعد 3 سنوات أخرى انتقل ليكون عميداً لكلية الشريعة الأم في القاهرة في 1982 أي من قبل عشرين عاماً على تخرجه من الكلية ذاتها مكرراً بهذا مسارات أساتذة كليات الحقوق الأوائل في الأربعينيات والخمسينات.

عاش الدكتور الشيخ محل اجلال وتقدير ولم يتورط فيما يتورط فيه من جربوا لذة السلطة فأدمنوها وعانوا من غيابها، وأصبح الدكتور عبد الفتاح الشيخ بعد هذا عضوا في هيئة كبار العلماء عند تأسيسها في 2012

وبعد خمس سنوات في العمادة وهي مدة ليست قليلة للتمرس بكل المتطلبات القيادية العليا أصبح الدكتورعبد الفتاح الشيخ رئيسا للجامعة خلفا للدكتور محمد السعدي فرهود الذي كان ملء السمع والبصر، وسرعان ما أضفى أكبر قدر من الصرامة والاحترام والانتظام على السلوكيات الجامعية وبخاصة سلوكيات هيئة التدريس فيما يتعلق بالإعارات والإجازات والمقررات والكتب والمناهج وقاعات البحث ولغة التدريس والبحوث والتسجيل والمناقشة والاشراف والامتحانات … وما إلى ذلك كله.

كثرة أعدائه

وكان من الطبيعي أن يكثر أعداء هذا الرجل، وأن يتحرّشوا به في كل خطوة، وفي كل خاصة من خاصات حياته، ومن الحق أن نقول إن كل هذا التحرش إن لم يكن جميعه كان على باطل. كان الدكتور عبد الفتاح الشيخ حريصا على أداء واجبه بكل ما يمكنه من الالتزام الدقيق وعلى تحمل كل ما هو معروف من سخافات المجتمع السياسي المصري، والعقد الحاكمة للمجتمع البيروقراطي المصري، وتجاوزات المجتمع المهني المصري، وقد وصل الأمر بمن كانوا يتحرشون به أن رفعوا عليه قضية تزعم أنه سرق رسالته للدكتوراه من كتاب لواحد من أساتذته، أو الجيل السابق عليه، وتم تداول هذه القضية في مجلس الدولة بينما الطبل الإعلامي يحيط بها، وكان المستشار طارق البشري من القضاة الذين حكموا فيها، وكان من تعبيراته التي يصرح بها لمن يسألونه ممن يثق بهم أن الدكتور الشيخ اعتصر إنجاز استاذه وكتابه تماماً لكنه لم يسرقه.

 

دامت رئاسة الدكتور عبد الفتاح الشيخ ثماني سنوات وكان من الممكن ومن الأولى بالأزهر أن تمتد هذه السنوات مدتين أخريين حتى يصل الخامسة والستين، فيزيد الجامعة تألقا وثباتا على خط الصرامة، لكن جوهر إنجازه كان قد تحقق تماما بحيث لم يعد لا هو ولا الدولة بحاجة إلى مدة أخرى. ومن الطريف أن خلفه في رئاسة الجامعة كان هو الدكتور أحمد عمر هاشم الذي كان يتطلع إلى هذا المنصب بكل سبيل وكانت الدولة تتطلع الى ان يضمن وجوده انفراجاً مطلوبا في مثل المنصب ومتطلباته .

عاش مكرما

عاش الدكتور الشيخ محل اجلال وتقدير ولم يتورط فيما يتورط فيه من جربوا لذة السلطة فأدمنوها وعانوا من غيابها، وأصبح الدكتور عبد الفتاح الشيخ بعد هذا عضوا في هيئة كبار العلماء عند تأسيسها في 2012 وتوفي في العام التالي لتكوينها في سبتمبر 2013 في أعقاب الانقلاب العسكري، وبعد خلفه الثالث في رئاسة الجامعة للدكتور عبد الفتاح الحسيني بشهرين. بقي للدكتور عبد الفتاح الشيخ ذكره الشامخ وأثبتت الأيام سنة بعد أخرى أهمية وقيمة ما فعله، ومدى إخلاصه ووفائه لمؤسسته، وأصبح اسمه بين رؤساء الجامعة الأزهرية في المكانة الأولى مناظراً وغير بعيد عن الاستاذين أحمد حسن الباقوري ومحمد السعدي فرهود بكل ما أنجزاه. كنت أتمنى له (من دون أن يتيح لي الزمن أن أفاتحه) لو أنه رأس جامعة أزهرية أهلية تنمو طبقاً لقانون الجامعات الخاصة الجديد الذي صدر وبدأ تطبيقه منذ ١٩٩٦ ثم بدأ يستوعب توجهات ذكية مع ثورة ٢٠١١ فقد كانت مثل هذه الجامعة قادرة على أن تفيد من قدراته الفذة على تكوين وتطوير الهياكل السليمة بيد ان الزمن لم يتح لي أن أفاتحه في هذا بسبب الانقلاب.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة