أحمد السعيد سليمان حجة العرب في الأتراك وشعرهم وتصوفهم

في إحدى زياراتي لمكتبة مجمع اللغة العربية بالقاهرة في نهاية السبعينيات أتيح لي أن أتعرف بالدكتور أحمد السعيد سليمان فوجدت فيه نموذجا لراهب العلم الجليل الذي يبحث عن جزئيات المعرفة في مظانها غير المطروقة في خزانات الكتب، وتكرم على فلخص لي حال الدراسات الشرقية في مصر وتاريخها، ثم تفضل على بأن أوصلني بسيارته، وكنت في مسيس الحاجة الى هذا لأني كنت قد حصلت على مجموعة كبيرة من مطبوعات المجمع في وقت لم تكن حقائب البلاستيك قد تيسرت فكنا مضطرين الى حزم الكتب بحبال مفتولة قابلة للتمزق السريع، إلا ان تحتويها سيارة، وفيما قبل ذلك بشهور كانت قد اشتريت كتابا تاريخيا مهما كان هو منْ تولى ترجمته فكان سعيدا بثنائي على هذا الكتاب وجمال عرضه ودقة ترجمته، ومن العجيب أن هذا الكتاب كان واحدا من الكتب العشرين المراجع التي جلدتها تجليدا فاخرا، وجعلتها إلى يميني حيث أجلس في مكتبتي أي ضمن ما كان العلماء في عصر ما قبل الانترنت ينصحون الباحثين به من كتب المكتب المرجعية desk books يمدون اليها أيديهم وهم يكتبون ليوثقوا معلومة أو يؤرخوا حدثا أو يفسروا مصطلحا أو يضبطوا هجاء أو إملاء، وتشمل هذه الكتب المرجعية معاجم اللغات ضمن ما تشمل، أما الكتاب الذي ترجمه الدكتور أحمد السعيد سليمان وقدم له وعقب عليه فهو كتاب " تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة" فهو كتاب رصين ومتوسط الحجم، وينفرد برسم شجرات العائلات الحاكمة بطريقة هندسية دقيقة .

مكانته العلمية

الدكتور أحمد السعيد سليمان (1924 ـ1991) هو عميد الدراسات التركية في الجامعات المصرية بعد جيل المؤسس الدكتور عبد الوهاب عزام 1894- 1958، وقد عرف بأنه جمع العلم بالعربية، والتركية والفارسية، وكان أول مصري حصل على دكتوراه الدولة من فرنسا في الدراسات التركية، ثم كان أول من تدريس اللغة التركية وآدابها بالجامعات المصرية، وكان أساتذتها قبله من الأتراك. وقد استطاع أن يضيف الى المدرسة العلمية المصرية في هذه الدراسات الحيوية في عصر الحرب الباردة التي جعلت التحفظ (واحيانا التباعد) هو الطابع المسيطر على العلاقات المصرية التركية، وقد كان من الذكاء بحيث ارتاد آفاق البحث العلمي في التصوف والشعر الصوفي، وما عكسه هذا من تاريخ عقلي وسياسي أسهم في تكوين صورة تركيا الحديثة .

 

وقد ساعده على نجاحه الساحق أمران أولهما أنه كان يتمتع بالنبوغ المعرفي وحب الأدب وهو ما كان معروفا عنه منذ صغره حيث كان بشهادة الشاعر والمجمعي الكبير الأستاذ محمد عبد الغني حسن يحفظ كثيرا من الشعر العربي القديم والحديث وينسبه إلى قائليه فلا يخطئ في نسبة، ولا يخلط في رواية. أما الأمر الثاني والأهم فهو أنه درس التركية وأعد رسالتيه لدرجة دكتوراه الدولة في السربون، واختلط بالمدرسة العلمية الفرنسية في الدراسات التركية والعثمانية ومكنته بعثته أن يقضي عامين في تركيا نفسها وهكذا أصبح منذ شبابه صاحب دراسات عميقة في التصوف التركي، والتاريخ التركي السياسي والديني. وباختصار شديد فانه على المستوي العلمي والإنساني كان عالما واسع المعرفة، محققا دقيق التحقيق، وعلي المستوي الانساني تمتع بصفات إنسانية رفيعة من رحابة الصدر، ودماثة الخلق، والتواضع.

عمل الدكتور احمد السعيد سليمان خبيرا بمجمع اللغة العربية منذ سنة 1960، واختبر لعضوية المجمع (1979) في الكرسي السادس والعشرين خلفا للدكتور إبراهيم أنيس، وكان هو وزميله الدكتور مجدي وهبه 1925- 1991 أصغر الأعضاء حين انتخابهما لعضوية المجمع

نشأته وتكوينه

ولد الدكتور أحمد السعيد سليمان بمدينة المنصورة (1924)، وحصل على الشهادة الابتدائية القديمة مبكرا (1935)، ثم نال الشهادة التوجيهية من مدرسة المنصورة الثانوية (1940)، والتحق بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول (القاهرة)، وتخرج في قسم اللغة العربية بها (1944)، فاشتغل مدرساً بالتعليم الحر، ثم عين موظفاً بوزارة الشئون الاجتماعية، وعمل في إدارة الدعاية والإرشاد ثم نقل إلى إدارة الجمعيات الخيرية. وفي خطى موازية التحق بعد تخرجه في قسم اللغة العربية بمعهد اللغات الشرقية، فحصل على دبلوم المعهد (1947) وكان الأول على فرع اللغة التركية، فرشحته كلية الآداب لبعثة الدراسات التركية بباريس (1950)، وأذن له بالسفر إلى تركيا فأقام بها عامين جمع فيهما مواد رسالتي الدكتوراه المطلوبتين للحصول على تلك الدرجة في النظام الفرنسي، وحصل على درجة دكتوراه الدولة بمرتبة الشرف الأولي (1956). وبعد عودته من البعثة عين معيدا بكلية الآداب بجامعة القاهرة ريثما تخلو الدرجة، فمدرسا، فأستاذا مساعدا، فأستاذا لكرسي اللغات الشرقية ورئيسا للقسم بالكلية، وقد مثل جامعة القاهرة في المؤتمر الدولي للمستشرقين سنة 1971م في كانبرا.

اختياره عضوا في مجمع اللغة العربية

عمل الدكتور احمد السعيد سليمان خبيرا بمجمع اللغة العربية منذ سنة 1960، واختبر لعضوية المجمع (1979) في الكرسي السادس والعشرين خلفا للدكتور إبراهيم أنيس، وكان هو وزميله الدكتور مجدي وهبه 1925- 1991 أصغر الأعضاء حين انتخابهما لعضوية المجمع، وقد كانا معا اول اثنين من جيلهما وصولا الى عضوية المجمع اللغوي، ومن الجدير بالذكر أنهما توفيا في عام واحد. وقد أسهم في نشاط لجنة المعجم الكبير (ولجنة إعداد المادة للمعجم الكبير، ولجنة تنسيق المعجم الكبير) واسهم أيضا في لجان ألفاظ الحضارة، والتاريخ، والكيمياء، والأحياء

آثاره

له دراساته المرموقة في ميدان التصوف:

ـ «العقائد السرية للبكتاشية» بالفرنسية.

ـ «دفتر العشاق» رسالة للصوفي التركي عبد الله المغاوري (فايغو سر أبدال) ترجمها عن التركية.

ـ «المولوية.. آدابها ومراسمها» مستنبطة من المثنوي (بالفرنسية) طبعة القاهرة وليدن.

ـ «وحدة الوجود وبعض الأفكار الباطنية في الكتب التركية لإسماعيل حقي.

وفي مجال التاريخ والوثائق له:

ـ «مخطط لتكوين أرشيف إقليمي للعالم العربي» (حوليات آداب عين شمس).

ـ «تاريخ الترك في آسيا الوسطي» مترجم عن التركية، القاهرة.

ـ «قيام الدولة العثمانية» مترجم عن التركية،.

ـ التيارات الدينية والقومية في تركيا المعاصرة.

ترجم :

ـ " تاريخ الدول الإسلامية ومعجم الأسر الحاكمة» وطبعته دار المعارف بالقاهرة.

في مجال الدراسات اللغوية والأدبية:

ـ «تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل» دار المعارف وهو كتاب شهير.

ـ «أوزان الشعر الشعبي التركي وأشكاله».

ـ «المخلفات الوثنية في الأدب الشعبي التركي» بالفرنسية (طبع في القاهرة ولندن).



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة