شخصية الفرد اللبناني.. تساؤلات أولية

(تنويه: كُتب هذا المقال قبيل حادثة انفجار مرفأ بيروت. لم أغير فيه شيئا، ولكني أخشى ما أخشاه أن الكتابة لم تعد تنفع. هذا الانفجار هو جريمة العصر خاصتنا، المحرقة التي ستُسخِّفُ كل ما سيأتي بعدها. لا معنى للفكر والبحث والكتابة بعد اليوم.)

 

أفكّر بضرورة الخروج بإجابة شافية عن سؤال ماهية شخصية الفرد اللبناني. البحث طويل، ولا زلت في بداية الطريق. من أين أنطلق؟ كيف أبدأ؟ وما هو التصور الذي أريد أن يقودني بحثي إليه؟ لا أعرف شيئا سوى أنني هائم على وجهي، أحاول عبثا أن أقلِّد عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "شخصية الفرد العراقي."

 

من أنت أيها اللبناني؟ ما هي محدِّدات هوياتك المتعددة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية؟ وما هي المخاييل الفردية والجمعية التي تشكّل وجودك المعاصر وتضبط إيقاع حوارك مع الذات والآخرين، أولئك الذين يشاركونك الوطن أو يناصبونك العداء؟ باستطاعتي بالطبع أن أعمِّمَ عبر المقارنة، كأن أقول إن مخالطتك للفرد السوري قد أكسبتك شيئا من تلك التنازعية العنيفة بين الريف والمدينة التي رسمت، بالدم قبل أي شيء آخر، ملامح مجتمع هذا الأخير. أو أن أقول إن اتصالك العميق بمصر، حضارة وثقافة وصالونات أدبية، قد هذَّبَ قوميَّتَك، دافعا إياك إلى التواضع والتصالح مع تنازعية عنيفة أخرى، بين أسطورة الفينيقية من جهة وأسطورة العروبة من جهة أخرى. أو أن أقول، مستحضرا الوردي، إن انحدارك، أقله بعضك، من العراق، وتردّدك الدائم عليه، قد زادك يقينا بأن المشرق العربي مشرق حزين لن يذوق طعم الرفاه الاجتماعي أبدا ما دامت شعوبه منشغلة بفك ألغاز ثنائية الطائفة-المجتمع.

ولكني أجد أن المقارنات تبخس الخصوصيات الوطنية حقها وغالبا ما تؤدي إلى ملخصات ساذجة، وهو ما يليق ببدايات بحث أحرص أن يكون على درجة عالية من الأمانة العلمية والتجرد النظري المعقول. لذلك، بدلا من التعميم، سأعمد أدناه إلى تقديم تساؤلات أولية حول شخصية الفرد اللبناني، وهي تساؤلات مستلهمة أساسا من متابعتي في الآونة الأخيرة للجدل الدائر في البلاد حول "طبيعة النظام الاقتصادي اللبناني القائم على مبادئ السوق الحرة وحرية العمل والمبادرة الفردية وتجميع الثورة،" إذ إن البعض يحاجج بأن اللبناني مطبوع بهذا النظام، نظام "المدرسة-المستشفى-المصرف،" الذي نشأ في كنفه وينبغي عليه اليوم أن يحميه ويخلِّصه من براثن التسلط المافيوي.

 

بادئ ذي بدء، إن مقولة تأسُّس لبنان الحديث على قاعدة الحريات الفردية والاجتماعية والاقتصادية ليست في حقيقة الأمر سوى فرية أو مغالطة تاريخية تسوقها قوى اليمين بين الحين والآخر لمحو ذاكرة النضالات العمالية والنقابية، وبالتالي عرقلة نمو وعي طبقي جمعي. ولكنها ليست، من وجهة نظري على الأقل، مقولة خاطئة تماما. فإذا ما وضعنا جانبا، نحن المفكرين والأكاديميين، انشغالنا السفسطائي المعتاد بمحاولة تشريح التضاد بين الخطابين اليساري واليميني، سيصبح في وسعنا أن نفهم ونقدِّرَ بشكل أوضح وأكثر موضوعية حجم التأثير التكويني الهائل الذي تركته قرون طويلة من غياب وتغييب الدولة (العام)، وما استتبعه ذلك من اضطرار حتمي إلى المبادرة (الخاص)، على الفرد اللبناني.

 

فمن الجائز القول إن هذا الفرد، الذي منذ أن يُولد إلى أن يموت يتعوّد الاعتماد على نفسه فقط في المسكن والمأكل والمشرب والملبس والطبابة والتحصيل العلمي وحتى الأمن الذاتي، هو، من حيث يدري أو لا يدري، نيو-ليبرالي حتى النخاع. بل إنه لا مبالغة في القول بأنه، وهو المنكوب دوما بتقاعس الدولة اتجاهه، قد سبق عتاة الفكر النيو-ليبرالي من أمثال النمساوي الأصل فريدريك هايك والأميركي ميلتون فريدمان إلى الإيمان المطلق بمسلمات هذا الفكر، كالفردانية والنفعية والداروينية الاجتماعية و"اقتناص الفرص" و"شرعية الإنجاز" والحق المقدس بالملكية الخاصة والمنافسة على كل شيء، مادي أو معنوي!

 

أميل، إذن، من حيث المبدأ، إلى اعتبار هذا النزوع المصطنع (لا العضوي) إلى الخضوع التام أو شبه التام إلى هاجس البقاء والاستقلالية الذاتية، والذي يمكن الاصطلاح عليه بنيو-ليبرالية بدائية، صفة مهيمنة على شخصية الفرد اللبناني، وهي صفة تتزاحم بالضرورة مع صفات (أو قل إمكانية انبثاق صفات) أخرى. هنا يجدر التساؤل: هل كانت انتفاضة السابع عشر من تشرين في العام الماضي بمثابة الانفجار الأول العنيف – نتيجة عقود من انخراط الجميع، شعبا وحكومات، في عملية تحطيم منهجي للدولة – لتلك النيو-ليبرالية البدائية في وجه هذا الفرد؟ وإن كان الأمر كذلك، فما هي يا ترى تلك الصفة البديلة التي ستحظى بشرف إعادة تكوين شخصيته على المدى البعيد؟

البعض، مثلا، كالزعامات الطائفية ومن يَحُجُّ إليها من مصرفيين ورجال أعمال وبيروقراطيين متنفذين، يرتأون أن يبقى الفرد اللبناني على ما هو عليه من فردانية. يريدونه أن يكدح وينجو وينجز وحده. تعجبهم نيو-ليبراليته البدائية، ولذلك لن يفكروا أبدا بإهدائه دولة رشيدة. بل على العكس من ذلك، فإنهم سيمعنون في تحطيم ما تبقى من بنيان الدولة المهترئ أصلا ليؤمنوا له خارطة طريق أو جسر عبور غير مجاني نحو نيو-ليبرالية أكثر حداثة، كتلك الموجودة في الغرب، حيث تُخَصخَص الأرزاق والحيوات ويتقدم الاعتبار الاقتصادي على ما عداه من اعتبارات. فهل سيتمكن من المقاومة؟ أيضا، وفي المقابل، هناك من يعمل في السر والعلن لإخراجه من ظلمات العولمة النيو-ليبرالية إلى "نور" العزلة الدولية والإقليمية، باعتبار أن هذه الأخيرة ستعلّمه كيف ينخرط ويكدح في إطار جماعة أكبر، رغما عنه وبغض النظر عما إذا كانت آراؤه وتطلعاته تتَّسِق أو تتعارض مع مصالحها وأهدافها. فهل سيقبل أن تكون العزلة صفته الجديدة؟

 

ختاما، سؤال الشخصية دوما شائك، خاصة إن كان موضوعه شعبا بأسره. حتى الوردي، الذي لا يختلف اثنان حول القيمة الكبيرة لكتاباته وإسهاماته، لم تسلم أطروحته حول شخصية الفرد العراقي من اتهامات ممارسة الجوهرانية (أي افتراض إمكانية رد أفكار الفرد وتصرفاته إلى جوهر ما يسكنه ويحرِّكُه). المهم ذكره هنا هو أنني، وعلى خطى الوردي، لم أتَوَخَّ من وراء تساؤلاتي حول شخصية الفرد اللبناني الإطلاق أو الاختزال بقدر ما توخيت هدفَ استئنافِ الجهد المثالي لعلم الاجتماع الرامي إلى تبيان القوانين الموضوعية التي تحكم الترابط بين البنية والذات في السياق المجتمعي الواحد. لقد سعيت، بمعنى آخر، إلى استعمال "الشخصية" ليس فقط كأداة حفر في الواقع اللبناني، بل كوسيلة استفزاز لحث نفسي واللبنانيين جميعا على التفكير العميق في المُكَبِّلات البنيوية التي تمنعنا من التصدي الفعال للأزمة الراهنة. عسى أن أكون قد وُفِّقت بعض التوفيق فيما ذهبت إليه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة